الحب الحقيقي الجزء الثاني
صندوق الذكريات وصوتٌ من الماضي
بقلم مريم الحسن
دخل عمر إلى المكتبة، حيث كان هدوءٌ ثقيلٌ يخيّم على المكان، لا يقطعه إلا صوت عقارب الساعة التي بدت وكأنها تدق أبطأ من المعتاد. كان الهواء يحمل رائحة الورق القديم، والحبر الجاف، وعبقًا خفيًا من عطورٍ لم يعد لها وجود. بحث بعينيه عن الصندوق الذي وصفته ليلى، ووجد الرف المذكور في الزاوية. كان الصندوق خشبيًا، بنقوشٍ بسيطة، لكنه بدا عليه القدم، وربما الأهمية.
رفعه عمر بحذر، وشعر بثقله، كأن الأسرار التي بداخله تحمل وزن الأرض. وضعه على مكتب والده، وشعر بلمسةٍ غريبة، وكأن روح أبيه تراقبه، تشجعه، أو ربما تحذره. فتح الصندوق ببطء، ووجد بداخله كومة من الأوراق القديمة، صورًا باهتة، ورسائل مكتوبة بخطٍ أنيق، لكنه بدا مألوفًا بشكل غريب.
بدأ عمر يتفحص محتويات الصندوق، وقلبه يخفق بسرعة. كانت هناك صورٌ لعائلته، صورٌ لعمه، صورٌ لوالدته في شبابها. ثم وجد مجموعة من الرسائل، مكتوبة بخطٍ نسائي، حانٍ، ولكنه يحمل أثرًا من الحزن. بدأ يقرأ إحدى الرسائل، وفوجئ بأنها موجهة إلى والده، منذ سنواتٍ طويلة.
"أبي الحبيب،" بدأ عمر يقرأ بصوتٍ مسموع، "لقد وعدتني أننا سنتجاوز كل شيء. وعدتني أن نبني عالمنا الخاص، بعيدًا عن ضوضاء العالم، وسمومه. لكنني أخشى أنني لن أستطيع. أخشى أن ضغط العالم عليّ أقوى من قوتي. إنهم يريدون أن يدمروا كل ما بنيناه، ويريدون أن يفرقوا بيننا. أخشى أنهم سينجحون."
توقف عمر، وشعر بأن جسده قد ارتجف. من هي هذه المرأة؟ ومن هو "أبي الحبيب" الذي تتحدث عنه؟ هل كانت هذه الرسائل لوالدته؟ لكنها لم تكن تكتب بخط والدته. خط والدته كان أجمل، وأكثر انتظامًا.
واصل القراءة، وفي رسالة أخرى، وجد ما هو أشد إيلامًا. "إنهم يهددونني، أبي. يهددون بك، يهددون بعائلتنا. يقولون إنهم سينشرون كل شيء، وسيفضحون كل ما حاولت إخفاءه. لا أعرف ماذا أفعل. قلبي يعتصر خوفًا عليك، وعلينا. أرجوك، إنقذنا."
ارتعشت يدا عمر، وشعر بالبرد يتسلل إلى أطرافه. "أبي؟" هل كان والده هو "الأب الحبيب"؟ ومن كانت هذه المرأة التي كانت تخشى عليه؟
ثم وجد صورةً، صورةٌ لم يرها من قبل. كانت صورةً لوالدته، ولكنها كانت تحمل طفلًا رضيعًا في حضنها. الطفل كان صغيرًا جدًا، وقد بدا وجهه شاحبًا. بجانب الصورة، وجد ورقة، مكتوبة بخطٍ آخر، يبدو أنه خط والدته.
"أيها الطبيب العزيز،" قرأ عمر، "أرجوك، ساعدني. ابني يحتضر. لقد فقدت الكثير من قوته، وبدأت أشعر أنني أفقد الأمل. لقد قمت بكل ما في وسعي. لم يعد لديّ شيء لأقدمه. قل لي، ماذا يجب أن أفعل؟"
شعر عمر بأن الأرض تدور به. طفل رضيع؟ من هذا الطفل؟ هل كان أخًا له؟ ولكنه لم يكن لديه إخوة.
واصل تفتيش الصندوق، ووجد رسالةً، بخطٍ غامض، بدا مهددًا. "إذا أردت أن يبقى ابنك على قيد الحياة، عليك أن تفعل ما أقوله. عليك أن تتخلى عن كل شيء. أن تتنازل عن حقوقك، وأن تختفي من حياتنا. إن لم تفعل، فسوف تندم. وسوف يفقد ابنك كل شيء."
صدمةٌ كبرى ضربت عمر. يبدو أن والده كان يعيش صراعًا مريرًا، صراعًا لم يخبر به أحدًا. يبدو أن هناك من كان يبتزه، ويهدده، وربما السبب في ذلك هو هذا الطفل المريض.
