الحب الحقيقي الجزء الثاني
ظلال الماضي على حاضرٍ مهدد
بقلم مريم الحسن
جلست ليلى أمام جاسم، شقيق مصطفى، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ أسيرٍ يحاول الفرار من قفصه. لم تكن تتوقع أن تكون مجرد أيامٍ قليلة بعد وفاة زوجها، حتى تعود شبح الديون والمشاكل لتطاردها. كان جاسم، الشاب الذي لطالما رأته ودودًا ومتعاونًا، يبدو اليوم شارد الذهن، تائهًا بين تفاصيلٍ لا يريد أن يكشف عنها بالكامل.
"ماذا تقصد بالديون؟" سألت ليلى، محاولةً التحكم في نبرة صوتها التي كانت ترتعش. "مصطفى لم يخبرني قط عن أي ديون." تنهد جاسم بعمق، ثم بدأ يفرك صدغيه كمن يحاول تخفيف صداعٍ يعذبه. "كان مصطفى... كان لديه بعض الاستثمارات التي لم تكن ناجحة. حاول أن يخرج من بعض المأزق، لكن الأمور تعقدت." "استثمارات؟" كررت ليلى، والصدمة ترتسم على وجهها. "أي استثمارات؟" "كان الأمر يتعلق ببعض المشاريع العقارية، وبعض صفقاتٍ سريعة. كان يأمل أن يربح مبلغًا كبيرًا ليعوض بعض الخسائر السابقة. لكنه... لم يوفق."
كانت هذه الكلمات أقرب إلى ما قرأته في دفتر مصطفى، لكن سماعها من فم شقيقه كان له وقعٌ آخر، وقعٌ يزيد من إحساسها بالخيانة. شعرت بأنها لم تكن تعرف الرجل الذي أحبته، وأن ما ظنته حبًا كان مبنيًا على وهمٍ جميل.
"ومن هو هذا الشخص الذي يطالب بالديون؟" سألت، وعيناها تتجهان مباشرةً نحو جاسم. تردد جاسم قليلاً، وبدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "إنه... شخصٌ يعرفه مصطفى جيدًا. كان هناك اتفاقٌ بينهما، وكان مصطفى مدينًا له بمبلغٍ كبير." "وما هو هذا المبلغ؟" "حوالي مئتي ألف دينار."
ارتعش جسد ليلى، كأن صاعقةً قد ضربتها. مئتا ألف دينار! كيف يمكن لمصطفى أن يقع في مثل هذا المأزق؟ وكيف لها، وهي بالكاد تستطيع تدبير أمور حياتها، أن تسدد هذا المبلغ؟
"ومن هو هذا الشخص؟" سألت مرة أخرى، بنبرةٍ فيها الكثير من الإصرار. "اسمه... السيد رضوان." أجاب جاسم، واسمه بدا ثقيلاً على لسانه. "وهو رجلٌ لا يعرف الرحمة. لقد هدد مصطفى في حياته قبل أن... قبل الحادث."
ارتجفت ليلى عند سماع كلمة "التهديد". هل كان الحادث مجرد حادث؟ أم كان هناك يدٌ خفية وراءه؟ بدأت خيوط المؤامرة تتشابك أمام عينيها، وكانت تشعر بأنها تنجرف في بحرٍ مظلمٍ من الشك والخوف.
"ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" سألت، وقد استيقظ فيها غضبٌ بارد. "لماذا تركتني أعيش في جهلٍ تام؟" "لم يكن الأمر سهلاً يا ليلى." دافع جاسم عن نفسه، بوجهٍ مليءٍ بالأسف. "مصطفى كان يحاول إخفاء الأمر عنكِ. كان لا يريد أن يقلقكِ. وفي الأيام الأخيرة، كان وضعه صعبًا جدًا."
"وأنتم؟" سألت، تنظر إلى جاسم بحذر. "ما هو دوركم في هذا؟ ألم تعلموا بهذا الأمر؟" "لقد حاولنا مساعدته قدر المستطاع." قال جاسم، لكنه لم يكن مقنعًا. "لكن مصطفى كان عنيدًا. كان يعتقد أنه يستطيع حل كل شيء بنفسه."
كانت هناك شيءٌ في كلام جاسم يثير شكوك ليلى. كانت تشعر بأن هناك المزيد، وأن الحقيقة الكاملة لم تُكشف بعد. هل كان جاسم يخفي شيئًا؟ هل كان له دورٌ ما في هذه المشاكل؟
"أين أجد هذا السيد رضوان؟" سألت ليلى، وقد استقرت عزيمتها على مواجهة الحقيقة. "يجب أن أتحدث إليه." "لا، يا ليلى، لا يمكنكِ." اعترض جاسم بسرعة. "إنه رجلٌ خطير. دعيني أتولى الأمر." "تتولى الأمر؟" ضحكت ليلى بمرارة. "وكيف ستتولى الأمر؟ هل ستدفع الديون؟"
ازدادت حدة التوتر في الغرفة. شعرت ليلى بأنها محاطةٌ بالأعداء، وأن كل من حولها يخفون شيئًا. تذكرت دفتر مصطفى، والرسالة التي كان قد تركها في البنك. ربما كانت تلك الرسالة هي مفتاح كل شيء.
