قلب الأمير الغائب
أشباح الماضي تخيم على الحاضر
بقلم مريم الحسن
تسمرت سارة في مكانها، وجسدها يتجمد بفعل الكلمات التي انبعثت من فم جدتها، تلك الكلمات التي حملت في طياتها أسرارًا دفينة، وحقائق صادمة، اهتز لها كيانها. كانت تراقب وجه السيدة العجوز، تعابير الحزن والأسى التي اكتست محياها، وعينين غارقتين في بحر من الذكريات المؤلمة، تفاصيل لم تكن تتوقع أبدًا أن تسمعها، خاصة وأنها تتعلق بشخص لطالما أحبته، الأمير فهد.
"أبي... لقد عاش في كذبة كبيرة، يا ابنتي"، بدأت الجدة بصوت مرتجف، قطرات الدموع تنساب على خديها الشاحبين، "وكانت نهايته نتيجة مباشرة لهذه الكذبة."
ألقت سارة نظرة سريعة على والدتها، رأت فيها نفس الصدمة والرعب الذي اجتاحها. والدتها، التي ظلت طوال حياتها تبني صورًا مثالية عن والدها الراحل، الرجل النبيل، الذي كان رمزًا للشجاعة والإخلاص. والآن، تصطدم بهذه الحقيقة المرة، أن كل ما ظنت أنها تعرفه عن حياته كان مجرد قناع، وإخفاء متعمد للحقيقة.
"ماذا تقصدين يا جدتي؟" سألت سارة بصوت بالكاد مسموع، وقلبها يدق بعنف، كأنه يريد أن يقفز من صدرها.
"الأمير فهد لم يكن الابن الوحيد لجده، الملك فوزان"، قالت الجدة، ونبرتها ازدادت حزنًا، "كان لديه أخ توأم، اسمه سالم. ولكنه اختفى في ظروف غامضة منذ سنوات طويلة، قبل أن يولد أبوك."
تسارعت أنفاس سارة. أخ توأم؟ سالم؟ لم تسمع بهذا الاسم من قبل، ولم يذكر في أي من الأحاديث العائلية، وكأن هذا الشخص لم يكن موجودًا أصلاً.
"لماذا لم يذكر أحد شيئًا عنه؟" سألت والدتها، صوتها يحمل نبرة الاستغراب والامتعاض.
"لأن اختفاء سالم كان وصمة عار على جبين العائلة المالكة"، أجابت الجدة، "لقد قيل أن سالم كان متمردًا، ولا يلتزم بأوامر والده. وعندما حاول الاستيلاء على العرش بالقوة، تم نفيه. ولكن هذه القصة لم تكن صحيحة تمامًا."
"ما هي الحقيقة إذن؟" تساءلت سارة، تتشوق لمعرفة المزيد، حتى لو كان ذلك مؤلمًا.
"كان سالم يحب فتاة من عامة الشعب، فتاة ذات جمال أخاذ وقلب طيب. ولما اكتشف والدهما علاقتهما، غضب غضبًا شديدًا. حاول سالم الدفاع عن حبيبته، لكنه تعرض للأذى. ولم يعرف أحد مصيره بعد ذلك. البعض قال إنه هرب، والبعض الآخر قال إن والده... قتله."
شعرت سارة بغثيان خفيف. قصة مأساوية، كأنها مأخوذة من رواية قديمة، ولكنها حقيقية، ومرتبطة بأفراد عائلتها.
"ولكن كيف يرتبط هذا كله بأبي؟" سألت سارة، محاولة ربط الخيوط المتفرقة.
"عندما اختفى سالم، انهار الأمير فهد. كان سالم هو كل شيء بالنسبة له. ولكن الحزن لم يكن السبب الوحيد لحالة الأمير فهد. لقد اكتشف شيئًا مرعبًا، شيئًا جعله يفقد ثقته في كل من حوله."
