الحب الحقيقي الجزء الثاني
عاصفة الشكوك وخيانة الأمانة
بقلم مريم الحسن
بدأت عائلة ليلى تتجاوب بإيجابية مع طلب عمر. الحاج أحمد، بعد حديثٍ مستفيض مع سامر، اقتنع بأن عمر رجلٌ مناسب لابنته. بدأت الاستعدادات الأولية للخطبة، وكان عمر يشعر بسعادةٍ غامرة، ممزوجةٍ ببعض التوتر. لكن ما لم يكن يعرفه عمر، أن هناك رياحًا عاتية كانت تتجمع في الأفق، تهدد بتمزيق شراع سعادته.
كان سامر، شقيق ليلى، يعيش في دوامةٍ من المشاكل المالية. كانت ديونه تتراكم، وكان يبحث عن حلولٍ سريعة، غالبًا ما تكون على حساب الآخرين. لقد استغل ثقة أهله به، وبدأ يتورط في معاملاتٍ مشبوهة، يعتقد أنها ستخرجه من مأزقه.
في أحد الأيام، جاء سامر إلى عمر، وبدت عليه علامات القلق الشديد. "عمر، أحتاج مساعدتك في أمرٍ ضروري."
"ما هو؟" سأل عمر، بلهجةٍ فيها بعض الاستغراب. لم يكن سامر معتادًا على طلب المساعدة منه بهذه الطريقة.
"أنا... أنا في ورطةٍ كبيرة. أحتاج إلى مبلغٍ من المال، لا أستطيع أن أدبره بنفسي. لو تستطيع أن تقرضني، فسأكون لكَ شاكرًا إلى الأبد."
نظر عمر إلى سامر، وحاول أن يقرأ في عينيه. رأى فيه ضيقًا حقيقيًا، لكنه لم يستطع أن يتجاهل شعوره بأن سامر يخفي عنه شيئًا. "كم تحتاج؟"
"أحتاج إلى... مائة ألف. ولكن لا تقلق، سأعيدها لكَ في أقرب وقتٍ ممكن. فور أن أتمم هذه الصفقة التي أعمل عليها."
"مائة ألف؟ هذا مبلغٌ كبير جدًا يا سامر."
"أعلم، أعلم. ولكنها حياتي. إن لم أحصل على هذا المبلغ، ستنهار كل شيء."
فكر عمر. لقد وعد الحاج أحمد بأن يكون سندًا لابنته. وكان يعلم أن سامر هو شقيق ليلى، وأن مساعدته قد تكون جزءًا من بناء علاقةٍ طيبة مع العائلة. ولكنه كان أيضًا رجلًا حذرًا، ولم يكن يملك هذا المبلغ بسهولة، خاصةً مع اقتراب تكاليف الخطبة والزواج.
"أنا... لا أملك هذا المبلغ الآن، يا سامر"، قال عمر بصدق. "الصفقة التي أعمل عليها كبيرة، وقد استثمرتُ فيها الكثير من سيولتي. ولكن... هل يمكنك أن تخبرني ما هي هذه الصفقة؟ ربما يمكنني أن أساعدك بطريقةٍ أخرى."
تردد سامر. "إنها... إنها صفقةٌ سريعة. عبارة عن شراء وبيع بعض الأصول. الأمر معقدٌ بعض الشيء، ولا أظن أنك ستفهمه بسهولة."
شعر عمر بشيءٍ غير مريح. "لمَ تخفي عني؟ أنا أختكِ، وأخو ليلى. ما يخفى عليك، قد يؤثر علينا جميعًا."
"لا تقلق يا عمر. إنها مجرد معاملاتٌ تجارية. لا دخل لكم بها."
تراجع عمر. لم يكن يريد أن يتدخل في أمور سامر الخاصة، لكنه كان يشعر بأن هناك شيئًا مريبًا. "حسنًا، سأرى ما يمكنني فعله. ولكنني سأحتاج وقتًا لأجمع المبلغ. ربما... أسبوع أو أسبوعين."
"أسبوع؟ لا أملك كل هذا الوقت!" قال سامر بغضبٍ مفاجئ. "أحتاج المال الآن!"
شعر عمر بضيق. "إذا كنت تحتاج المال بهذه السرعة، فهذا يعني أن الأمر أكثر خطورة مما تظن."
"لا تتدخل فيما لا يعنيك!" قال سامر بحدة، ثم نهض وغادر.
