حبيبي الأبدي الجزء الثاني

صحوةٌ مدوية

بقلم سارة العمري

عادت نور إلى منزلها بخطواتٍ متثاقلة، تحمل على كتفيها عبء لقاءٍ مؤلمٍ أكثر مما توقعت. لم تكن تعلم ما إذا كانت قد اتخذت القرار الصحيح، أو ما إذا كانت كلماتها الصادقة قد فعلت فعلها أم أنها أشعلت فتيل غضبٍ خفيٍّ في روح يوسف. كان يوسف دائماً عنيداً، ولم يكن أبداً من النوع الذي يقبل الهزيمة بسهولة.

كانت عينيها تبحثان عن أحمد بمجرد دخولها. كان يجلس في غرفة المعيشة، يقرأ كتاباً. رأته فابتسمت ابتسامةً خفيفة، ابتسامةٌ خاليةٌ من البريق الذي كان يميزها سابقاً.

"لقد تأخرتِ،" قال أحمد، دون أن يرفع عينيه عن الكتاب. "هل كل شيءٍ بخير؟"

"نعم، كل شيءٍ بخير،" أجابت نور، محاولةً أن تخفي تعبها. "فقط.. قضيتُ وقتاً أطول مما توقعت."

أغلق أحمد الكتاب، ووقف متجهاً نحوها. "تبدين متعبة، يا حبيبتي. هل تريدين كوباً من الشاي؟"

"لا، شكراً،" قالت نور، وشعرت بالامتنان لاهتمامه. "أعتقد أنني سأذهب إلى الفراش مباشرة."

"حسناً،" قال أحمد، ويده تمتد لتمسح على خدها. "استريحي جيداً. غداً يومٌ جديد."

في السرير، لم تستطع نور النوم. كانت صور لقاء يوسف تتوالى في ذهنها. كلماته، نظراته، ابتسامته المرة. هل كان يوسف بالفعل قد تغير؟ أم أنه كان يمثل دور الضحية؟ كان من الصعب الحكم. لكنّ قرارها كان قد اتُخذ.

في صباح اليوم التالي، استيقظت نور وهي تشعر ببعض الهدوء. ربما كان لقاء الأمس هو ما احتاجته لتضع حداً نهائياً لتلك الذكريات. ربما كانت كلمات يوسف مجرد محاولةٍ يائسةٍ لاستعادة ما فقده.

لكنّ الهدوء لم يدم طويلاً. في منتصف النهار، وبينما كانت نور في العمل، تلقت اتصالاً هاتفياً. كان رقماً غير معروف.

"مرحباً؟" قالت نور.

"نور؟" صوتٌ نسائيٌ رفيعٌ ردّ. "هل تتذكرينني؟"

شعرت نور بالارتباك. "من معي؟"

"أنا ليلى،" قالت المرأة. "ليلى، التي كانت صديقة يوسف."

لم تكن نور تتذكر أي ليلى. "آسفة، لا أعتقد أنني أعرفك."

"يوسف هو من أعطاني رقمك،" قالت ليلى. "لقد تحدث عنكِ كثيراً. هو... هو في مشكلة."

"مشكلة؟" تكررت نور، وشعرت بقلبها يبدأ بالخفقان بسرعة.

"نعم،" قالت ليلى بلهجةٍ تحمل قدراً من الخوف. "لقد تورط مع بعض الأشخاص السيئين. لقد استدان الكثير من المال، والآن يطالبونه به. هو يختبئ، ويطلب مني أن أساعده. وأنا.. أنا لا أعرف ماذا أفعل."

"يوسف؟" قالت نور، وهي تشعر بأنها تعود إلى دوامةٍ من المشاكل. "لكنني كنتُ أظن أنه قد تغير."

"ربما تغير،" قالت ليلى، "لكنّ الماضي لا يترك الناس دائماً."

"ماذا يريد منكِ؟" سألت نور.

"هو يريد مني بعض المال،" قالت ليلى. "لكنه قال لي أنكِ قد تكونين قادرةً على مساعدته. لقد أخبرني أنكِ تعيشين حياةً رائعة، وأن لديكِ الكثير."

شعرت نور بغضبٍ شديد. هذا ما كان يخشاه. يوسف لم يتغير، بل كان يستخدم ليلى كوسيلةٍ للوصول إليها. إنه يحاول ابتزازها.

"لم أفهم،" قالت نور ببرود. "هل يوسف يطلب مني المال؟"

"هو في وضعٍ صعبٍ جداً، نور،" قالت ليلى. "أخشى على سلامته."

"سلامته؟" كررت نور بسخرية. "أعتقد أنكِ تخدعين نفسكِ يا ليلى. يوسف ليس ضعيفاً إلى هذا الحد. إنه دائماً ما يجد طريقاً."

"لكن هذه المرة الأمر مختلف،" قالت ليلى. "لقد سمعتُ بعض الأشياء. بعض الأشخاص لا يمزحون."

