حب بلا حدود الجزء الثالث
همسات الشك وصبر العرين
بقلم سارة العمري
كانت نسمات الربيع الأولى تحمل معها عبق الياسمين والعود، لكنها لم تستطع أن تخترق جدار الصقيع الذي بدأ يتسلل إلى قلب سارة. لقد مرت أسابيع منذ أن أصبحت خطيبة المهندس الشاب الخلوق، أحمد، ولكن شيئًا ما كان يعكر صفو روحها الهادئة. لم يكن حبها لأحمد ناقصًا، بل كان متجذرًا كشجرة الأراك في تربة الإيمان، ولكنه كان شعورًا غامضًا، كطيف باهت يلوح في الأفق، يوشوش لها بكلمات غير مفهومة.
كانت اللقاءات بينهما، رغم بركتها وحلالها، تثير في نفسها تساؤلات لم تجرؤ على البوح بها. أحمد، بكل ما فيه من كمال، كان كمرآة صافية تعكس صورة مثالية، لكن سارة، في عمقها، كانت تشعر بأن هناك جوانب مظلمة في ذواتنا، زوايا مخفية لا يبديها إلا الزمن واختبار الأيام. كانت جدتها، الحاجة أمينة، قد حذرتها بأسلوبها الحكيم: "يا بنيتي، الحب الحقيقي لا يكتمل إلا بالصبر، واختبار القلوب هو ما يصقل المعادن النفيسة. لا تستعجلي الأمور، ولا تنخدعي بالمظاهر الخلابة فقط."
اليوم، بينما كانت سارة تساعد والدتها في إعداد مائدة العشاء، لم تستطع منع نفسها من استعادة حوار دار بينها وبين أحمد قبل أيام. كانا يتحدثان عن خطط مستقبلهما، عن بيت الزوجية الذي سيشرعان في بنائه، وعن الأبناء الذين سيملؤون حياتهما بالبهجة. قال لها أحمد بنبرة واثقة، فيها شيء من التحدي: "لا تقلقي يا سارة، سأحرص على أن تكون حياتنا بعيدة عن أي تعقيدات. كل شيء سيكون منظمًا، مرتبًا، وخاليًا من المفاجآت غير السارة."
كانت كلماته، على الرغم من حسن نيتها، قد تركت في نفسها أثرًا من عدم الارتياح. هل يعني ذلك أن أحمد لا يملك مرونة كافية للتعامل مع تقلبات الحياة؟ هل يخشى أن يكشف عن جوانب قد لا تعجبها؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
في هذه الأثناء، كان أحمد يعيش لحظات من التفكير العميق في مكتبه، حيث كانت تتناثر الأوراق والمخططات الهندسية. كان يشعر بالامتنان الشديد لله الذي رزقه بفتاة مثل سارة، بفتاة تجمع بين الجمال والخلق والدين. ولكن، كان هناك عبء ثقيل يثقل كاهله، عبء لم يستطع البوح به حتى لأقرب الناس إليه.
كانت هناك مشكلة في عمله، مشكلة تتعلق بمشروع كبير كان يتولاه، مشروع يمكن أن يغير مساره المهني وحياته للأفضل، ولكنه كان يواجه صعوبات تقنية وقانونية معقدة. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك شخص في محيط العمل، زميل قديم، كان يحمل له بعض الضغينة، وكان يسعى بشكل ما لإعاقة تقدمه. لم يكن أحمد يريد أن يحمل سارة هذا الهم، خصوصًا في بداية علاقتهما. أراد أن تراه دائمًا في أبهى صورة، المهندس الناجح، الواثق من نفسه.
كانت والدة أحمد، السيدة فاطمة، امرأة حكيمة وقوية، تراقب ابنها بعين الأم القلقة. لاحظت عليه بعض الشرود والتعب المتزايد. في مساء أحد الأيام، جلست بجانبه في الحديقة، وهما يستمتعان بنسيم المساء العليل. قالت له بلطف: "يا بني، أرى في عينيك ما يثقل كاهلك. هل هناك ما تخفيه؟ تذكر، أن مشاركة الهموم تخفف أعباءها."