ترك سامر عمر في حالةٍ من الارتباك. بدأ الشك يتسلل إلى قلبه. لم يكن سامر بهذه العصبية والاندفاع إلا إذا كان لديه ما يخفيه.
في هذه الأثناء، كانت الاستعدادات للخطبة تسير قدمًا. اختارت ليلى مع والدتها بعض التصاميم لفستان الخطبة، وكانت تتحدث مع عمر عن تفاصيل الحفل. كان عمر سعيدًا، لكن صورة سامر وكلماته القاسية كانت لا تفارق ذهنه.
بعد أيامٍ قليلة، تلقى عمر اتصالًا مفاجئًا. كان صوتًا رجوليًا، يبدو أنه رجل أعمال. "عمر؟ أنا السيد خالد، من شركة العقارات الكبرى. سمعت عن مشروعك الضخم، وأنا مهتمٌ جدًا بالاستثمار فيه."
شعر عمر بالسعادة. كانت هذه فرصةٌ ذهبية. "أهلاً بك يا سيد خالد. يسعدني اهتمامك. متى يمكننا أن نلتقي لمناقشة التفاصيل؟"
"في أقرب وقت. لدي بعض الاستفسارات، وأريد أن أتأكد من بعض الأمور."
اجتمع عمر مع السيد خالد، وبدا الرجل مهتمًا جدًا. لكنه كان يطرح أسئلةً غريبة، تتعلق بتفاصيل دقيقة لم يكن عمر يتوقعها. "هل يمكنك أن تخبرني عن المصادر التمويلية التي اعتمدت عليها في بداية المشروع؟ وهل هناك أي قروضٍ مستحقة؟"
"لقد اعتمدت على مدخراتي، وقرضٍ بسيط من البنك، وأنا الآن في طور إتمام صفقةٍ استثمارية ستغطي الجزء الأكبر من تكاليف المرحلة القادمة."
"وهذه الصفقة... هل هي مع جهةٍ موثوقة؟"
"نعم، مع شركةٍ دولية. كل شيءٍ موثقٌ ورسمي."
نظر إليه السيد خالد بنظرةٍ لم يستطع عمر فهمها. "لا أريد أن أتسبب لك في إزعاج، ولكنني سمعت بعض الهمسات. همساتٌ تقول أنك قد تكون متورطًا في بعض الأمور غير القانونية لتمويل مشروعك."
تجمد عمر في مكانه. "ماذا؟ هذا غير صحيح! أنا رجلٌ أعمل وفق الشرع والقانون."
"أعلم أنك تبدو كذلك، ولكن... في عالم الأعمال، الأمور ليست دائمًا كما تبدو. هل يمكن أن تزودني ببعض المستندات التي تثبت سلامة معاملاتك؟"
شعر عمر بالبرود يتسلل إلى أطرافه. كان يشعر بأن كل شيءٍ ينهار. كانت كلمات السيد خالد تلعب على وتر الشكوك التي زرعها سامر بداخله.
"لا يمكنني أن أقدم لك كل المستندات الآن"، قال عمر بصعوبة. "ولكنني أؤكد لك أن كل شيءٍ سليم."
غادر السيد خالد، تاركًا عمر في دوامةٍ من القلق. بدأ يشك في كل شيء. هل كان هناك من يكره نجاحه؟ هل كان سامر هو من يقف وراء هذه الشائعات؟
في تلك الليلة، لم يستطع عمر أن ينام. بدأ يفكر في كل شيء. في سامر، في مطالبه الغريبة، وفي كلام السيد خالد. هل كان سامر يتورط في شيءٍ مظلم؟ وهل كان هو من يورط عمر معه؟
في نفس الوقت، كانت ليلى تشعر بشيءٍ غريب. كانت والدتها تشتكي من تصرفات سامر، وأنه أصبح قلقًا بشكلٍ مريب، ويقضي ساعاتٍ طويلة خارج المنزل دون أن يعرف أحدٌ وجهته. كانت والدتها قلقةً جدًا عليه، وكانت ليلى تشعر بأن هناك سرًا يلف شقيقها.
كانت الخطبة على وشك الانعقاد، وكان عمر يشعر بأن عاصفةً قويةً تلوح في الأفق. بدأت شكوكه تزداد، وبدأ يشعر بأن أمانته تتعرض للخطر. هل سيكون قادرًا على حماية نفسه، وعلى حماية حبه لليلى؟