قلب الأمير الغائب
مرارة الحقيقة
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تتوالى على قصر "الرحمة"، وكل يوم يحمل معه طبقة جديدة من القلق لعائلة الأميرة "ليلى". لم يعد غياب الأمير "يوسف" مجرد تأخير، بل أصبح فترة طويلة أثارت تساؤلات جدية. الحاجة "آمنة"، والدة "يوسف"، كانت ترسل رسائل متكررة، تذكر فيها انشغال ابنها بـ "مؤامرات خطيرة" تحاك ضده، وتدعوها إلى التحلي بالصبر. لكن هذه الرسائل، التي كانت في بدايتها تبث الاطمئنان، أصبحت الآن تزيد من وطأة الحيرة.
كانت "ليلى" تراقب والدتها، الحاجة "آمنة"، بأسى. كانت ترى وجهها شاحباً، وعيناها تحملان ثقلاً لا يوصف. كانت "آمنة" تحاول جاهدة أن تخفي عن ابنة أخيها حقيقة ما يجري، لكن "ليلى" كانت تلمح في نظراتها اليأس، وفي تنهداتها قلقاً لا تخطئه عين.
في أحد الأيام، زارت "ليلى" والدتها في جناحها. وجدتها جالسة وحدها، تحمل رسالة قديمة من "يوسف"، تقبلها بحزن. "يا عمة"، قالت "ليلى" بصوت ناعم، "أتسمحين لي بأن أرى رسائل الأمير يوسف؟ لعلها تحمل بعض الأخبار التي قد تطمئن قلوبنا."
نظرت الحاجة "آمنة" إلى "ليلى"، وارتسمت على وجهها نظرة امتنان وحزن في آن واحد. "يا ابنتي، لست أخفي عليك شيئاً، لكنني أخشى أن تصدمك بعض الحقائق. يوسف، يا ابنتي، ليس كما قد تتصورينه. لقد كان دائماً ضعيفاً أمام إغراءات الدنيا."
كانت كلمات والدتها كالصاعقة. "ضعيفاً؟" ردت "ليلى" بصوت خافت، "كيف ذلك يا عمة؟"
"يوسف، للأسف"، قالت الحاجة "آمنة"، ودموعها بدأت تنساب على خديها، "لم يكن دائماً على قدر المسؤولية. لقد كان شاباً مندفعاً، سريع التأثر بمن حوله. في شبابه، انغمس في صحبة ساءت أخلاقه، واقترف أخطاءً لا تغتفر. لقد حاولت جاهدة أن أهديه إلى الطريق الصحيح، لكنه كان يميل أحياناً إلى لهو الدنيا."
شعرت "ليلى" بأن الأرض تميد بها. كانت تتذكر الصورة التي وجدتها في المكتبة، صورة الأمير "يوسف" في ثيابه الملونة، يضحك مع فتيات. هل كانت تلك مجرد لمحة من ماضٍ أليم؟
"ولكنه تاب، أليس كذلك يا عمة؟" سألت "ليلى" بصوت مرتعش، متمسكة بخيط أمل أخير.
"نعم، لقد تاب، وهذا ما كان يريحني"، أجابت الحاجة "آمنة"، "لكنه، يا ابنتي، لم يقطع صلته بكل ماضيه. لقد عاد إلى العاصمة، وقد استغل أعداؤه هذه الفترة ليحيطوه بمن يريدون. هناك من يسعى إلى إغوائه، ومن يستغله لمصالحه."
ازدادت حيرة "ليلى" قلقاً. لم تعد تعرف ما تصدق. هل كان "يوسف" شاباً ضالاً؟ أم أنه ضحية مؤامرات؟ أم أنه كلاهما؟
في تلك الفترة، كانت الأميرة "نورة" تواصل ضغوطها. كانت تزور "ليلى" بانتظام، حاملة معها أحدث الشائعات، والتي كانت جميعها تصب في مصلحة تشويه صورة "يوسف". كانت "نورة" تتقن فن الكلام المعسول، وتتظاهر بالنصح، بينما تسقي "ليلى" سم الشكوك.
"يا ليلى"، قالت "نورة" في إحدى زياراتها، "لقد سمعت أن الأمير يوسف يقضي معظم وقته في قصور العاصمة، مع صحبة لا تليق به. حتى أن هناك من يقول إنه قد عاد إلى عاداته القديمة."
