حبيبي الأبدي الجزء الثاني
بذرة الشك، وزهرة الأمل
بقلم سارة العمري
لم ينم "أحمد" تلك الليلة. صورة "طارق" التي رأها على هاتف ليلى، وبعض التغيرات الغريبة التي لاحظها عليها، بدأت تزرع بذرة شكٍ صغيرة في قلبه. لم يكن شكاً متهماً، بل كان قلقاً يتسلل بخبث، يحاول أن يجد تفسيراً منطقياً لتصرفات زوجته. كان يعرف "طارق" جيداً، كان صديقاً لعائلته، وكان يعلم بمدى ارتباطه بـ"ليلى" في الماضي. لكنه لم يكن يعتقد يوماً أن هذه العلاقة قد تجاوزت حدود الصداقة البريئة.
في صباح اليوم التالي، حاول "أحمد" أن يتصرف بشكلٍ طبيعي، لكن الشعور بعدم الارتياح ظل يساوره. أثناء تناولهما لفطور الصباح، سأل ليلى بلهجةٍ هادئة: "ليلى، ما علاقتكِ الحقيقية بـ'طارق'؟"
توقفت ليلى عن تناول طعامها، وشعرت بأن الأرض تدور بها. لم تتوقع هذا السؤال المباشر. هل اكتشف شيئاً؟ هل رأى الرسائل؟ "ماذا تقصد يا أحمد؟" سألت، محاولةً أن تبدو طبيعية.
"فقط… رأيت صورتكما معاً على هاتفكِ. وتذكرت أنكما كنتما صديقين مقربين. هل كانت صداقتكما قوية؟"
تلعثمت ليلى. "نعم، كنا… كنا صديقين. وكنا نتحدث كثيراً. لكن… هذه كانت أيام الجامعة، وانتهت."
نظر إليها "أحمد" بعمق، يحاول أن يقرأ ما خلف كلماتها. رأى اضطرابها، ورأى شيئاً من الحقيقة التي تحاول إخفاءها. "ليلى، أنا أحبكِ. وأحب عائلتنا. أريد أن أكون صريحاً معكِ. هل كان هناك شيءٌ بينكما؟"
هنا، شعرت ليلى بأنها على وشك الانفجار. هل حان الوقت؟ هل يجب أن تبوح بكل شيء؟ كانت تتأرجح بين الخوف من المواجهة، والرغبة في التحرر من عبء السر. "أحمد… الموضوع معقد."
"معقد؟ كيف؟"
"لقد… أحببته يا أحمد. أحببت 'طارق'. وكان يحبني."
صدمت الكلمات "أحمد". لقد توقع الكثير، لكنه لم يتوقع هذا. استوعب للحظة، ثم نظر إليها بعينين تحملان مزيجاً من الحزن والصدمة. "متى؟ وكيف؟"
بدأت ليلى تروي قصتها، بترددٍ في البداية، ثم بتدفقٍ أسرع، كل كلمةٍ تحمل وزناً من الماضي. تحدثت عن لقائهما الأول، عن الأحاديث التي جمعتهما، عن المشاعر التي نمت بينهما في السر، وعن الظروف التي فرقت بينهما. لم تنكر شيئاً، ولم تقلل من شأن ما حدث.
استمع "أحمد" بصمتٍ، يحاول استيعاب كل كلمة. لم يقطعها، بل تركها تتحدث، تفرغ ما في قلبها. عندما انتهت، ساد الصمت لفترةٍ طويلة، صمتٌ ثقيلٌ مليءٌ بالمشاعر المتضاربة.
"لماذا لم تخبريني من قبل يا ليلى؟" سأل "أحمد" أخيراً، بصوتٍ يحمل بحةً من الألم.
"كنت خائفةً يا أحمد. خائفةً من أن أفقدك، خائفةً من أن تفقد ثقتك بي. ثم… مرت الأيام، وتزوجنا، وأصبحت الحياة طبيعية، وبدأت أحاول نسيانه. لكن… لم أستطع."