"ما هو هذا الشيء؟"
"لقد اكتشف أن والده، الملك فوزان، كان يعلم بكل ما حدث لسالم، ولم يفعل شيئًا. بل إنه كان متواطئًا في اختفائه، للتخلص منه وتجنب أي صراع على العرش. لقد خان ثقة ابنيه، وجعلهما يعيشان في عالم من الخداع."
ارتعشت شفتي سارة. لم تتخيل يومًا أن جدها، الملك فوزان، يمكن أن يكون بهذه القسوة.
"عندما اكتشف أبي هذا الأمر، لم يستطع تحمل الخيانة. لقد شعر بالاشمئزاز من كل شيء. في ذلك الوقت، كان على وشك الزواج من الأميرة ليلى، خطيبته الرسمية. ولكنه قرر أن يغير كل شيء. لقد قرر أن يختفي هو الآخر، ليبتعد عن كل هذا الفساد."
"يختفي؟" صرخت والدتها، "ولكن كيف؟"
"لقد تظاهر الملك فوزان بموته. لقد زيف موته، لكي يمنع أخاه من إحداث أي مشكلة. ولكن الحقيقة أن الأمير فهد هو الذي فعل ذلك. لقد تظاهر بالموت، ليأخذ مكانه، وليعيش بعيدًا عن كل هذا. لقد أصبح شخصًا آخر، يعيش حياة لا تشبه حياته السابقة."
"هذا مستحيل! أبي مات حقيقة!" قالت والدتها، وعيناها تتوهجان بالدموع.
"لا يا ابنتي، هذا ليس مستحيلاً"، قالت الجدة بحزم، "لقد عاش أبوك حياة مزدوجة، متخفيًا، متظاهرًا بأنه شخص آخر. ولكنه لم يستطع نسيان عائلته، ولم يستطع نسيان حب حياته."
"حب حياته؟" سألت سارة، تتذكر تلك اللحظات الرومانسية التي قضتها مع الأمير فهد، تلك النظرات العميقة، تلك الكلمات التي كانت تشعرها بالدفء.
"الأميرة ليلى، خطيبته الرسمية، كانت في الواقع تحبه حبًا حقيقيًا. ولم تتزوج أحدًا بعده. لقد انتظرت، وظلت تبحث عنه، وظلت تؤمن بأنه سيعود يومًا ما. ولكنها لم تعلم أبدًا، أنه كان يعيش بينها، ولكن بلقب مختلف."
"وكيف عرفتم كل هذا؟" سألت سارة، وهي تشعر بأن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب كل هذه المعلومات.
"لقد تركت لكِ والدتكِ، والدة الأمير فهد، رسالة، قبل أن تموت. رسالة مليئة بالأسرار، وبكل ما حدث. وقبل وفاته، أعطاني الأمير فهد، الذي كنت أعرف أنه يعيش بيننا، نفس الرسالة، وطلب مني أن أعطيها لكِ في الوقت المناسب."
مدت الجدة يدها نحو خزانة قديمة، وفتحت درجًا سريًا، وأخرجت منه صندوقًا خشبيًا مزخرفًا. فتحت الصندوق، وداخلها، وجدت رسالة قديمة، مختومة بختم العائلة.
"هذه الرسالة، يا سارة، تحمل كل الحقيقة. لقد عاش الأمير فهد، والدك، حياته كلها مختبئًا، يعيش في الظل. وعندما ظن أن الوقت مناسب، عاد. عاد ليحمي عائلته، وليحمي من يحب."
تسارعت دقات قلب سارة. والدها... عاد؟ هل يمكن أن يكون كل ما حدث خلال الفترة الماضية، كل تلك اللقاءات، كل تلك المشاعر، مجرد جزء من خطة أكبر؟
"ولكن، لماذا لم يخبرنا؟ لماذا اختار أن يعيش بيننا متخفيًا؟" سألت والدتها، ودموعها تنهمر بغزارة.
"لأن الخطر كان كبيرًا يا ابنتي. لقد كان هناك من يريد أن يستغل وضعه، ومن يريد أن يطيح بالعائلة المالكة. وقد قرر أن يتظاهر بأنه مات، لكي يتمكن من مراقبة الوضع، ولكي يتمكن من حماية من يحب."
