حبيبي الأبدي الجزء الثاني
تبلور الخطط وعقبات غير متوقعة
بقلم سارة العمري
بعد أيام قليلة من لقائهما الأول، حيث تبادلا فيها الأحاديث العذبة والوعود الصادقة، قرر أحمد وليالي أن يشرعا في اتخاذ الخطوات الرسمية لخطبتهما. كانت الحاجة فاطمة سعيدة للغاية بهذا التقدم، فقد كانت ترى في أحمد شاباً لا مثيل له، يليق بحفيدتها الغالية. بدأت التحضيرات الأولية للخطبة، وكانت الأجواء في منزل الجد تموج بالفرح والتفاؤل.
أما عن أحمد، فقد كان يعمل جاهداً لإنجاز بعض الأمور المتعلقة بعمله قبل الالتزام الكامل بمسؤوليات الخطوبة. كان لديه مشروع جديد كان يتطلب منه جهداً إضافياً، ولكنه لم يكن يرغب في تأجيل أي شيء يخص حياته مع ليالي. لقد شعر بأنها هدية من الله، وأنه يجب أن يقدر هذه النعمة بكل ما أوتي من قوة.
في إحدى الأمسيات، بينما كان أحمد وليالي يتحدثان عبر الهاتف، يتشاركان تفاصيل يومهما، سأل أحمد ليالي عن رأيها في فكرة حفل خطوبة بسيط، يقتصر على الأهل والأصدقاء المقربين.
"ما رأيك يا ليالي؟" قال أحمد بصوته الدافئ، "لا أريد أن تكون الأمور معقدة، ولكنني أرغب في أن تكون هذه المناسبة علامة واضحة أمام الجميع، وبداية مباركة لنا."
ابتسمت ليالي. "فكرة رائعة يا أحمد. أؤيدها تماماً. الأهم هو أن تكون بداية سعيدة، وأن يبارك الله لنا في هذه الخطوة."
"بالفعل," أكد أحمد. "لقد تحدثت مع والدي، وهو متحمس جداً. أعتقد أننا يمكننا تحديد موعد في غضون شهرين تقريباً. هل هذا الوقت مناسب لكِ؟"
"شهرين؟" فكرت ليالي للحظة. "نعم، أعتقد أنها مدة كافية لترتيب بعض الأمور. ولكن... هناك أمرٌ أود أن أتحدث معك فيه بصراحة، أحمد."
صمت أحمد قليلاً، ثم قال: "تفضلي يا حبيبتي. أنا أسمعك."
"تتعلق هذه المسألة بوالدي," قالت ليالي بصوت خفيض، "والدي لم يكن موجوداً في حياتي إلا لفترات متقطعة. علاقتي به معقدة بعض الشيء، ولم يكن دائماً داعماً لي في قراراتي. أخاف أن يسبب وجوده أي إزعاج أو عدم ارتياح في المناسبات العائلية، خاصة وأن والدي ووالدتكما لم يلتقيا بعد."
تنهدت ليالي. كانت هذه النقطة تسبب لها قلقاً كبيراً. والدها، رغم أنه لم يغب تماماً، إلا أنه كان غالباً ما يكون بعيداً، إما بسبب عمله أو ظروفه الخاصة. لم تكن علاقتها به قوية، وكانت تتوقع أن يكون حضوره بمثابة عبء أكثر منه دعماً.
"لا تقلقي يا ليالي," قال أحمد بهدوء. "والدي رجلٌ طيب ومتفهم. سنحتكم إلى الشرع في كل شيء. وسنتحدث مع عائلتك، ووالدك إن كان موجوداً. الأهم هو أن تكوني مرتاحة. إذا شعرتِ بأن حضوره سيكون مصدر قلق، فسنتعامل مع الأمر بحذر."
"شكراً لك يا أحمد," قالت ليالي بامتنان. "أنا ممتنة لك جداً. أنت دائماً ما تفهمينني."
بعد انتهاء المكالمة، شعرت ليالي ببعض الاطمئنان، ولكن الشك لا يزال يراودها. كانت تعلم أن والدها قد يكون شخصاً صعباً، ومن الصعب التنبؤ بتصرفاته.
في غضون ذلك، ومع بدء التجهيزات، بدأت بعض التفاصيل الصغيرة تتكشف، بعضها جميل وبعضها الآخر يحمل بعض التعقيدات. على سبيل المثال، كان هناك خلاف بسيط حول مكان إقامة حفل الخطوبة. كانت عائلة أحمد تفضل إقامته في قاعة فخمة، بينما كانت الحاجة فاطمة تميل إلى الاحتفال في المنزل، ليكون أكثر دفئاً وحميمية.
