قلب الأمير الغائب

أغواء الحنين

بقلم مريم الحسن

كان الليل يرخي سدوله على قصر "الرحمة"، لكن الظلام لم يجد سبيلاً إلى قلب الأميرة "ليلى". كانت تجلس في شرفتها المطلة على الحدائق الغناء، تتأمل هلالاً خجولاً يصارع غيمة عابرة. في يدها كتاب قديم، لكن عيناها لم ترسم فيه حرفاً، بل كانت تائهة في أثير الذكريات. كان شبح الأمير "يوسف" لا يزال يخيم على أرجاء قصرها، لا كطيف مزعج، بل كصدى لحن جميل توقف فجأة.

مرت أشهر على غيابه، أشهر بدت لها كسنوات. كانت الأنباء شحيحة، لا تعدو كونها كلمات مقتضبة من رسائل والدته، الحاجة "آمنة"، التي كانت تحرص على طمأنتها بشأن صحته، دون أن تمنحها سبباً واضحاً لغيابه الطويل. في كل رسالة، كانت "آمنة" تلمح إلى "مشاغل عظيمة" و"مسؤوليات خطيرة" تثقل كاهل ابنها، دون أن تفصح عن كنهها. هذا الغموض كان يغذّي قلق "ليلى" ويشعل فتيل الشكوك في صدرها. هل حقاً أن "يوسف" انشغل بأمور دولته؟ أم أن هناك أمراً أعمق، سراً يواريه عن عينيها؟

كانت "ليلى" فتاة شديدة التدين، تربت على قيم العفة والطهارة، وتؤمن بأن الحب الحلال هو أسمى معاني الارتباط. لم تكن تتطلع إلى علاقة عابرة، بل إلى بيت دافئ، وأسرة سعيدة، وزوج صالح يعينها على طاعة الله. وقد وجدت كل ذلك في الأمير "يوسف" منذ اللقاء الأول. كانت جاذبيته تتجاوز وسامته، لتصل إلى نقاء روحه، وحكمته التي فاقت سنه، ولطفه الذي كان يغمر من حوله. لقد رأت فيه شريك حياتها، وسندها، وسفير أحلامها.

لكن غياب "يوسف" المتواصل بدأ يلقي بظلاله على هذه الآمال. بدأت بعض الأقاويل تتسرب إلى قصر "الرحمة"، همسات لم تصل إلى مسامع والدته، لكنها مزقت قلب "ليلى". سمعت عن حياة الأمير "يوسف" الصاخبة في العاصمة، عن مجالس اللهو التي يرتادها، وعن فتيات جميلات يلتففن حوله. كانت هذه الأقاويل كسهام مسمومة، تخترق دفاعاتها الهشة.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت "ليلى" في مكتبة القصر تبحث عن كتاب قديم عن التاريخ، وقعت عيناها على إطار صورة مهمل. التقطته بفضول، لتجد صورة للأمير "يوسف" وهو شاب، يرتدي ثياباً ملونة، ويضحك مع مجموعة من الشبان والفتيات في ما بدا أنه حفل صاخب. كانت تلك الفتيات متشابهات في زيهن، وكان بعضهن يقتربن من "يوسف" بشكل يوحي بالقرب. اختفت الابتسامة عن وجه "ليلى"، وحل محلها شعور بالضيق والمرارة. هل هذه هي الحقيقة التي يحاول الجميع إخفاءها عنها؟ هل كان "يوسف" مجرد أمير مرح، يتلاعب بقلوب الفتيات، ثم يغيب عندما تسنح له الفرصة؟

في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" بأن حملاً ثقيلاً قد أضيف إلى قلبها. لم تكن الغيرة وحدها هي التي تعتصرها، بل خيبة الأمل العميقة، والشعور بالخداع. تساءلت في سرها: هل كانت ترى فيه ما ليس فيه؟ هل كانت أحلامها وردية أكثر من اللازم؟

جاءتها الخادمة "فاطمة"، التي كانت تعمل معها منذ صغرها، تحمل صينية شاي الأعشاب. نظرت "فاطمة" إلى وجه "ليلى" الشاحب، وقالت بصوت حنون: "يا مولاي، أرى القلق يستوطن عينيك. هل من أمرٍ يؤلمك؟"

تنهدت "ليلى"، وأزاحت الصورة جانباً، وقالت بصوت مرتجف: "يا فاطمة، هل سمعتِ شيئاً عن أخبار الأمير يوسف؟ أخبار حقيقية، لا تلك التي نرددها لتطمئن قلوبنا."

