الحب الحقيقي الجزء الثاني
متاهات الثقة والخيانة
بقلم مريم الحسن
خرجت ليلى من البنك، وهي تحمل في حقيبتها الرسالة والعلبة الثمينة، وقلبها مثقلٌ بالهموم، وعقلها يتسابق في محاولة فهم كل شيء. كانت كلمات مصطفى الأخيرة، "لا تثقي بأحدٍ يا ليلى، حتى أقرب الناس إليكِ"، تتردد في أذنها كتحذيرٍ أخير. من كان يقصد؟ هل كان يتحدث عن جاسم؟ أم عن شخصٍ آخر؟
عادت إلى منزل جدتها، لتجد الحاجة فاطمة تجلس في الصالة، وهي تتأمل صور مصطفى. كانت نظراتها مليئةً بالحزن العميق، وبشيءٍ من الارتياح لرؤية ليلى. "أين كنتِ يا ابنتي؟" سألت الحاجة فاطمة بصوتٍ دافئ، لكن عينيها كانت تظهر قلقًا خفيًا. "كنتُ في البنك، يا جدتي." أجابت ليلى، محاولةً أن تبدو طبيعية. "وماذا كنتِ تفعلين هناك؟" "كان لديّ بعض الأمور الخاصة بمصطفى." لم تستطع ليلى الكشف عن كل شيء. شعرت بأنها بحاجةٍ إلى وقتٍ لتستوعب ما يحدث.
في تلك اللحظة، دخل جاسم الغرفة. كان وجهه لا يزال شاحبًا، وبدت عليه علامات القلق. "ليلى، هل تحدثتِ إلى أحد؟" سأل، ونظرته كانت تبحث عن إجابةٍ واضحة. "تحدثتُ مع نفسي." أجابت ليلى بتهكم، ثم وضعت العلبة الثمينة على الطاولة. "وهذه الأشياء... تركها مصطفى لي. قد تساعدنا في حل بعض المشاكل."
نظر جاسم إلى العلبة، ثم إلى ليلى، وقد اختلطت الدهشة بالقلق في عينيه. "ما هذه الأشياء؟" سأل، وهو يمد يده ليلمس القلادة. "إنها أشياءٌ عزيزة على قلب مصطفى." أجابت ليلى، وكلمات مصطفى عن عدم الثقة تتردد في عقلها. "وهي قد تكون قيمتها عالية."
تجمع والد ووالدة مصطفى، عمهما وخالتهما، في الغرفة، بعد سماعهم عن وجود ليلى. كان الجميع يبدون متألمين، لكن ليلى شعرت بأن وراء هذا الألم شيئًا آخر، شيئًا يحاولون إخفاءه. "يا ليلى،" قالت والدة مصطفى، وهي تبدو متأثرة، "مصطفى كان رجلًا طيبًا، لكنه أحيانًا كان يتخذ قراراتٍ خاطئة." "قرارات خاطئة؟" كررت ليلى، وبدأ الشك يتزايد لديها. "هل تقصدين ديونه؟" "نعم، ديونه." أجابت والدة مصطفى، وتجنبت النظر في عيني ليلى. "لقد تورط في بعض المشاريع التي لم تكن ناجحة. ونحن، كعائلته، حاولنا مساعدته، لكن الأمر كان كبيرًا جدًا."
بدأت ليلى تشعر بأنها محاطةٌ بجدارٍ من الأكاذيب. كان الجميع يتحدث عن "مشاريع غير ناجحة"، لكنها كانت تعرف أنها أكثر من ذلك بكثير. كانت تعرف أن هناك "شخصيات خطيرة" و"تهديدات".
"وهذا السيد رضوان..." بدأت ليلى، وهي تنظر مباشرةً إلى جاسم. "هل تعرفونه؟" تجمد جاسم للحظة، ثم أجاب بتردد: "لا... لم أسمع به من قبل." "حقًا؟" قالت ليلى، وقد شعرت بالمرارة. "مصطفى ذكره في رسالةٍ تركها لي. وكان يخشى منه كثيرًا."
ارتعش جاسم قليلاً، لكنه حافظ على رباطة جأشه. "ربما كان مصطفى يبالغ في خوفه. لم يكن رجلًا ضعيفًا." "لكن خوفه كان حقيقيًا." أكدت ليلى. "وكان لديه مبلغٌ كبيرٌ مطالب به."
