حبيبي الأبدي الجزء الثاني
ظلال الماضي في بيت العائلة
بقلم سارة العمري
كانت الشمس قد تجاوزت منتصف السماء، تلقي بوهجها الذهبي على أزقة المدينة القديمة، حين دخل الشيخ أحمد منزل عائلته. استقبلته زوجته، أم سارة، بابتسامة دافئة، وفتحت له ذراعيها.
"الحمد لله على سلامتك، يا أبو سارة. أين ذهبت كل هذه الفترة؟" سألت بقلق.
"كنت في مهمة نبيلة، يا أم سارة. ساعدت فتاة في محنة." أجاب الشيخ أحمد، وهو يضع حقيبته جانبًا.
"فتاة؟" رفعت أم سارة حاجبيها بفضول. "هل أنت بخير؟"
"كل شيء على ما يرام. إنها قصة طويلة، سأرويها لكِ لاحقًا. المهم الآن أن نجهز لها مكانًا آمنًا." قال الشيخ أحمد.
"مكانًا آمنًا؟ هل ستأتي للعيش معنا؟" سألت أم سارة، ووجهها يعكس مزيجًا من المفاجأة والترقب.
"إنها في طريقها إلينا. طلبت مني أن أؤويها مؤقتًا حتى تجد مستقرًا لها. إنها أخت لنا في الدين، ولا يمكننا تركها لمصيرها." قال الشيخ أحمد.
"لا بأس، أهلاً وسهلاً بها. بيت المسلم يتسع لضيوفه." قالت أم سارة بحزم. "سأجهز لها غرفة في جناح الضيوف، وأتأكد من أنها مرتاحة."
"بارك الله فيكِ، يا أم سارة." قال الشيخ أحمد، وهو يشعر بالراحة والطمأنينة لوجود زوجة صالحة وخيرة بجانبه.
بعد أن تناول الشيخ أحمد غداءه، استأذن ليصلي الظهر. جلس على سجادة الصلاة في غرفته، واستحضر وجه فاطمة الشاحب، وصوتها المرتعش. كانت قصتها تتردد في عقله، تدفعه للتفكير في الظلم الذي يمكن أن تتعرض له المرأة في بعض الظروف.
"يا رب، احفظها." تمتم وهو يدعو.
في هذه الأثناء، كانت سارة، ابنة الشيخ أحمد، عائدة من جامعتها. كانت شابة ذكية وطموحة، تسعى دائمًا لتعلم المزيد وخدمة مجتمعها. عند دخولها المنزل، استقبلتها والدتها بحماس.
"مرحباً يا حبيبتي! كيف كان يومك؟"
"الحمد لله، يا أمي. كان يومًا مليئًا بالدراسة." أجابت سارة، وهي تقبل جبين والدتها. "والدي أين هو؟"
"إنه في غرفته، يصلي. وقد أخبرني أنه سيأتي شخص للإقامة معنا لفترة."
"شخص؟ من هو؟" سألت سارة بفضول.
"فتاة، يا ابنتي. لقد ساعدها والدك في محنة، وهي تحتاج إلى مأوى مؤقت."
"وهل ستكون مرتاحة؟ هل هي بحاجة إلى أي شيء؟" سألت سارة، وكانت على الفور تظهر اهتمامها.
"سنجهز لها كل شيء. أنتِ أيضًا يمكنكِ المساعدة، أليس كذلك؟"
"بالطبع، يا أمي! أحب أن أقدم المساعدة لمن يحتاجها." قالت سارة بحماس. "من هي هذه الفتاة؟ هل أعرفها؟"
"لا أعتقد ذلك. إنها قادمة من مكان بعيد."
"حسنًا، سأذهب لأعد لها بعض الأشياء." قالت سارة، وتوجهت إلى غرفة الضيوف.
بعد وقت قصير، رن جرس الباب. كان سائق سيارة الأجرة قد وصل بفاطمة. فتحت أم سارة الباب، وابتسمت لفاطمة ابتسامة ترحيبية.