ترددت "فاطمة" قليلاً، ثم قالت بحذر: "يا مولاي، الأقاويل كثيرة، ولا يعلم إلا الله صدقها. لكن الشائعات تصلنا، وأنا لا أستطيع أن أخفي عنك أن هناك كلاماً عن سهرات يرتادها الأمير في العاصمة، وعن صحبة لا تليق بأمثاله."

كلمات "فاطمة" كانت بمثابة تأكيد لما كانت تخشاه "ليلى". غمرتها موجة من الحزن، لكنها حاولت أن تتماسك. تذكرت تعاليم دينها، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصبر عند البلاء.

"شكراً لك يا فاطمة"، قالت "ليلى" ببرود ظاهري، وهي تعود إلى جلستها. "لكن قلبي يرفض تصديق كل ما يقال. الأمير يوسف رجل صالح، تربى على الأخلاق الكريمة."

شعرت "ليلى" بالوحدة الشديدة. لم تستطع أن تشارك والدتها قلقها، فالحاجة "آمنة" كانت تدافع عن ابنها بشراسة، وتعتبر أي تشكيك فيه إساءة بالغة. أما أخوها، الأمير "سالم"، فكان مشغولاً بأمور إمارته، ونادراً ما كان يزورها.

في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" أن تنام. كانت صورة الأمير "يوسف" في ثيابه الملونة تطاردها. تساءلت: هل كان ما رأته في تلك الصورة مجرد لحظة عابرة، أم أن هذا هو وجهه الحقيقي الذي لم تره؟ هل كان قلبها قد اختار الخطأ؟ هل كان هذا الحب، الذي اعتقدت أنه أسمى معاني الارتباط، مجرد سراب؟

ارتدت "ليلى" عباءتها، وخرجت إلى حديقة القصر. كان القمر قد ظهر بكامله، مغسلاً المكان بنوره الفضي. جلست تحت شجرة ياسمين، تتنفس عبيرها. رفعت يديها إلى السماء، وقالت بصوت هامس: "يا رب، يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك. إن كان فيه خير لي، فيسره لي، وإن كان فيه شر، فاصرفه عني. طهر قلبي من الشكوك، وقوّمني على الحق."

كانت حاجتها للحقيقة ماسة، لكنها كانت تخشى العثور عليها. كانت تخشى أن يؤدي بها البحث عن الحقيقة إلى فقدان كل شيء. لكنها لم تكن لتستطيع العيش في وهم. كانت رغبتها في معرفة مصير علاقتها بالأمير "يوسف" أقوى من خوفها.

في غضون ذلك، كانت الأميرة "نورة"، ابنة عم "ليلى"، تراقبها عن بعد. كانت "نورة" تشعر بالحقد الدفين تجاه "ليلى"، وغيرة واضحة على مكانتها. كانت تتمنى أن ترى "ليلى" تتعثر، لتتسنى لها الفرصة للظهور في حياتها. كانت "نورة" قد سمعت هي الأخرى ببعض الشائعات عن الأمير "يوسف"، لكنها لم تكن لتفوت الفرصة لاستغلالها.

في اليوم التالي، زارت "نورة" قصر "الرحمة" بابتسامة مصطنعة. جلست مع "ليلى"، وأبدت قلقها الظاهري على غياب الأمير "يوسف". "يا ابنة عمي"، قالت "نورة" بصوت رقيق، "لقد سمعت أخباراً ليست بالجيدة عن الأمير يوسف. أخشى أن يكون قد انغمس في ملذات العاصمة."

ارتعش قلب "ليلى" عند سماع ذلك، لكنها حافظت على هدوئها. "ما الأخبار التي سمعتها يا نورة؟" سألت بصوت ثابت.

ابتسمت "نورة" ابتسامة خبيثة، ثم بدأت تسرد لـ "ليلى" قصصاً مبالغاً فيها عن الأمير "يوسف" وحفلاته، وعن فتيات يشاركنه المجالس. كانت "نورة" لا تجامل، بل كانت تقصد إشعال فتيل الشك والغيرة في قلب "ليلى"، حتى تدفعها إلى اتخاذ قرارات متسرعة، قد تكون في صالح "نورة" نفسها.

ازداد قلق "ليلى" وازداد اضطرابها. كانت كلمات "نورة" تزيد من حيرتها، وتجعلها تشك في كل شيء. لكن في أعماقها، كانت لا تزال تتمسك بخيط رفيع من الأمل، بخيط يربطها بصورة الأمير "يوسف" الذي عرفته، والذي آمنت فيه. لكن الحنين إلى "يوسف" لم يعد هو الدافع الوحيد، بل أصبح ممزوجاً بشيء أشد قتامة: الخوف، والشك، والحاجة الملحة للحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%