حبيبي الأبدي الجزء الثاني
لقاءٌ في الظلام
بقلم سارة العمري
جلست نور على مقعدٍ خشبيٍ في حديقةٍ عامةٍ هادئة، تحت وهج قمرٍ باهتٍ يتهادى بين الغيوم المتناثرة. كانت يداها ترتجفان قليلاً وهي تمسك بكتابٍ قديمٍ، تتصفحه دون أن ترى ما فيه. كل ما كان يشغل بالها هو لحظة وصول يوسف. لم تكن تعلم كيف سيبدو، أو ما الذي سيقوله، أو كيف ستشعر حين تراه بعد كل هذه السنين.
لقد اتخذت قرارها. بعد تفكيرٍ طويلٍ، وبعد نصيحة والدتها التي كانت دائماً بصيرة، أدركت أن تجاهل الأمر لن يحل شيئاً. بل قد يزيد الطين بلة. كتبت ليوسف رداً مقتضباً، حددت فيه مكاناً وزماناً للقاء، مع التأكيد على أن هذا اللقاء سيكون لمرةٍ واحدةٍ أخيرة، لوضع حدٍ لما كان بينهما. لم تخبر أحمد. لم تستطع. كيف تخبره بأن رجلاً من الماضي يطلب لقاءها، وهو رجلٌ لا يعرف عنه أحمد شيئاً؟ كانت تخشى أن يسيء فهم الأمر، وأن يراها كمن يبحث عن علاقاتٍ قديمة.
كانت الحديقة شبه خالية في هذا الوقت المتأخر من الليل. فقط بعض الأشجار المتشابكة وأصوات الحشرات تملأ المكان. شعرت وكأن المكان نفسه يحمل سراً، أو أنه استُدعي خصيصاً لهذا اللقاء المشحون.
وفجأة، لمحّت خيالاً يقترب. كان طويلاً، وسيماً، يسير بخطواتٍ واثقة. اقترب أكثر، وبدأت نور تتعرف على ملامحه. إنه يوسف. لقد تغير، لكنّ تلك العيون نفسها، نظراتها الثاقبة، كانت ما تزال كما هي. ارتسم على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
"نور،" قال بصوتٍ عميقٍ، خشنٍ بعض الشيء، "لم أتوقع أن تقبلي."
نهضت نور، وقلبها يدق بعنف. "مرحباً يا يوسف. لقد قلت إنني سأفعل."
"أشكركِ،" قال وهو يقترب أكثر. "تبدين رائعة. لم يتغير فيكِ الكثير."
كانت كلماته ودودة، لكنّ نور شعرت بأنها عبارةٌ مجردة، خالية من العمق. "وأنت أيضاً،" أجابت. "كيف حالك؟"
"أنا بخير،" قال يوسف، وعيناه تجولان في المكان، وكأنه يبحث عن شيء. "لقد مرّ وقتٌ طويل. سنواتٌ طويلة."
"نعم، سنواتٌ طويلة،" رددت نور، وشعرت بأن الصمت بدأ يضغط عليهما.
"تذكرتُكِ كثيراً،" قال يوسف فجأة، وعيناه تركزان عليها. "في كل مرةٍ كنتُ أشعر فيها بالضياع، كنتُ أتساءل أين أنتِ، وماذا تفعلين. كنتِ دائماً مصدر إلهامٍ لي."
نور لم تستطع إخفاء استغرابها. "إلهام؟"
"نعم،" أكد يوسف. "كنتِ مثالاً للنقاء، للبراءة. كنتِ تلك الروح التي لم تفسدها متاعب الحياة. أعتقد أنني بسبب اندفاعي وطيشي، أضعتُ فرصةً لا تقدر بثمن."
شعرت نور ببعض الاشمئزاز ممزوجٍ بالأسى. يوسف كان دائماً يتمتع بقدرةٍ على تضخيم الأمور، وتقديم نفسه كضحية. "لم يكن الأمر كذلك تماماً، يا يوسف. لقد كنتُ أيضاً شابّة، ولم أفهم الكثير."
"أعلم، أعلم،" قال وهو يهز رأسه. "لكنني كنتُ أنا المخطئ الأكبر. لقد كنتُ أنانياً. كنتُ أبحث عن ما لا يجده الآخرون، ونسيتُ ما كان أمامي مباشرة."
بدأ يوسف يتحدث عن ماضيه، عن رحلاته، عن نجاحاته وإخفاقاته. كان يتحدث بأسلوبٍ مؤثر، يصف نفسه كمن وقع في فخّ الغرور، ثم أفاق ليجد نفسه وحيداً. نور كانت تستمع بصبر، لكنّ قلبها كان معقوداً. لم تأتِ إلى هنا لتستمع إلى اعترافات يوسف، بل لتنهي الأمر.
"يوسف،" قاطعته نور بلطف. "لقد طلبتُ هذا اللقاء لأني أردتُ أن نضع حداً لما كان بيننا. لقد مرّت سنوات، وكلٌ منا سار في طريقه."