"يا أحمد," قالت الحاجة فاطمة في إحدى زياراتها لمنزل أحمد، "نحن نريد أن تكون الخطبة بسيطة، تليق بسمعتنا الطيبة، وفي نفس الوقت تعكس تقاليدنا الأصيلة. لا نحتاج إلى بذخٍ ولا تكلف."
ابتسم أحمد. "أتفق معكِ تماماً يا خالتي. لقد تحدثت مع ليالي، وهي تفضل أيضاً الاحتفال في أجواء عائلية. ولكن والدي يرغب في تقديم أفضل ما لديه. سنحاول إيجاد حل وسط يرضي الجميع."
في أحد الأيام، بينما كانت ليالي تتجول في السوق لشراء بعض الأقمشة المناسبة لفستانها، تلقت اتصالاً هاتفياً من صديقة قديمة، كانت قد انقطعت عنها منذ سنوات. كانت سارة، زميلتها في الجامعة، والتي لم تتواصل معها منذ أن تخرجتا.
"ليالي! هل تصدقين أنني وجدتكِ! كنت أبحث عن رقم هاتفك منذ فترة طويلة. سمعت عن خطوبتك، وكنت سعيدة جداً! متى يمكنني زيارتك؟"
شعرت ليالي ببعض المفاجأة. سارة كانت دائماً شخصية مرحة، ولكنها كانت أيضاً تتسم ببعض الغيرة في بعض الأحيان. "أهلاً بكِ سارة. يسعدني أنكِ تذكرتني. ربما بعد فترة بسيطة، بعد أن تنتهي كل هذه التحضيرات."
"لا، لا! يجب أن نتقابل الآن! لدي الكثير لأخبرك به، وأريد أن أرى خاتم الخطوبة!" قالت سارة بحماس.
اتفقتا على اللقاء في مقهى قريب. عندما رأت ليالي سارة، لاحظت أنها قد تغيرت قليلاً. كانت تبدو أكثر جرأة، وأكثر اهتماماً بالمظاهر.
"يا ليالي، أخبريني كل شيء!" قالت سارة وهي تحتسي قهوتها. "من هو هذا المحظوظ؟ وكيف تعرفتما؟"
شرحت ليالي الأمر بسعادة، متحدثة عن أحمد، وعن مدى سعادتها. لكنها لاحظت أن ابتسامة سارة كانت تتلاشى تدريجياً، وأن عينيها بدأت تلمعان ببريق غيرة خفية.
"جميل جداً," قالت سارة ببرود. "ولكن هل تعرفين؟ لقد سمعت بعض الأشياء عن عائلة أحمد. قيل أنهم ليسوا بالطيبين كما يبدون. وأن والدة أحمد لديها بعض المشاكل مع زوجات أبنائها السابقين."
شعرت ليالي بصدمة. "ماذا تقولين؟ من أين سمعتِ هذا؟"
"من مصادر موثوقة," قالت سارة بثقة. "كنت أتمنى أن أقول لكِ شيئاً جميلاً، ولكن بصفتي صديقتك، كان عليّ أن أنبهك. بعض العائلات لديها أسرار مدفونة."
شعر قلب ليالي بالثقل. هل يمكن أن تكون سارة على حق؟ هل هناك ما تخفيه عائلة أحمد؟ كانت تتذكر كيف أن والدة أحمد، السيدة نفيسة، بدت لطيفة جداً في لقاءاتهما القصيرة. ولكن هل كانت مجرد تمثيل؟
"شكراً لكِ على هذه المعلومات سارة," قالت ليالي ببرود. "ولكنني أثق في أحمد، وأثق في عائلته. وقد استخرت الله في هذه العلاقة."
غادرت ليالي المقهى وقلبها مليء بالشكوك. لم تكن تريد أن تصدق ما قالته سارة، ولكنها لم تستطع تجاهله تماماً. في اليوم التالي، قررت أن تتحدث مع جدتها.
"يا جدتي," قالت ليالي وهي تشرح لها ما سمعته. "لا أعرف ماذا أفعل. أخاف أن يكون هناك حقاً مشاكل خلف الكواليس."
نظرت الحاجة فاطمة إلى ليالي بحنان. "يا ابنتي، عالم الناس واسع، وبه الخير والشر. لا يمكننا أن نحكم على الجميع بنفس المقياس. لقد رأيتِ أحمد، ورأيتِ طيبته، ورأيتِ كيف يعامل الجميع باحترام. ولا بد أن تعلمي أن الله مع الصادقين. إذا كانت هناك مشاكل، فستظهر مع الوقت. ولكن لا تدعي أقوال الناس تشوش عليكِ. صلي، واستخيري، وتوكلي على الله."
هدأت كلمات جدتها من روعها قليلاً. لكنها كانت تعلم أن الطريق إلى الزواج لن يكون خالياً من المنغصات. كانت سارة قد زرعت بذرة شك في قلبها، وكان عليها أن تسقيها بالأمل والدعاء، لا بالخوف والتردد.