قلب الأمير الغائب

خيار صعب وقرارات مصيرية

بقلم مريم الحسن

امتلأت غرفة الجدة برائحة التاريخ، رائحة الكتب القديمة، ورائحة الأسرار العائلية التي ظلت مدفونة لسنوات طويلة. كانت سارة تحدق في الرسالة التي بين يدي جدتها، وكأنها تحتوي على مفاتيح العالم كله. والدها، الأمير فهد، ليس مجرد أمير، بل هو رجل عاش حياة مزدوجة، رجل اضطر إلى التخلي عن هويته، عن حبه، وعن عائلته، ليعود إلى دوره كأمير.

"ولكن... كيف يمكن أن يكون كل هذا ممكنًا؟" سألت والدة سارة، صوتها لا يزال يرتعش، وهي تحاول استيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات. "والدي... كان دائمًا رجلاً طيبًا، رحيمًا. لم أتخيل يومًا أنه يمكن أن يكون متورطًا في أي شيء من هذا القبيل."

"الحياة يا ابنتي، مليئة بالمفاجآت، ومليئة بالمسؤوليات الثقيلة التي قد تجعل أطيب الناس يتخذون قرارات صعبة"، قالت الجدة، وهي تنظر إلى حفيدتها بنظرة تحمل الكثير من الحكمة، "لقد عاش الأمير فهد، جدك، تحت ضغط لا يحتمله بشر. وكانت خياراته محدودة جدًا."

"ولكن لماذا لم يحاول أحد منكم أن يغير هذا المصير؟" سألت سارة، وشعور بالضياع يغمرها.

"لقد حاولنا يا ابنتي"، أجابت الجدة بحزن، "ولكن في بعض الأحيان، تكون القوى التي تواجهنا أكبر منا بكثير. لقد حاول الأمير فهد، والدك، أن يقاوم، وأن يكشف الحقيقة. ولكنه اضطر في النهاية إلى الاستسلام، ليس خوفًا، بل حبًا لعائلته، ورغبة في حمايتهم."

"ولكن، إذا كان هذا هو الحال، فلماذا عاد الأمير فهد، الذي نعرفه، إلى حياتنا؟" سألت والدة سارة، وعيناها تعكسان الألم. "لماذا اختار أن يقترب منا، إذا كان مضطرًا للابتعاد؟"

"لقد كانت هناك أسباب قوية يا ابنتي"، قالت الجدة، "لقد شعر بأن الخطر قد عاد، وأن عائلته في خطر. وقرر أن يعود، ليس بصفته أميرًا، بل بصفته أبًا، وصفته زوجًا، ليحمي من يحب. وقد اختار أن يعيش بيننا، متخفيًا، لكي يتمكن من مراقبة الوضع، ولكي يتمكن من التصرف في الوقت المناسب."

"ولكن، إذا كان كل هذا صحيحًا، فلماذا اضطر إلى الابتعاد مرة أخرى؟" سألت سارة، وهي تتذكر تلك اللحظات المؤلمة، تلك النظرات التي كانت تعكس حبًا عميقًا، ثم تلك الكلمات التي مزقت قلبها.

"لقد انكشف أمره يا ابنتي"، قالت الجدة، وعيناها تلمعان بالأسف، "لقد كان هناك من يعرف حقيقته، ومن يريد استغلاله. ولذلك، اضطر إلى اتخاذ قرار صعب جدًا، قرار كان بمثابة تضحية كبيرة."

"وما هو هذا القرار؟" سألت سارة، قلبها يخفق بقوة، تتوقع ما هو أسوأ.

"لقد اختار أن يعود إلى حياته الأولى، حياة الأمير. ولكن هذه المرة، بدون أي تظاهر، وبدون أي خداع. لقد اختار أن يتخلى عن حياته الجديدة، وعن كل ما بناه فيها، ليعود إلى دوره الشرعي، ليكون الأمير فهد، ابن الملك فوزان، الوريث الشرعي للعرش."

"وهل هذا يعني... أنه لن يعود أبدًا؟" سألت والدة سارة، وقد بدأت الدموع تنهمر على خديها.

"هذا يعني أنه لن يعود بالطريقة التي كنتم تتوقعونها يا ابنتي. لقد اختار مسارًا مختلفًا، مسارًا يتطلب منه الكثير من التضحيات. ولكن هذا لا يعني أنه نساكم. بل على العكس، لقد كان اختياره هذا، حبًا لكم، ورغبة في حمايتكم من المخاطر التي كانت تحيط بكم."

نظرت الجدة إلى سارة، وقالت: "الرسالة التي بين يدي، هي رسالة من والدتك، والدة الأمير فهد، كتبتها قبل وفاتها، وأعطتها لي. وفيها، طلبت مني أن أساعدك، وأن أريكِ الحقيقة عندما يحين الوقت المناسب. كما أن الأمير فهد نفسه، قبل أن يرحل، أعطاني رسالة أخرى، يطلب فيها مني أن أحميكم، وأن أوضح لكم كل شيء."