ظهرت خيبة أملٍ واضحة على وجه يوسف. "هل هذا ما تريدينه حقاً؟ هل تريدين أن تمحى كل شيء؟"
"لا أستطيع أن أمسح شيئاً،" قالت نور بصراحة. "لكنني لا أريد أن أعيش في الماضي. لديّ حياةٌ الآن، حياةٌ سعيدة."
"حياةٌ سعيدة؟" سأل يوسف بنبرةٍ تحمل قدراً من المرارة. "هل هي سعادةٌ كاملة؟ هل تجدين فيها ما كنتِ تبحثين عنه؟"
"أجد فيها ما هو أهم من كل شيء،" قالت نور بحزم. "أجد فيها الأمان، والاستقرار، والحب الصادق. هذه هي السعادة التي أريدها."
"والحب الصادق؟" سأل يوسف، وعيناه تلتمعان في الظلام. "هل يمكن أن يكون الحب صادقاً إذا لم يكن فيه شغف؟ إذا لم يكن فيه جنون؟"
"الشغف يمكن أن يكون مدمراً،" ردت نور. "والجنون لا يبني بيوتاً. ما أبني مع أحمد هو حبٌ ينمو بالحكمة والاحترام، حبٌ يقوم على أسسٍ راسخة."
"ولكن، ألا تشعرين بالاشتياق؟" سأل يوسف، مقترباً منها خطوة. "ألا تشعرين بشيءٍ تجاهي؟"
شعرت نور ببعض القلق. كان يوسف يقترب منها كثيراً. "يوسف، أرجوك. لقد انتهى الأمر. لا تكن سبباً في إفساد ما لديّ."
"إفساد؟" تكرر يوسف بنبرةٍ مرتفعة قليلاً. "وما الذي تخشين إفساده؟ هل هو حبٌ هشٌ إلى هذا الحد؟"
"لا، ليس هشاً،" ردت نور، وهي تشعر بأن صوتها بدأ يرتعش. "لكنه ثمينٌ جداً بالنسبة لي. لا أريد أن أخاطر به."
"ولكني أنا أعود، نور،" قال يوسف، وعيناه تبرقان. "أنا أعود لأقدم لكِ ما لم أستطع تقديمه من قبل. أقدم لكِ رجلاً قد تعلم من أخطائه. أقدم لكِ كل شيء."
"لا أحتاج إلى شيءٍ منك، يا يوسف،" قالت نور، وقد استجمعت كل قواها. "لقد اخترتُ طريقي، واخترتُ رجل حياتي. أرجوك، اتركني وشأني."
بدا يوسف مصدوماً. "هل هذا هو قراركِ النهائي؟"
"نعم،" أجابت نور بوضوح.
صمتٌ طويلٌ خيّم على المكان. شعر نور بأن الهواء أصبح ثقيلاً. نظرت إلى يوسف، ورأت في عينيه مزيجاً من الغضب، وخيبة الأمل، وربما شيءٌ آخر لم تستطع فهمه.
"حسناً يا نور،" قال يوسف أخيراً، بصوتٍ باردٍ خالٍ من أي عاطفة. "إذا كان هذا ما تريدينه، فلا اعتراض. ولكن، تذكري دائماً أن الأشياء التي نتجاهلها قد تعود لتطاردنا."
لم تنتظر نور أكثر من ذلك. شعرت برغبةٍ عارمةٍ في الهروب. "شكراً لك على وقتك،" قالت، وبدأت تنسحب.
"انتظري،" قال يوسف. "قبل أن تذهبي، أريد أن أسألكِ شيئاً أخيراً."
نور توقفت، وقلبها قلق. "ماذا؟"
"هل أحببتِني حقاً؟" سأل يوسف، ونظرته كانت تبحث عن إجابةٍ صادقة.
نظرت نور إلى عينيه. كان هناك شيءٌ ما في تلك اللحظة، شيءٌ من الماضي، من الأيام التي كانت فيها تلك النظرات تعني لها كل شيء. لكنها كانت الآن شخصاً آخر.
"لقد أحببتُ ما كنتُ أراه، يا يوسف،" قالت بصراحة. "ولكننا كنا صغاراً، وكنا نعيش أحلاماً. الآن، أحب واقعي."
ابتسم يوسف ابتسامةً سريعة، ثم استدار وبدأ يمشي مبتعداً، ولم يلتفت إلى الوراء.
وقفت نور وحدها في الحديقة، تحت وهج القمر. شعرت بأنها قد فعلت ما يجب عليها فعله. لكنّ كلماته الأخيرة، "الأشياء التي نتجاهلها قد تعود لتطاردنا"، ظلت تتردد في أذنيها. هل حقاً انتهى كل شيء؟ أم أن هذا اللقاء كان مجرد بدايةٍ لشيءٍ آخر؟