نظر إليها أحمد بامتنان، وشعر بأن صدره قد اتسع قليلاً. لم يستطع كتمان الأمر أكثر من ذلك. بدأ يروي لوالدته عن الصعوبات التي يواجهها في مشروع "واحة الأمل"، وعن الضغوط التي يتعرض لها. قالت له السيدة فاطمة: "يا بني، الحياة ليست دائمًا سهلة، والمحن هي التي تظهر معادن الرجال. لا تدع الشيطان يوسوس لك باليأس، استعن بالله، وأشرك من تثق بهم. وربما، حان الوقت لتتحدث مع خطيبتك، سارة. إنها فتاة عاقلة، وقد تجد في تفكيرها ما يفتح لك أبوابًا جديدة."
شعر أحمد ببعض التردد، فالشكل الذي يريده لعلاقته بسارة لم يكن يشمل مشاركة المشاكل. لكن كلمات والدته لامست وترًا حساسًا. ربما كانت على حق. ربما كان التستر على جوانب من حياته يقف حاجزًا بينه وبين سارة، حاجزًا غير مرئي ولكنه حقيقي.
في هذه الأثناء، كانت سارة قد قررت أن تتجاوز قلقها الداخلي. إنها تؤمن بأن أساس العلاقة الزوجية هو الصدق والمصارحة. قررت أن تتحدث مع والدها، الرجل الذي يمثل لها نموذج الأمان والحكمة. جلست معه في مكتبته الهادئة، تفوح منها رائحة الكتب القديمة والورق.
"أبي"، بدأت سارة بصوت هادئ، "أنا سعيدة بخطبتي من أحمد، ولكني أشعر ببعض القلق الداخلي، شيء لا أستطيع تفسيره." نظر إليها والدها بعينين هادئتين، وقال: "قل لي يا ابنتي، ما الذي يقلقك؟" روت سارة لوالدها عن شعورها بعدم الارتياح، وعن رغبتها في أن يكون أحمد أكثر انفتاحًا عليها، حتى في أموره العملية.
قال والدها: "يا سارة، كل إنسان له منطقه في التعامل مع الأمور. قد يكون أحمد يخشى أن تثقل همومه على قلبك، أو قد يكون لديه تصور معين للعلاقة يراه الأفضل. ولكن، تذكري أن القلوب تتآلف بالصدق، وأن الشراكة الحقيقية تعني تقاسم الأفراح والأحزان. استمري في الدعاء، واستريقي حكمة الله في أقدارك. قد يكون ما تشعرين به هو إشارة من الله لتتأكدوا من أنكما على استعداد تام لمواجهة الحياة معًا."
خرجت سارة من مكتب والدها وقد شعرت براحة نفسية أكبر. لقد أدركت أن كل ما تشعر به هو جزء من رحلة اكتشاف الذات والآخر، رحلة لا تخلو من تحديات، ولكنها رحلة تستحق الصبر والإيمان. في قلبها، كانت تتمنى أن تسنح لها الفرصة للحديث مع أحمد، ليس لإظهار أي شكوك، بل للتعبير عن رغبتها في بناء علاقة قوية ومتينة، علاقة تحتضن كل جوانب حياتهما، بكل ما فيها من نجاحات وتحديات.
عندما حل الليل، وانزلت سارة وأحمد في أرجاء عائلتيهما، لم يكن أي منهما يعلم أن القدر يخبئ لهما لقاءً قريبًا، لقاءً سيضع حجر الزاوية في بناء جسر من الثقة والتفاهم، جسر سيساعدهما على تجاوز همسات الشك وصعوبات الحياة، ليصبحا أكثر قوة وصلابة، كعرين لا يخشى عوادي الزمن.