"وهل ما زلتِ تحبينه؟" سأل "أحمد"، وسؤاله هذا كان بمثابة سكينٍ حادٍ في قلب ليلى.
ترددت ليلى. "لا أعرف يا أحمد. أنا أحبك أنت. أحب حياتنا. لكن… 'طارق' كان جزءاً مني. كان… ماضيي."
"الماضي يجب أن يبقى في الماضي يا ليلى. كيف يمكن أن نبني مستقبلاً ونحن نتشارك أفكارنا وقلوبنا مع أشباح الماضي؟"
"أعلم يا أحمد. وأنا أحاول. والله يعلم كم أحاول."
نظر "أحمد" إلى يديه، يفكر. لم يكن سهلاً عليه تقبل ما سمعه. كانت صورة "ليلى" التي يعرفها، صورة الزوجة المخلصة، قد اهتزت. لكنه رأى في عينيها صدقاً، ورأى معاناتها. لم يكن يريد أن يخسرها، ولم يكن يريد أن يفسد سعادتهما بسبب رجلٍ من الماضي.
"حسناً يا ليلى،" قال "أحمد" أخيراً، بعد تفكيرٍ طويل. "لن أغضب منكِ. ولن أترككِ. لكن يجب أن نتفق على شيء. يجب أن يكون هناك صفاءٌ تام. يجب أن نتجاوز هذا الماضي معاً. إذا كنتِ ما زلتِ تشعرين بشيءٍ تجاه 'طارق'، فيجب أن تقطعيه تماماً. وأن تعطينا فرصةً حقيقيةً لبناء حياتنا."
شعرت ليلى بارتياحٍ كبير. لم يكن "أحمد" قد تخلى عنها، بل كان يقدم لها يد العون. "موافق يا أحمد. أعدك. سأقطع كل ما يربطني به. وسأكون زوجةً مخلصةً لك. أريدك أنت، وأريد حياتنا."
"وهل تستطيعين؟" سألها "أحمد" بصدق. "هل تستطيعين أن تنسيه حقاً؟"
"سأفعل يا أحمد. سأحاول بكل قوتي. من أجلك، ومن أجل أطفالنا، ومن أجل مستقبلنا."
كانت تلك الكلمات كافيةً لـ"أحمد". كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن الأمر قد يتطلب وقتاً وجهداً. لكنه رأى إصراراً في عيني ليلى، ورأى رغبةً صادقةً في التغيير.
في اليوم التالي، قامت ليلى بجمع كل الرسائل التي احتفظت بها من "طارق". تناولتها بيدين مرتعشتين، وقرأت آخر رسالةٍ كأنها تقرأها لأول مرة. كانت تحمل كلمات حبٍ عميق، ووعداً باللقاء. وضعت الرسائل في حوضٍ كبير، وأشعلت فيها النار. كانت ترى رماد الذكريات يتطاير في الهواء، وكأنها تلقي بجزءٍ من ماضيها في النيران. أحست بألمٍ شديد، لكنها أحست أيضاً بتحررٍ غريب.
عندما عاد "أحمد" إلى المنزل، وجد ليلى جالسةً في الشرفة، تنظر إلى السماء. اقترب منها، وجلس بجانبها. "ماذا فعلتِ؟" سألها.
"رميت كل شيء يا أحمد. كل الرسائل، كل الذكريات."
ابتسم "أحمد" وضمها إليه. "هذه هي ليلى التي أعرفها. هذه هي المرأة التي أحببتها."
كانت تلك بدايةً جديدة، بدايةً مؤلمة، لكنها كانت بدايةً واعدة. بذرة الشك التي زرعت في قلب "أحمد" قد بدأت تذبل، بينما كانت زهرة الأمل في مستقبلٍ أفضل تبدأ بالنمو. لكن هل كانت هذه نهاية القصة؟ هل سينتهي إدمان ليلى على الماضي بهذه السهولة؟