"عليّ الذهاب إلى البنك." قالت ليلى، وقد نهضت من مكانها. "لديّ أمرٌ هام يجب أن أنجزه." "البنك؟" استغرب جاسم. "ماذا ستفعلين في البنك؟" "هذا شأنٌ خاص بي." أجابت ليلى ببرود، ثم خرجت من الغرفة، تاركةً جاسم في حيرةٍ من أمره.
كانت خطواتها في الخارج تبدو كقرع طبولٍ في أذنها. كانت تتجه نحو البنك، وهي تحمل في قلبها مزيجًا من الشجاعة والخوف. لم تعد ليلى الفتاة الهشة التي تركت مصطفى يوماً ما. لقد أصبحت قوية، قوية بما يكفي لمواجهة الظلام الذي بدأ يحيط بها.
عندما وصلت إلى البنك، تقدمت بطلبٍ لفتح صندوق الأمانات الخاص بمصطفى. انتظرت بصبرٍ، وقلبها يتسارع مع كل دقيقة تمر. أخيرًا، جاء موظف البنك ليصحبها إلى الغرفة المخصصة.
وقفت أمام الصندوق، يدها ترتجف قليلاً وهي تضع المفتاح في القفل. انفتح الصندوق ببطء، ليكشف عن محتواه. لم يكن هناك الكثير، سوى بعض الأوراق الرسمية، وعلبة صغيرة، ورسالةٌ مكتوبة بخط يد مصطفى.
فتحت الرسالة، وبدأت تقرأ. كانت كلماته مؤثرة، مليئةً بالندم والاعتذار. اعترف فيها بمشاكله المالية، وكيف أنه تورط مع أشخاصٍ لم يكن يعرف نواياهم الحقيقية. كان يتحدث عن الخوف الذي سيطر عليه، وعن محاولاته المستميتة للخروج من هذه الورطة.
"ليلى حبيبتي،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أستطع حل مشاكلي. سامحيني على كل ما سببته لكِ من قلقٍ وألم. لقد تورطت في أمورٍ لم أكن أتوقعها، وبدأت أفقد السيطرة. هؤلاء الأشخاص الذين أتعامل معهم... إنهم ليسوا كالبشر. إنهم يطالبون بما لا يملك أحدٌ أن يطالب به. أخشى أن يكون لهم يدٌ فيما سيحدث لي."
كانت الكلمات الأخيرة في الرسالة هي التي أثارت الرعب في قلب ليلى. "كان هناك اتفاقٌ بيني وبين السيد رضوان. يجب أن أسدد له مبلغ مئتي ألف دينار، وإلا... وإلا سيقوم بإيذائكِ. لقد وعدني بأن يترككِ وشأنكِ إذا ما سددتُ الدين. هذه المئتان ألف دينار، جزءٌ منها هو مالٌ لي، والجزء الآخر هو... مالٌ اقترضته من أشخاصٍ آخرين، ولم أستطع إعادته. أرجوكِ يا ليلى، حاولي أن تسددي هذا الدين. لقد تركت لكِ في هذه العلبة بعض الأشياء الثمينة التي قد تساعدكِ. إنها ذكرياتٌ عزيزة على قلبي، ولكنها قد تكون مفتاح نجاتكِ. لا تثقي بأحدٍ يا ليلى، حتى أقرب الناس إليكِ. هناك ظلالٌ تحيط بنا، وخطواتٌ تخطوها الأفعى في الظلام. أرجوكِ، كوني قوية. وأرجوكِ، ابحثي عن الحقيقة، فإنها قد تكون مؤلمة، لكنها وحدها من تستطيع تحريركِ."
أغلقت ليلى الرسالة، ودموعها تنهمر على خديها. لم يعد هناك مجالٌ للشك. لقد كان مصطفى في ورطةٍ حقيقية، وكان هناك من يريد استغلال ضعفه. ولكن من هم هؤلاء الأشخاص؟ ومن هو رضوان بالضبط؟ ولماذا كان لديه هذه القدرة على التهديد؟
فتحت العلبة التي تركها لها مصطفى. كانت تحتوي على قلادةٍ قديمة، وخاتمٍ من الذهب مرصعٍ بحجرٍ كبير، وصورةٍ صغيرة لها و لمصطفى في يوم زفافهما. كانت ذكرياتٌ مؤلمة، لكنها كانت أيضًا دليلاً على ما كان يحبه مصطفى.
نظرت إلى الخاتم، وفكرت في قيمته. هل كانت هذه الأشياء كافية لسداد الدين؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ رفعت ليلى رأسها، وتأملت وجهها في المرآة الصغيرة التي كانت معها. لم تعد تلك الفتاة التي بدأت يومها بالبكاء. لقد أصبحت الآن امرأةً قوية، تحمل على عاتقها عبءًا ثقيلاً، لكنها مستعدة لمواجهته. ظلال الماضي بدأت تتكشف، وحاضرها أصبح مهددًا، لكنها كانت تعلم أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للخلاص.