شعرت نور بأنها دخلت في موقفٍ لا تحسد عليه. من ناحية، لا تريد أن تتعامل مع مشاكل يوسف القديمة. ومن ناحية أخرى، إذا كان حقاً في خطر، فربما يجب عليها فعل شيء. لكنّ فكرة أن يوسف قد خطط لكل هذا، حتى بعد لقائهما، كانت مؤلمة.

"أنا آسفة يا ليلى،" قالت نور بجدية. "لا أستطيع المساعدة. ليس لديّ القدرة على ذلك."

"ولكن،" قالت ليلى بتردد، "يوسف قال لي أن أقول لكِ شيئاً. قال لي أن أقول لكِ: 'الخيار لكِ، نور. إما أن تتركيني أغرق، أو أن تساعديني على النجاة. ولكن تذكري، كل اختيارٍ له ثمن'."

شعرت نور بأن هذه الكلمات كانت موجهةً إليها مباشرة. هل كانت تهديداً؟ أم كان ذلك مجرد يأس؟

"شكراً لكِ على إخباري،" قالت نور، وقررت إنهاء المكالمة. "سأفكر في الأمر."

أغلقت نور الهاتف، وشعرت بأنها على وشك الانهيار. لقد ظنت أنها وضعت حداً للماضي، لكنّ الماضي عاد إليها مرة أخرى، وبشكلٍ أكثر فظاعة. كان يوسف يلعب لعبةً خطيرة، وكان يحاول جرّها إلى عالمه المظلم.

في تلك الليلة، وبينما كانت تجلس مع أحمد، لم تستطع أن تخبره شيئاً. كيف تشرح له أن رجلاً كانت تحبه سابقاً، وقد وعدها بالزواج، عاد ليطلب منها المال، مهدداً إياها بطريقةٍ غير مباشرة؟ كان أحمد يراها حزينة، لكنه لم يسأل. ربما شعر بأنها تحتاج لبعض المساحة.

"هل تريدين أن نتحدث؟" سأل أحمد بلطف.

نظرت إليه نور، ورأت فيه الأمان الذي كانت تتمناه. "لا، لست متعبة،" قالت، وحاولت أن تبتسم. "فقط.. كنتُ أفكر."

"في أي شيءٍ مهم؟" سأل وهو يقترب منها.

"ربما،" قالت نور، وأخيراً قررت أن تخبره. لا يمكنها أن تخفي هذا الأمر عن أحمد. لقد أصبحا زوجين، وعليه أن يشاركها كل شيء.

"أحمد،" بدأت نور، وصوتها يرتجف قليلاً. "لقد حدث شيءٌ ما اليوم. شيءٌ متعلقٌ بماضٍ كنتُ أظن أنه انتهى."

نور بدأت تروي لأحمد قصة يوسف، قصة الرسالة، ولقاء الحديقة، والمكالمة الهاتفية من ليلى. مع كل كلمةٍ كانت تخرج منها، كانت تشعر بأن عبئاً ثقيلاً يُرفع عن صدرها. أحمد كان يستمع بصمتٍ، وعيناه تعكسان مزيجاً من الاهتمام، والقلق، والغضب.

عندما انتهت نور من سرد قصتها، نظر أحمد إليها بعمق. "لقد فعلتِ الصواب يا نور،" قال بصدق. "لم يكن يجب عليكِ إخفاء الأمر."

"كنتُ خائفة،" قالت نور. "خائفةٌ أن تسيء الفهم."

"أنا أثق بكِ يا نور،" قال أحمد. "وما حدث هو خطأ يوسف، وليس خطأكِ. أما بالنسبة لمساعدته، فلا أعتقد أننا يجب أن نفعل شيئاً. إذا كان في خطر، فليواجه عواقب أفعاله. لا يمكننا أن ندفع ثمن أخطاء الآخرين."

"ولكن،" قالت نور، "لقد قال إن لكل اختيارٍ ثمناً."

"الثمن هو أن يتحمل مسؤولية أفعاله،" قال أحمد بحزم. "وليس أن ندفعه نحن. إذا كنتِ قلقةً عليه، يمكننا الاتصال بالشرطة. ربما هم من يمكنهم مساعدته بطريقةٍ آمنة. لكنّ المال؟ لا."

شعرت نور بالراحة. لقد كانت تخشى أن يتهمها أحمد بأنها ما تزال تحمل مشاعر ليوسف. لكنه كان متفهمًا.

"ماذا لو عاد يوسف مرة أخرى؟" سألت نور.

"إذا عاد، سأكون أنا من أتحدث معه،" قال أحمد بثقة. "ولن يسمح لكِ أبداً أن تمسّكِ سوء."

شعرت نور بأنها قد وجدت ملجأها. لقد استطاعت أن تتجاوز شبكة يوسف المعقدة، وأن تضع حداً لماضٍ كان يهدد حاضرها. لكنّ كلماته الأخيرة ظلت تتردد في ذهنها: "كل اختيارٍ له ثمن". هل كان هذا الثمن هو فقدان يوسف إلى الأبد؟ أم كان هناك ثمنٌ أكبر لم تكتشفه بعد؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%