حبيبي الأبدي الجزء الثاني

غرامٌ على شفا الهاوية

بقلم سارة العمري

تسللت الظلال الداكنة إلى قلب ليلى، فكانت كل نسمة هواء تلفح وجهها تحمل معها عبق الذكريات المحرمة. جلست في غرفتها، وهي تتأمل انعكاس صورتها في مرآة قديمة، فبدت كطيفٍ باهتٍ من نفسها، تائهةً في متاهةٍ من الشوق والندم. أغمضت عينيها، محاولةً استدعاء وجه "طارق" في خيالها، ذلك الوجه الذي أسر فؤادها، لكن صورته كانت تتشوه وتتلاشى، وكأن الزمن أراد أن يسلبها حتى هذه البقية الباقية من سعادتها المفقودة.

كانت حياتها الجديدة مع "أحمد" أشبه بمسرحيةٍ بارعة، تؤدي فيها دور الزوجة المثالية، الأم الحنون، ابنة العائلة المحافظة. لكن في جوفها، كان هناك وحشٌ نائم، يستيقظ كلما خلت بها نفسها، يهمس لها بأشياء لم تجرؤ حتى على التفكير بها في أحلك لياليها. لم يكن "أحمد" سيئاً، بل على العكس، كان رجلاً فاضلاً، كريماً، ومحباً، يمنحها كل ما تتمناه المرأة من زوجٍ صالح. لكن قلوبنا، أيتها القارئة العزيزة، ليست دائماً في يد أصحابها. تأسرها أحياناً أشباح الماضي، أو تضللها سرابٌ عابر.

كانت "طارق" قد ترك فيها جرحاً غائراً، لم تستطع الأيام معالجته، بل زادته الأيام عمقاً، مع كل ذكرىٍ جديدةٍ كان يحمله نسيمٌ عابر. أحاديثها مع "أحمد" كانت تدور حول الأمور اليومية، الأطفال، المنزل، وأحلام المستقبل الهادئة. أما أفكارها، فكانت تقضي معظمها في تتبع خيوط الماضي، تبحث عن تفسيرٍ لتمردها الداخلي، عن سببٍ يجعلها تشعر بالذنب لمجرد التفكير في رجلٍ وعدته بألا تنساه، حتى وإن كان وعداً لم يُعلن، أو كلمةً لم تُنطق.

في إحدى الأمسيات، بينما كان "أحمد" في اجتماعٍ عملٍ طارئ، وجدت ليلى نفسها وحدها في المنزل الفسيح. كان الصمت فيها يضخم صوت دقات قلبها، فارتدت عباءتها الخفيفة، وخرجت إلى الشرفة المطلة على حديقةٍ مزهرة. كانت النجوم تتلألأ في السماء الصافية، وكأنها شهودٌ على صراعها الأزلي. تذكرت كيف كانت تقف مع "طارق" في مثل هذه الليالي، يتشاركان أحلامهما تحت نفس السماء، لكن بقلوبٍ مختلفة، وبآفاقٍ بعيدة.

"لماذا يا قلبي؟" تساءلت في نفسها، ودمعةٌ حارةٌ انحدرت على خدها. "لماذا تخونين هذا الرجل الطيب؟" كانت كلمته الأخيرة تتردد في أذنيها: "لا تنسيني يا ليلى. مهما طال الزمن." وهل نسيت؟ هل يمكن لقلبٍ أن ينسى وهج البداية؟

شعر بها "أحمد" منذ فترةٍ أن هناك شيئاً ما يشغل بال زوجته. لم يكن شكاً، بل قلقٌ أبويٌ، وحبٌ يجعل المرء يهتم بأدق التفاصيل. كان يراها شاردة الذهن أحياناً، صامتةً أكثر من المعتاد، وقد لمعت عيناها ببريقٍ غريبٍ لم يستطع فهمه. حاول جاهداً التقرب منها، فتح قلبه لها، وطمأنها بحبه، لكنها كانت تقابله بابتسامةٍ باهتة، وجملٍ عامة، تحجب خلفها عالماًً من الأفكار والأحاسيس المعقدة.