"وهل نجح في ذلك؟" سألت سارة، شعور غريب يختلج في صدرها.
"لقد نجح في البداية. ولكن في النهاية، انكشف أمره. وقد حدث ما لا يمكن إصلاحه."
نظرت الجدة إلى سارة، وعيناها مليئتان بالأسف.
"لقد اضطر الأمير فهد، والدك، إلى اتخاذ قرار صعب جدًا. قرار سيغير حياتكم جميعًا، وللأبد."
جلست سارة، والدتها بجوارها، ووجهها شاحب. لم تعد قادرة على فهم أي شيء. كل ما كانت تظنه حقيقة، تبين أنه مجرد وهم. وكل ما كانت تظنه مستحيلاً، أصبح واقعًا.
"وما هو هذا القرار؟" سألت سارة، وصوتها مختنق.
"لقد قرر أن يعود إلى حياته القديمة، إلى دوره كأمير. ولكن ليس بالطريقة التي تتخيلينها."
نظرت الجدة إلى سارة، وبدأت تقول: "لقد اختار أن يتخلى عن حياته الجديدة، وعن كل ما بناه فيها، ليعود إلى دوره الشرعي. ولكنه لم يستطع فعل ذلك إلا بثمن باهظ."
"وما هو هذا الثمن؟" سألت والدتها، وقد علا صوتها بالبكاء.
"لقد اضطر، يا ابنتي، إلى الابتعاد عنكم، والعودة إلى حياته كأمير، متخليًا عن هويته التي عاش بها طوال هذه السنوات. لقد اضطر إلى الابتعاد عن ابنته، وعن زوجته، ليحميكم من الخطر الذي كان يلاحقه."
وقعت الكلمات على مسامع سارة كالصواعق. والدها... تخلى عنها؟ هل كان كل شيء مجرد تمثيلية؟ شعرت الأرض تدور بها، والواقع ينهار من حولها.
"وهذا يعني... أن الأمير فهد، الذي تعرفه، ليس والدك الحقيقي؟" سألت سارة، صوتها يرتعش.
"لا يا ابنتي. الأمير فهد الذي تعرفه، هو والدك الحقيقي. ولكنه عاش حياة مزدوجة. وقد اضطر إلى اختيار مصيره، واختيار دوره كأمير، متخليًا عن كل شيء آخر. وهذا يعني أن رحلته لم تنتهِ بعد."
نظرت سارة إلى الرسالة في يد جدتها. شعرت بأنها تحمل في طياتها سرًا كبيرًا، سرًا سيغير مجرى حياتها، وسيكشف لها أبعادًا لم تتخيلها أبدًا. لقد أدركت أن الأمير الغائب، لم يكن مجرد لقب، بل كان حقيقة، حقيقة عاشها والدها، وسيستمر في عيشها.
"وماذا عن الأمير فهد، الذي أحبه؟" سألت سارة، متذكرة تلك اللحظات الرومانسية، تلك الوعود، تلك النظرات. "هل كل هذا كان كذبًا؟"
"لا يا ابنتي. لم يكن كل شيء كذبًا. ولكن الأمور ليست دائمًا كما تبدو. لقد عاش الأمير فهد، والدك، تجربة فريدة من نوعها، تجربة لا يمر بها إلا الأقوياء. وقد تكون هذه التجربة هي التي جعلته الأمير الذي هو عليه اليوم."
نظرت الجدة إلى سارة، وعيناها تفيضان بالحزن والأمل في آن واحد. "الآن، يا ابنتي، لديكِ كل الحقائق. والآن، عليكِ أن تقرري ما هو الطريق الذي ستسلكينه."
ابتلعت سارة ريقها بصعوبة، وقلبها يعتصر ألمًا. لقد انكشفت أشباح الماضي، وبدأت تخيم على حاضرها، محذرة من عاصفة قادمة، عاصفة ستكشف ما وراء حجاب الكذب، وما وراء ستار الخيانة.