قلب الأمير الغائب
اللقاء على ضفاف النهر
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، تلقي بظلالها الذهبية على واحة "الفيحاء" الساحرة. الهواء يعبق برائحة الياسمين والرمان، ونسيم لطيف يداعب أوراق النخيل، محدثاً همساً خفيفاً كأنه يحكي أسرار المكان. في هذا المشهد البديع، كانت الأميرة "ليلى" تقف على شرفة قصرها العتيق، تتأمل زرقة السماء الممتزجة ببريق الغروب. لم تكن مجرد أميرة، بل كانت روحاً طموحة، وعقلاً متقداً، وقلباً ينبض بحب وطنها وشعبها. كانت تدرك جيداً ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها، خاصة في ظل غياب والدها، أمير "الفيحاء"، في رحلة دبلوماسية طال أمدها.
عيناها الواسعتان، بلون الليل المزين بالنجوم، اتجهتا نحو النهر الذي يمر بضفاف الواحة، ينساب كشريط فضي لامع. كانت ترى فيه انعكاساً للحياة، شرياناً يروي أرضها ويعطيها الحياة. في الآونة الأخيرة، أصبح النهر وجهتها المفضلة، ملاذها الهادئ الذي تلجأ إليه عندما تثقلها الهموم وتتعبها مجالس القصر الرسمية.
اليوم، كان الأمر مختلفاً. كان هناك ترقب يسكن قلبها، شعور غامض بالاقتراب من حدث جلل، كأن السماء تعد بشيء لم يسبق له مثيل. كانت ترتدي ثوباً فضفاضاً بلون السماء الصافية، مطرزاً بخيوط ذهبية رفيعة، وشعرها الأسود الداكن مسدول على كتفيها كشلال. لم تكن تتزين بالمجوهرات الباهظة، فجمالها الطبيعي كان يغني عن كل زينة، ورقّتها كانت تمنحها هالة من الوقار والسحر.
فجأة، لمح بصرها حركة غير معتادة على الضفة المقابلة للنهر. لم تكن تلك الحركة من رعيان الضأن المعتادين، أو من نساء الواحة اللواتي يأتين لجلب الماء. كانت حركة سريعة، موجهة، أشبه بحركة صياد ماهر، أو ربما فارس. استرعى انتباهها وجود رجل وحيد، يقف شامخاً كأنه جزء من تضاريس الطبيعة. كان ظهره نحوها، لكن قوة حضوره كانت بادية للعيان.
دفعتها الفضول، وهو شعور لم تعتده في حياتها المحكمة، إلى النزول من الشرفة بصحبة وصيفتها المخلصة "نورة". كانت "نورة" امرأة في منتصف العمر، تتمتع بالحكمة والولاء، وكانت خير معين للأميرة في تقييم الأمور.
"ما الذي ترينه يا نورة؟" همست ليلى، وعيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل البعيد. "لا أرى سوى رجل يتأمل النهر يا مولاي. لعلّه من القوافل التي تمر بهذه الجهات." أجابت نورة بصوت خفيض، محاولةً تطمين الأميرة.
لكن ليلى لم تقتنع. كان هناك شيء في طريقة وقوفه، في هدوئه الواثق، يوحي بأنّه ليس مجرد عابر سبيل. لم يكن يرتدي ملابس التجار المعتادة، بل ثياباً داكنة، تبدو متينة وعملية.
قررت ليلى أن تقترب أكثر. كانت تعرف أن هذا التصرف قد يكون غير لائق بأميرة، لكنها كانت تشعر بأن هناك أمراً هاماً ينتظرها. "لنقترب قليلاً، نورة. أريد أن أرى إن كان من أحد معارفنا."
اتجهت الأميرة وصيفتها بخطوات متأنية نحو الجسر الحجري القديم الذي يعبر النهر. كلما اقتربا، زادت التفاصيل وضوحاً. بدأت ترى شكل أكتافه العريضة، وطول قامته، وطريقة استرخائه المميزة. وعندما وصلتا إلى منتصف الجسر، استدار الرجل ببطء، وكأنه شعر بحضورهما.
