حبيبي الأبدي الجزء الثاني

بين حبين، بين عالمين

بقلم سارة العمري

تداخلت خيوط الأيام، ودارت عجلة الحياة، لكن ليلى ظلت أسيرة تلك العلبة المعدنية، وتلك الرسائل التي باتت تقرأها سراً، في خلوتها، مستحضرةً صورة "طارق" بكل تفاصيلها. كان إدمانها للماضي أشبه بمرضٍ عضال، ينخر في روحها، ويسلبها حيويتها، ويجعلها غريبةً عن عالمها الحاضر. كانت تنظر إلى "أحمد"، إلى ابتسامته الصادقة، إلى اهتمامه اللامحدود، وتشعر بالذنب يمزق قلبها. كيف لها أن تستحق هذا الرجل؟ وكيف لها أن تخونه بهذه الطريقة؟

كان "أحمد" يشعر بالفرق. لم يعد الوهج الذي كان يراه في عيني ليلى موجوداً. كانت تتحدث، تضحك، وتشارك في أمور حياتهم، لكن خلف كل ذلك، كان هناك فراغٌ مظلم، صمتٌ ثقيل. حاول أن يتفهم، أن يصبر، وأن يجد حلاً، لكنه لم يكن يعلم أن السبب يكمن في رسائل قديمة، وفي رجلٍ من الماضي. كان يعتقد أن الضغوطات الحياتية، أو ربما فتورٌ طبيعيٌ في العلاقة بعد سنواتٍ من الزواج، هو ما يؤثر عليها.

في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتسوق في أحد الأسواق الشعبية، مرت أمام محلٍ لبيع العطور. توقفت، إذ فاحت منها رائحةٌ عطريةٌ غريبة، قوية، لكنها مألوفة. أغمضت عينيها، فاستحضرت مباشرةً رائحة "طارق". كان هذا عطره المفضل، العطر الذي كان يرش منه بكثرة، والذي كان يملأ المكان بوجوده. تملكها شعورٌ قوي، دفعةٌ غامضة، قادتها نحو المحل.

"مرحباً بكِ أيتها السيدة،" قال البائع بابتسامةٍ ودودة. "هل تبحثين عن عطرٍ معين؟"

نظرت ليلى إلى الرفوف المليئة بالزجاجات الملونة، ولم تجد العطر الذي تبحث عنه. "أبحث عن عطرٍ برائحةٍ قوية، مزيجٌ من التوابل الشرقية، مع لمسةٍ خفيفةٍ من خشب الصندل. هل لديك شيءٌ كهذا؟"

بحث البائع بين الزجاجات، ثم أحضر لها زجاجةً داكنة اللون، عليها نقوشٌ عربيةٌ قديمة. "هذا العطر مميزٌ جداً. إنه مستوحى من العطور الشرقية القديمة، فيه رائحةٌ قويةٌ تبقى لساعاتٍ طويلة. جربيه."

رش البائع قليلاً من العطر على معصمها. فاحت الرائحة، كانت شبيهةً جداً بالعطر الذي تبحث عنه، لكنها لم تكن هي تماماً. ومع ذلك، شعرت ليلى بانجذابٍ غريبٍ نحوها. "كم سعره؟" سألت.

"مئتان وخمسون درهماً،" أجاب البائع.

لم تتردد ليلى. دفعت الثمن، وحملت الزجاجة، وكأنها تحمل كنزاً. عادت إلى منزلها، وشعرت بأنها عادت إلى الزمن الذي كانت فيه "طارق" قريباً. كانت ترش العطر بين الحين والآخر، وكان يذكرها به، ويوقظ في داخلها تلك المشاعر الدفينة.

في المساء، كان "أحمد" يتحدث عن خططٍ مستقبليةٍ للعائلة. "أردت أن أحدثكِ يا ليلى عن رحلةٍ سنقوم بها إلى المدينة الساحلية في الصيف. أتذكرين كيف كنا نتحدث عنها؟ أعتقد أن الأطفال سيحبونها كثيراً."

كانت ليلى تستمع إليه، لكن أفكارها كانت في مكانٍ آخر. كانت تفكر في "طارق"، في كيف كان يحلم بالسفر معها، قبل أن تباغتهما الظروف. "آه، بالطبع يا أحمد. ستكون رحلةً جميلة." قالت بابتسامةٍ مصطنعة.

شعر "أحمد" بأن هناك مسافةً تفصلهما. "هل كل شيءٍ على ما يرام يا ليلى؟ تبدين شاردة الذهن."

تنهدت ليلى. "لا شيء يا أحمد. مجرد بعض الأفكار."

"أفكارٌ تزعجكِ؟" سألها بحنان. "تستطيعين أن تشاركيني كل شيء."

هنا، شعرت ليلى بلحظةٍ مفصلية. فرصةٌ لكسر حاجز الصمت، للبوح. لكن الخوف تملكها. الخوف من ردة فعل "أحمد"، الخوف من خسارة كل شيء. "لا، لا شيء مهم. شكراً لك."

كان "أحمد" يأمل أن تتغير الأمور، أن تعود ليلى إلى طبيعتها. كان يحبها، وكان يريدها سعيدة. لكنه كان يخشى أن تكون هناك أسبابٌ أعمق، أسبابٌ لا يعرفها.

في أحد الأيام، بينما كان "أحمد" يتصفح هاتفه، وقع نظره على صورةٍ قديمةٍ على شاشة هاتفه. كانت صورةً له مع "طارق" في حفلٍ جامعيٍ مشترك. كانا صديقين قديمين، قبل أن تفرق بهما السبل. شعر "أحمد" بحنينٍ للماضي، ثم تذكر أن "طارق" كان صديقاً لـ"ليلى" أيضاً.

"من كان هذا الرجل يا أحمد؟" سألت ليلى، وهي تشير إلى الصورة.

"هذا؟ هذا طارق. صديقٌ قديمٌ من الجامعة. رجلٌ طيبٌ جداً."

تسمرت ليلى في مكانها. "طارق؟" همست. "هل تعرفه جيداً؟"

"نعم، كنا مقربين أيام الجامعة. لماذا تسألين؟"

شعرت ليلى بأن قلبها يدق بعنف. هل هذه صدفة؟ أم أنها علامةٌ من السماء؟ "لا شيء. فقط… أردت أن أعرف."

في تلك اللحظة، أدرك "أحمد" أن هناك شيئاً يربط ليلى بـ"طارق" أكثر من مجرد معرفةٍ سطحية. هل كانا صديقين؟ أم كان هناك شيءٌ أعمق؟ لم يكن يمتلك أدنى فكرةٍ عن مدى عمق هذه العلاقة، وعن الحريق الذي كان يشتعل بداخل ليلى.

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كان اسمها، "طارق"، يتردد في رأسها كصدىً مؤلم. هل كان "أحمد" يعلم بهذا؟ هل كان يعرف أن الرجل الذي يراه في صورته القديمة هو الرجل الذي استحوذ على قلب زوجته؟

كانت الرغبة في "طارق" تتزايد، تتغذى على كل ذكرى، على كل رائحةٍ عطرية، على كل كلمةٍ مسموعة. كانت ليلى تقف على حافة الهاوية، تحاول جاهدةً ألا تسقط، لكن جاذبية الماضي كانت أقوى من أي قوةٍ أخرى. كانت تعرف أن إدمانها هذا سيكلفها غالياً، لكنها كانت عاجزةً عن التوقف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%