ثم وجد ورقةً أخرى، بخطٍ مشابه للرسالة الأولى، لكنها كانت تحمل توقيعًا. توقيعٌ لم ينسه عمر أبدًا. كان توقيع امرأةٍ كانت قريبة جدًا من عائلته، امرأةً كانت له خير سند في بعض الأوقات. كانت هذه الورقة بمثابة شهادة وفاة، لطفلٍ لم يكن اسمه مكتوبًا.
"لقد استلمت المبلغ المتفق عليه،" قرأ عمر، "ولم تعد هذه الورقة ذات قيمة. لقد تم التخلص من الطفل. فلا تقلق بشأن مستقبله."
انخرط عمر في بكاءٍ مرير، لم يكن يعرف أنه قادر على البكاء بهذا الشكل. طفل؟ تم التخلص منه؟ هل كان هذا الطفل هو أخوه؟ هل كان والده قد اضطر للتخلي عنه، خوفًا على حياته؟
وبينما كان يمسح دموعه، وجد رسالةً أخيرة، بخطٍ مختلف، يبدو أنه خط والده. كانت هذه الرسالة موجهة إلى والدته.
"حبيبتي آمنة،" قرأ عمر، "أعلم أنكِ غاضبة، وأنكِ لا تفهمين ما حدث. أرجو منكِ أن تسامحيني. لقد كنت في موقفٍ لا يُحسد عليه. حياتنا، وحياة طفلنا، كانت في خطر. لقد اضطررت لاتخاذ قرارٍ صعب، قرارٍ سوف أحمله في قلبي إلى الأبد. لقد دفعت الثمن، وسأدفعه كل يوم. أرجو منكِ أن تتذكري أنني فعلت ذلك حبًا لكِ، وخوفًا عليكِ. وأنني لن أستطيع أن أعيش بدون حبكِ. أتمنى أن يأتي يوم، وتغفري لي."
انتهت الرسالة، ولم يستطع عمر قراءة المزيد. شعر بأن قلبه يتقطع. أسرارٌ عائلية، ابتزاز، طفل مفقود، ثم تضحيةٌ مؤلمة. كل هذه الأمور اجتمعت لتدمر حياتهم، ولتترك والديه في حالةٍ من الحزن والغربة.
ثم تذكر كلمات والده الأخيرة: "أردت أن أحميكما، من هذا الألم." الآن فهم عمر. لم يكن يريد أن يجعلهم يعيشون في دوامة هذه الأسرار.
نهض عمر، وحمل الصندوق معه. يجب أن يعرف كل شيء. يجب أن يواجه كل ما تخبئه هذه الأوراق. يجب أن يكشف الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
خرج من المكتبة، ووجد ليلى تنتظره في الخارج، وعيناها مليئتان بالأمل والقلق.
"هل وجدت شيئًا؟" سألته.
أومأ عمر، وعيناه مليئتان بالحزن، لكنهما تحملان أيضًا بريقًا من التصميم. "وجدت كل شيء يا ليلى. وجدت سرًا قديمًا، سرًا قديمًا، سيكشف لنا كل شيء."
قادته ليلى إلى غرفة الجلوس، حيث كانت والدتها، السيدة آمنة، تجلس. وضعت عمر الصندوق على الطاولة، وبدأ يخرج منه الأوراق، والرسائل، والصور.
"هذه الرسائل،" بدأ عمر، وصوته يخونه، "هذه الرسائل من امرأةٍ لم أعرفها. كانت تحب أبي، وكانت تخشى عليه، وعلى طفلٍ لنا. كان هناك من يهددها، ومن يبتز أبي. وكان الثمن هو حياة هذا الطفل."
نظرت السيدة آمنة إلى الرسائل، وارتعشت يداها. "هذا خط عمتي، هدى. لم أكن أعرف أنها كانت تحب زوجي بهذا الشكل. لم أعرف أنها كانت تخشى عليه. ولكن... طفل؟"
"لقد اضطر أبي،" أكمل عمر، "للتخلي عن هذا الطفل، خوفًا على حياة كل العائلة. لقد دفع ثمنًا باهظًا. ثمنًا ظل يحمله في قلبه إلى الأبد."
صمتٌ رهيب خيّم على الغرفة. السيدة آمنة، ليلى، وعمر، كل منهم يحاول استيعاب هذه الحقيقة المروعة. لقد كانت هذه الأسرار تحمل ثقلًا أكبر مما تخيلوا.
"ولكن... لماذا لم يخبرنا أبي؟" سألت ليلى، وعيناها تترقرق بالدموع.
"لقد أراد أن يحمينا." قال عمر، وبدا صوته مليئًا بالحزن. "لقد أراد أن يجعلنا نعيش في عالمٍ خالٍ من الألم. ولكنه لم يعرف أن إخفاء الحقيقة، قد يكون أحيانًا، أقسى من الحقيقة نفسها."
كانت هذه اللحظة، لحظة الحقيقة الكاملة، لحظة انكشاف السرّ القديم، ولحظة الشروع في فهم عمق التضحيات التي قام بها والد عمر، والآلام التي تحملها. كان الطريق لا يزال طويلًا، لكنهم الآن، قد وجدوا مفتاح الباب، باب فهم الماضي، وباب بناء المستقبل.