فتحت الجدة الصندوق الخشبي، وأخرجت منه رسالتين، واحدة قديمة، مختومة بختم نسائي، والأخرى حديثة، وعليها نفس الختم الملكي.

"هذه الرسالة الأولى، هي من والدتك. فيها، تتحدث عن حبها الكبير للأمير فهد، وعن أملها في أن يعود يومًا ما. وتتحدث أيضًا عن مخاوفها، وعن الخطر الذي كان يلاحقكم. وهذه الرسالة الثانية، هي من الأمير فهد نفسه. فيها، يشرح فيها أسباب قراراته، ويطلب منكِ، يا سارة، أن تفهميه، وأن تسامحيه. ويطلب منكِ أيضًا أن تعيشي حياة سعيدة، وأن تكوني قوية، وأن تحملي اسم العائلة بفخر."

ناولتا الجدة الرسالتين لسارة، ووالدتها. بدأت سارة تقرأ الرسالة الأولى، كلمات والدتها كانت تلامس قلبها، تصف حبًا عظيمًا، وحزنًا لا ينتهي. كلمات والدتها كانت مليئة بالأمل، وبالدعاء لها، ولعائلتها.

ثم بدأت تقرأ الرسالة الثانية، رسالة والدها. كانت كلماته قاسية، ولكنها مليئة بالحب، وبالندم. كان يشرح فيها كل ما مر به، وكل ما اضطر إلى فعله. كان يطلب منها أن تفهمه، وأن تعلم أن قراراته لم تكن سهلة، وأنها كانت من أجل حمايتها.

"لقد كنت دائمًا أحلم بأن أعيش حياة بسيطة، حياة طبيعية، معكِ ومع والدتك. ولكني ولدت في عالم مليء بالمسؤوليات، عالم لا يرحم"، قرأت سارة بصوت مرتجف، "لقد اضطررت إلى الاختيار بين أمرين، بين عائلتي، وبين مصيري كأمير. واخترت ما ظننت أنه الأفضل، ولكنني أدركت الآن أنني أخطأت."

"لقد ارتكبت أخطاء، يا ابنتي، ولكن كل هذه الأخطاء كانت من أجل حبكم. لقد اضطررت إلى الابتعاد، لكي أبعد الخطر عنكم. لقد اضطررت إلى أن أكون أميرًا، لكي أحميكم. وأنا أطلب منكِ، يا سارة، أن تسامحيني على كل الألم الذي سببته لكِ. وأن تعلمي أنني أحبكِ، وأحب والدتكِ، أكثر من أي شيء في هذا العالم."

بعد أن انتهت سارة من القراءة، رفعت عينيها إلى جدتها، ورأت فيها حزنًا عميقًا، ولكن أيضًا أملًا كبيرًا.

"لقد وضعتكِ، يا سارة، أمام خيار صعب"، قالت الجدة، "الآن، لديكِ كل المعلومات، ولكِ حرية الاختيار. هل تريدين أن تتبعي طريق والدك، أم أنكِ تريدين أن تخلقي طريقك الخاص؟"

نظرت سارة إلى والدتها، التي كانت تبكي بصمت. ثم نظرت إلى الرسائل، وإلى الصندوق الخشبي. شعرت بثقل المسؤولية، وبقوة التاريخ.

"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول"، قالت سارة بصوت ضعيف، "لقد تدمر كل شيء ظنت أنها حقيقة. كل شيء يتغير. ولكن هناك شيء واحد مؤكد. أنا أحب والدي، مهما فعل، ومهما كانت الأسباب."

"والحب يا ابنتي، هو الذي يدفعنا لاتخاذ أصعب القرارات"، قالت الجدة، "ولكن الحب أيضًا، هو الذي يعطينا القوة للاستمرار. عليكِ الآن أن تقرري، ماذا تريدين أن تفعلي بمستقبلك. هل تريدين أن تلاحقي أشباح الماضي، أم أنكِ تريدين أن تبني مستقبلًا جديدًا؟"

"لقد كان كل هذا، مجرد بداية"، قالت الجدة، وعيناها تنظران بعيدًا، "لقد انكشفت الأسرار، وبدأت المعركة الحقيقية. وعليكِ الآن، أن تقرري، أي طرف ستكونين فيه."

شعرت سارة بأنها في مفترق طرق، أمامها طريقان، طريق مليء بالألم والذكريات، وطريق آخر مليء بالمجهول، ولكنه قد يكون طريقًا للأمل. كان قلبها يعتصر، يتألم لما حدث، ولكنه أيضًا، كان يشعر بقوة غريبة، قوة تدفعها للتحرك، للبحث عن الحقيقة، وللحصول على العدالة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%