تجمدت ليلى في مكانها. لم يكن مجرد رجل، بل كان بطلاً من أبطال الأساطير، أو هكذا خيل إليها. وجهه الأسمر، المنحوت بدقة، كان يعكس قوة لا تلين، وعينيه العميقتين، بلون البنفسج الداكن، كانتا تنظران إليها بثبات، فيهما بريق ذكاء حاد وروح مرحة مخفية. كان شعره الأسود مجعداً، وشاربه الكثيف يضفي عليه هالة من الرجولة.
ابتسامة خفيفة، تكاد تكون غير مرئية، لعبت على شفتيه. لم تكن ابتسامة استهزاء، بل ابتسامة تقدير، وكأنه كان يتوقع لقاءها. "السلام عليكم أيتها الأميرة." قال بصوت عميق، يحمل نبرة من الاحترام والفخر.
كان صوته كأنه وتر من عود قديم، يعزف لحناً عذباً في أذنها. صدمتها الكلمات، كيف عرف أنها أميرة؟ وهل كان ينتظرها بالفعل؟
"وعليكم السلام." أجابت بصوت متقطع، تحاول استجماع رباطة جأشها. "كيف عرفتني؟"
"الفيحاء لا تلد إلا الجمال، والأميرات لا يحملن هالة كهذه إلا من كنّ من سلالة الذهب والنور." أجاب بابتسامة أوسع، فيها شيء من الغزل البريء. "أنا 'زيد'، ابن عم أمير البادية، وقد سمعت الكثير عن جمال الأميرة ليلى وعقلها الراجح."
"زيد؟" كررت ليلى الاسم، فيه قوة وبساطة. "ولماذا أنت هنا؟ لم نسمع بقدومك."
"جئت لأرى بستان النخيل الذي تحدث عنه والدي، ولأسلم على عمي الغائب. ولكن بدا أن قدري أراد لي لقاءً أروع." نظر إليها بعينيه الثاقبتين، وكأنما يخترق دروعها.
شعرت ليلى بحرارة تسري في عروقها. لم تعتد مثل هذه النظرات، ولا هذه الكلمات الجريئة. كانت حياة القصر قد دربتها على الرسميات والبروتوكولات، لكن هذا الرجل، "زيد"، كان يكسر كل الحواجز بكلماته البسيطة وصراحته الواضحة.
"إن زيارتك مفاجئة، يا سيد زيد. لكنك مرحب بك في الواحة." قالت محاولةً استعادة رباطة جأشها.
"شكراً لكِ أيتها الأميرة. وأنا أرى أن قدري في هذه الواحة لم يبدأ بعد." قال، وعيناه تلمعان.
لم تنطق ليلى بكلمة، لكن قلبها بدأ يخفق بقوة. شعرت بأن هذا اللقاء لم يكن مصادفة، وأن هذا الرجل، "زيد"، سيغير مجرى حياتها. كانت الشمس قد اختفت تماماً خلف الأفق، تاركةً سماءً ملونة بظلال وردية وبنفسجية. وأضواء القصر بدأت تضيء، كأنها نجوم على الأرض.
"يجب أن أذهب الآن." قالت ليلى، وهي تشعر بالارتباك. "لكنني آمل أن ألتقيك مرة أخرى."
"أتمنى ذلك أيتها الأميرة." أجاب زيد، وبابتسامته التي كانت تبدو وكأنها تعد بالكثير. "فالوقت مع الأقدار الجميلة يمر كأنه لحظة."
لم ينتظر زيد أي رد، فاستدار وأكمل سيره على ضفة النهر، تاركاً الأميرة ليلى تقف في مكانها، تشعر بقلبها يدق بعنف، وتتساءل عن معنى هذا اللقاء الغريب والمثير. كانت تعرف شيئاً واحداً، أن عالمها الهادئ قد اهتز، وأن حياة الأميرة ليلى لم تعد كما كانت قبل أن تلتقي بعيني زيد.