"أهلاً بكِ يا ابنتي. تفضلي بالدخول."
دخلت فاطمة المنزل، وهي تشعر بالرهبة والحرج. كان المنزل فسيحًا، مزينًا بذوق رفيع، يعكس دفء العائلة. رأت سارة تقترب منها، بابتسامة مشرقة على وجهها.
"مرحباً بكِ. أنا سارة، ابنة الشيخ أحمد. يسعدنا وجودك معنا."
"شكرًا لكِ." قالت فاطمة بصوت خافت، وشعرت بأن دفء كلمات سارة يخفف من قلقها.
"لقد جهزنا لكِ غرفة. تفضلي، سأريكِ إياها." قالت سارة، وأخذت بيد فاطمة.
في غرفة الضيوف، وجدت فاطمة سريرًا مرتبًا، وخزانة ملابس، ومكتبًا صغيرًا. كل شيء كان نظيفًا ومنظمًا، وينبعث منه عبير منعش. شعرت بأنها وجدت مكانًا يشبه البيت، ولو مؤقتًا.
"آمل أن يكون كل شيء على ما يرام." قالت سارة.
"إنه رائع. شكرًا جزيلاً." قالت فاطمة، وشعرت ببعض الراحة.
بعد أن استقرت فاطمة في غرفتها، اجتمع أفراد العائلة في غرفة المعيشة. قدم الشيخ أحمد مقدمة موجزة عن سبب وجود فاطمة معهم، دون الدخول في تفاصيل قد تسبب لها الحرج.
"إنها أخت لنا، تمر بظروف صعبة. نسأل الله أن يفرج كربها." قال الشيخ أحمد.
"نحن هنا لمساعدتكِ بكل ما نستطيع." قالت أم سارة بحنان.
"هل أنتِ جائعة؟ سأحضر لكِ بعض الطعام." قالت سارة.
"لا، شكرًا. سأصلي العصر أولاً، ثم أرتاح قليلاً." قالت فاطمة.
ذهبت فاطمة لتصلي في غرفة الوضوء المجهزة. عندما عادت، وجدت سارة قد أحضرت لها كوبًا من الشاي وبعض التمر.
"تفضلي. أتمنى أن يكون مريحًا لكِ." قالت سارة.
جلست فاطمة مع العائلة، وبدأت في كسر حاجز الصمت بحديث خفيف. اكتشفت أن سارة طالبة في كلية الهندسة، وأنها مهتمة بالأعمال التطوعية. كان الحديث مريحًا، وبدأت تشعر بشيء من الألفة.
لكن في أعماقها، كانت فاطمة تعلم أن ماضيها سيظل يلاحقها. كانت لديها أسرار، وأشياء كثيرة لم تستطع البوح بها بعد. كان هذا الملاذ الجديد فرصة لها، لكنها كانت تعلم أيضًا أن الطريق إلى التعافي لن يكون سهلاً.
في تلك الليلة، بينما كانت فاطمة تستلقي على فراشها، لم تستطع النوم فورًا. كانت تفكر في كل ما حدث. في الليلة التي اضطرت فيها للهرب، وفي الرجل الذي ساعدها، وفي هذه العائلة التي فتحت لها أبوابها. شعرت بالامتنان، لكن الخوف ظل يقرصها. هل كانت هذه مجرد فترة راحة مؤقتة، أم بداية حياة جديدة حقًا؟
كانت الظلال تتراقص على جدران الغرفة، وكأنها تجسد مخاوفها. لكن صوت الأذان الذي علا في منتصف الليل، بصوت الشيخ أحمد الهادئ، أعاد إليها بعض الطمأنينة. "لا إله إلا الله." همست، وحاولت أن تستجمع قوتها. أمامها طريق طويل، مليء بالتحديات، لكنها كانت مصممة على أن تجده.