ذات يوم، وبينما كانت ترتب أوراقاً قديمة في خزانةٍ مهملة، وقع بصرها على علبةٍ معدنيةٍ صدئة. فتحتها بحذر، فوجدت بداخلها مجموعةً من الرسائل القديمة، مكتوبةً بخطٍ يدويٍ أنيق، بخط "طارق". ارتعشت يداها وهي تتناول الرسالة الأولى، ورائحة الورق القديم العتيق تفوح منها. بدأت تقرأ، وبدأت معها العودة إلى الأيام الخوالي، إلى زمنٍ كان فيه الحب يبدو بسيطاً، طاهراً، وغير ملوثٍ بأعباء الواقع.

"يا ليلى، يا قمر ليلي،" كانت إحدى الرسائل تبدأ. "أتذكرين أول لقاءٍ لنا؟ كنتِ كفراشةٍ تحوم حول شمعة، أحاول أن أمنع نفسي من الاقتراب، لكن نورك كان أقوى من كل تحذيرات العقل. أحببتكِ في أول لحظةٍ رأيتكِ فيها، في تلك القاعة المزدحمة، حيث بدوتِ كجوهرةٍ نادرةٍ بين الحشود. أخشى عليكِ من كل شيء، أخشى عليكِ من الهواء البارد، أخشى عليكِ من نظرات الحساد، وأخشى عليكِ من قلبي الذي أصبح ملككِ دون إذن."

انهمرت الدموع من عيني ليلى بغزارة. كانت تلك الكلمات، التي قرأتها مئات المرات في خيالها، تبدو الآن وكأنها كتبت بالأمس. كل حرفٍ كان يحمل وزناً، كل كلمةٍ كانت تحمل عبقاً. نظرت إلى الساعة، فوجدت أن وقتاً طويلاً قد مر. تركت الرسائل في العلبة، وأغلقتها بعناية، لكن العلبة لم تعد مجرد علبة، بل أصبحت كنزاً ثميناً، بوابةً إلى عالمٍ أغلقت أبوابه، لكن ذكراه لا تزال تسكن الروح.

قررت أن تضع حداً لهذه المعاناة. لم يكن من العدل أن تعيش "أحمد" وزوجته بهذه الطريقة، زوجةٌ قلبها معلقٌ بغيره، وزوجٌ لا يعلم شيئاً عن اضطرابها الداخلي. لكن كيف؟ كيف يمكنها أن تتجاوز الماضي؟ كيف يمكنها أن تحرر قلبها من قيودٍ نسجتها بنفسها؟

في تلك الليلة، لم تنم ليلى. كانت الأفكار تتلاطم في رأسها كأمواجٍ عاتية. هل يجب عليها أن تخبر "أحمد"؟ هل سيغفر لها؟ هل سيتقبل حقيقة أن قلبها لم يكن له بالكامل منذ البداية؟ أم هل عليها أن تكتم سرها، وتحاول أن تعيش ما تبقى من حياتها في محاولةٍ للتعويض، للحب، للتصالح مع نفسها؟

رفعت عينيها إلى السماء، تتوسل إلى ربها أن يمنحها القوة، أن يرشدها إلى الطريق الصحيح. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن التخلي عن الماضي ليس مجرد قرارٍ، بل هو معركةٌ خوضها ضروريٌ للبقاء. ولكن كيف يبدأ الانتصار؟ هل يبدأ بالاعتراف، أم بالنسيان، أم بالصمود؟

كانت الرغبة في "طارق" لا تزال بداخله، كجمرةٍ متقدةٍ تحت الرماد، تنتظر الشرارة لتتوهج من جديد. كانت تدرك أن هذه الرغبة هي سبب كل آلامها، وأنها تسير بخطواتٍ واثقة نحو الهاوية. لكنها في الوقت نفسه، كانت تشعر بأنها ما زالت أسيرةً لذكرى رجلٍ أحبته، رجلٍ منحها شعوراً بالحياة لم تشعر به مع غيره. وكانت الخيارات المتاحة أمامها قليلة، ومؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%