حبيبي الأبدي الجزء الثاني

رياح التغيير، وأثر الماضي

بقلم سارة العمري

مرت أسابيعٌ وليلى و"أحمد" يحاولان جاهداً بناء جسرٍ جديدٍ فوق ماضٍ كان يهدد علاقتهما. كانت ليلى تبذل قصارى جهدها لتكون حاضرةً بكاملها في حياتها الجديدة. كانت تبتسم لـ"أحمد" بصدق، تتحدث معه عن تفاصيل يومها، وتشارك في كل خططهم المستقبلية. لكن أحياناً، في لحظات الهدوء، أو عند سماع أغنيةٍ قديمة، أو شم رائحةٍ معينة، كانت ذكريات "طارق" تعود إليها كطيفٍ عابر، تتسلل إلى روحها، وتذكرها بالماضي الذي حاولت دفنه.

كان "أحمد" يراقبها، ويدرك أنها ما زالت تكافح. كان يرى في عينيها بقايا من حزنٍ قديم، ولكنه كان مصمماً على مساعدتها. كان يقرأ لها، يحدثها عن قصص الصحابة والصالحين الذين تغلبوا على صعاب الحياة، ويروي لها عن حب الله ورسوله، ويذكرها بأن السعادة الحقيقية تكمن في الرضا بما قسمه الله.

"لا تلومي نفسكِ يا ليلى،" كان يقول لها. "الشيطان يزين لنا الباطل، ويجعلنا نتيه. المهم هو أن نسعى دائماً إلى الحق، وأن نطلب المغفرة، وأن نسير في طريق الله. قلبكِ كان متعلقاً به، وهذا أمرٌ طبيعي. لكن المهم الآن هو أين يتجه قلبكِ."

كان كلام "أحمد" يطمئن ليلى، ويشجعها. كانت تشعر بأنه يفهمها، وأنه يحبها حباً قوياً، حباً قادراً على شفاء الجراح. بدأت تشارك "أحمد" في أمورٍ جديدة، مثل التطوع في الجمعيات الخيرية، وزيارة الأهل والأصدقاء، والخروج في رحلاتٍ عائلية. كانت تحاول أن تخلق ذكرياتٍ جديدة، ذكرياتٍ تكون ملكها وملكه.

وفي هذه الأثناء، كان هناك صراعٌ آخر يدور في حياة ليلى. كانت قد تركت العمل في المصنع منذ فترة، بعد أن أصبحت أماً وزوجةً مشغولة. لكنها كانت تشعر بفراغٍ كبير. كانت تفكر في العودة إلى العمل، لكنها كانت تخشى أن يرهقها ذلك، وأن يعيدها إلى تلك الحالة من الضغط التي كانت فيها.

"ما رأيكِ يا ليلى،" سأل "أحمد" في أحد الأيام، "أن تبدئي مشروعاً صغيراً في المنزل؟ يمكن أن يكون ذلك مفيداً لكِ، ويساعدكِ على استثمار وقتكِ."

أعجبت ليلى بالفكرة. كانت دائماً تحب الأشغال اليدوية، والتطريز، وصناعة الحلوى. "ربما يمكنني أن أبدأ ببيع بعض المنتجات اليدوية عبر الإنترنت؟"

"فكرةٌ رائعة!" قال "أحمد". "يمكنني مساعدتكِ في كل شيء. يمكننا بناء صفحةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، والترويج لمنتجاتكِ."

بدأت ليلى العمل بحماس. كانت تقضي ساعاتٍ طويلة في التصميم، والابتكار، والإبداع. كانت تشعر بأنها تستعيد جزءاً من نفسها، وأنها تكتشف مواهب جديدة. كان "أحمد" يدعمها بكل قوة، وكان يرى فيها السعادة والتألق.

ذات يوم، وبينما كانت ليلى تتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي، رأت منشوراً من حسابٍ قديمٍ تعرفه. كان حساب "طارق". لم تكن تعرف كيف وصل إليها، لكنها شعرت بالفضول. نقرت على الصورة، فرأت وجه "طارق" يبدو أكبر سناً، لكنه لا يزال يحمل نفس النظرة الحزينة التي كانت تعرفها. كان المنشور يتحدث عن حياته الجديدة، عن عمله في الخارج، وعن أمله في أن يجد السعادة.

شعرت ليلى بخليطٍ من المشاعر: حنين، شفقة، وبعض من الألم. لكنها سرعان ما استيقظت من غفوتها. لقد اختارت طريقها، واختارت "أحمد". لم يكن لديها الحق في العودة إلى الماضي. أغلقت الحساب، ونفضت يديها، وكأنها تنفض غباراً ثقيلاً.

"هل هناك شيءٌ يزعجكِ يا ليلى؟" سأل "أحمد"، الذي لاحظ تغير ملامحها.

"لا شيء يا أحمد. فقط… رأيت شيئاً."

"ما هو؟"

"لا يهم. لقد تجاوزته."

ابتسم "أحمد" وامسك بيدها. "أنا معكِ. ولن أدع شيئاً يعيقنا."

لكن القصة لم تكن بهذه البساطة. ففي مكانٍ آخر، كان "طارق" قد عاد إلى البلاد، وكان يشعر ببعض الندم على طريقة ابتعاده عن "ليلى". كان يتذكر أيام الجامعة، ويتذكر وعوده لها. وكان يود لو أنه استطاع أن يراها مرةً أخرى، فقط ليعرف أنها بخير.

في أحد الأيام، بينما كان "طارق" يتجول في أحد الأحياء القديمة، مر بجانب متجرٍ صغيرٍ لبيع التحف والأنتيكات. لفت نظره شيءٌ ما في واجهة المحل، قطعةٌ فنيةٌ يدويةٌ، مطرزةٌ بدقةٍ متناهية، تحمل توقيعاً غريباً. اقترب، وقرأ التوقيع: "إبداعات ليلى."

صدم "طارق". لم يصدق عينيه. هل هذه "ليلى" التي يعرفها؟ هل بدأت مشروعاً خاصاً بها؟ شعر بشيءٍ من الفضول، ولكنه أيضاً شعر بشيءٍ من الألم. هل كان "أحمد" يعلم بهذا؟ هل كان يدعمها؟

اشترى "طارق" القطعة الفنية، وبدأت رحلةٌ جديدة في داخله. رحلةٌ بين الرغبة في رؤيتها، وبين الخوف من إزعاجها. هل كان يستطيع أن يلتقي بها؟ هل كان يحق له ذلك؟

في الوقت نفسه، كانت ليلى تشعر بأنها أقوى، وأنها أصبحت أكثر توازناً. كان مشروعها الصغير ينمو، وكان "أحمد" بجانبها، يدعمها، ويحبها. كانت تشعر بأنها تعيش حياةً كاملة، حياةً مباركة.

لكن الماضي، كظلٍ متلاحق، كان لا يزال يلوح في الأفق. هل سيظل بعيداً؟ أم أنه سيحاول أن يقتحم حياتها مرةً أخرى؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%