كانت "ليلى" تشعر وكأنها تحترق من الداخل. كانت تكره سماع هذه الأخبار، لكنها لم تكن تستطيع أن تتجاهلها. كانت ترغب في رؤية "يوسف" بنفسها، وسماع كلماته، والتأكد من حقيقة مشاعره.
قررت "ليلى" في النهاية أنها لا تستطيع البقاء هكذا. يجب أن تتحرك. تحدثت مع أخيها، الأمير "سالم"، الذي كان في زيارة مؤقتة لقصر "الرحمة". "يا أخي"، قالت "ليلى"، "لقد طال غياب الأمير يوسف، والأقاويل تزداد. أخشى أن يكون قد وقع في ورطة. هل يمكن أن تأخذني معك إلى العاصمة؟ أريد أن أطمئن عليه بنفسي."
نظر إليها "سالم" بقلق. "يا ليلى، إن الذهاب إلى العاصمة في هذه الظروف قد يكون خطيراً. كما أن الأمير يوسف قد يفضل أن تبقى الأمور على حالها."
"لكن يا أخي"، أصرت "ليلى"، "كيف لي أن أبقى هكذا؟ قلبي محترق. أريد أن أرى بعيني، وأسمع بأذني. إن لم أفعل، فقد أغرق في بحر من الشكوك."
بعد تفكير، وافق "سالم" على طلبها، لكنه وضع شرطاً: أن تكون الزيارة سرية، وأن يبقيا فيها لأقل فترة ممكنة.
وصلت "ليلى" إلى العاصمة، وهي تشعر بمزيج من الخوف والترقب. كانت المدينة صاخبة، مليئة بالحياة، لكنها كانت تشعر وكأنها تعيش في عالم آخر. تم اصطحابها إلى قصر فاخر، حيث تلقت ضيافة باردة من والدة "يوسف"، الحاجة "آمنة"، التي كانت تبدو متوترة للغاية.
في اليوم التالي، اصطحبها "سالم" إلى قصر "الديوان" حيث يعمل الأمير "يوسف". دخلت "ليلى" وهي تحمل في قلبها كل الأمل الممكن، وكل الخوف الموجود. وعندما رأت "يوسف"، لم تستطع أن تصدق عينيها.
كان "يوسف" جالساً في مجلس، يحيط به عدد من الرجال والنساء. كان يتحدث بلهجة مرحة، ويضحك بصوت عالٍ. كان يرتدي ثياباً زاهية، ويضع على رأسه عمامة ملونة. وكانت هناك فتاة شابة، ذات شعر أسود طويل، تجلس بجانبه، وتتحدث إليه في همس.
صُدمت "ليلى". لم يكن هذا هو "يوسف" الذي عرفته، والذي أحبته. لم يكن هذا هو الأمير الذي بدا عليها الورع والتقوى. اختفت ابتسامتها، وحل محلها ذعر شديد.
لمعت عينا "يوسف" فجأة، وكأنه رأى شيئاً لم يكن يتوقعه. توقف عن الكلام، وحدق في "ليلى" بصدمة. كانت نظراته تحمل خليطاً من المفاجأة، والخجل، وربما الندم.
"ليلى؟" قالها بصوت مرتجف.
لكن "ليلى" لم تستطع أن ترد. كانت تشعر بأنها قد سقطت من قمة إلى قاع. نظرت إلى "يوسف" نظرة حزينة، ثم استدارت وانصرفت مسرعة، تاركة وراءها صمتاً ثقيلاً.
كانت تلك اللحظة لحظة الحقيقة المريرة. لقد تأكدت "ليلى" بنفسها. لقد رأت "يوسف" على حقيقته، أو على الأقل، على حقيقته في هذه اللحظة. لقد تكسرت أحلامها، وتحطمت آمالها.
في طريق عودتها إلى قصر "الرحمة"، كانت "ليلى" صامتة. الدموع كانت تنهمر على خديها بصمت. كانت تشعر بأن قلبها قد انكسر. لقد اكتشفت الحقيقة، وكانت الحقيقة مؤلمة كالنار. لكنها كانت تعلم في نفس الوقت أن هذه الحقيقة، مهما كانت مرة، هي بداية جديدة. بداية رحلة أشد قسوة، لكنها رحلة نحو الشفاء، ونحو بناء مستقبل خالٍ من الأوهام.