نظر والد مصطفى إلى جاسم، ثم قال بصوتٍ حازم: "علينا أن نتحد لنتجاوز هذه المحنة. ليلى، هذه الأشياء التي وجدتيها، ما هي قيمتها؟" "لا أعرف بالضبط." أجابت ليلى. "لكنها قد تكون كافية لبعض الديون." "بعض الديون؟" سخر جاسم. "بل هي ديونٌ كبيرة، لا يمكن حلها ببعض الأشياء الثمينة."
كانت هذه الكلمات بمثابة تأكيدٍ لشكوك ليلى. كان جاسم يحاول التقليل من قيمة ما وجدته، وكأنه لا يريد أن تخرج من هذه المشكلة بسهولة.
"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى جاسم بتحدٍ. "أقصد أن هذا الدين يجب أن يسدد بالكامل." أجاب جاسم. "وإذا لم نستطع، فإن الأمور ستصبح أسوأ."
شعرت ليلى بأنها في مواجهةٍ صعبة. كان عليها أن تكشف الحقيقة، لكنها كانت تعلم أن الثقة قد انهارت. تذكرت وصية مصطفى، "ابحثي عن الحقيقة، فإنها قد تكون مؤلمة".
"أنا مستعدةٌ لمواجهة أي شيء." قالت ليلى، وهي تنظر إلى الجميع. "ولكنني بحاجةٍ إلى الصدق. قولوا لي الحقيقة كاملةً." "الحقيقة هي أن مصطفى تورط مع تجارٍ خطرين." قال والد مصطفى، وقد بدا عليه الإرهاق. "وكانوا يطالبونه بمبلغٍ كبير. وهذا السيد رضوان، هو واحدٌ من هؤلاء الأشخاص."
"ولماذا لم تخبروني بهذا من قبل؟" سألت ليلى. "كان مصطفى يطلب منا ألا نخبركِ. كان يريد أن يحميكِ." أجاب جاسم. "لكنه لم ينجح في ذلك. لقد وقع في الفخ."
شعرت ليلى بالضياع. كانت تتأرجح بين الشك واليقين. إذا كان الجميع يعلمون، فلماذا لم يفعلوا شيئًا؟ ولماذا كان جاسم يخفي بعض التفاصيل؟
"وهل لديكم أي فكرةٍ عن المكان الذي يمكن أن نجده فيه؟" سألت ليلى، وهي تفكر في مواجهته بنفسها. "لا، يا ليلى." اعترضت والدة مصطفى. "هذا ليس من شأنكِ. دعيه لنا." "دعوه لكم؟" ضحكت ليلى بمرارة. "أنتم لم تفعلوا شيئًا من قبل. هل ستفعلون شيئًا الآن؟"
كانت هناك عيونٌ تتجنب عينيها، وأصواتٌ تتعثر في تبريراتها. شعرت ليلى بأنها وحيدةٌ في هذا الصراع.
"عليّ أن أتصرف بنفسي." قالت ليلى، وقد اتخذت قرارها. "لن أترك حقوق مصطفى تضيع، ولن أترك هذا السيد رضوان يهددني." "لكن كيف؟" سأل جاسم، وبدا عليه القلق. "سأجد طريقة." أجابت ليلى، وهي تنظر إلى جدتها. "وأحتاج إلى دعمكِ يا جدتي."
نظرت الحاجة فاطمة إلى ليلى، ثم أومأت برأسها. "سأكون معكِ يا ابنتي، مهما حدث."
شعرت ليلى بقوةٍ تتجدد فيها. على الرغم من خيانة الثقة، وعلى الرغم من الظلام الذي يحيط بها، كان لديها داعمٌ حقيقي. "علينا أن نتأكد من سلامتكِ أولاً." قال والد مصطفى، وبدا عليه الجدية. "إذا كان هذا رضوان شخصًا خطيرًا، فقد يكون لديه أتباع." "لا تقلقوا." قالت ليلى. "سأكون حذرة."
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت تفكر في مصطفى، في خيانته، وفي الخوف الذي عاشه. كانت تفكر في السيد رضوان، وفي قوته الغامضة. كانت تعلم أن أمامها طريقًا طويلًا وشاقًا، لكنها كانت مستعدةً لخوضه. لقد قررت أن تواجه كل شيء، وأن تكشف كل الأسرار، مهما كانت مؤلمة.
كانت تشعر بأنها تسير في متاهةٍ من الثقة والخيانة، لكنها كانت مؤمنةً بأنها ستجد مخرجًا. كانت تعرف أن الحقيقة وحدها قادرة على تحريرها، وتحرير ذكرى مصطفى من هذه الأوهام.