حب بلا حدود الجزء الثالث
همسات الماضي وتحديات الحاضر
بقلم سارة العمري
لمْ تغبْ لمعةُ الشوقِ عنْ عيني عبد الرحمنِ وهوَ يرى نورَ تبتسمُ لهُ في ذلكَ اللقاءِ. كانتْ ابتسامتها كبلسمٍ يداوي جراحَ يومٍ طويلٍ، وتدفئُ قلباً يفيضُ بالمشاعرِ. تبادلا الأحاديثَ بصوتٍ خفيضٍ، كلُّ كلمةٍ تحملُ وزناً منَ الحنينِ، وكلُّ نظرةٍ تحملُ وعداً بحياةٍ مشتركةٍ. كانا يتحدثانِ عنْ تفاصيلَ صغيرةٍ، عنْ ألوانِ ستائرَ منزلِهما المستقبليِّ، عنْ نوعِ الأكوابِ التي سيشربانِ منها قهوتهما الصباحيةِ. هذهِ التفاصيلُ، التي قدْ تبدو هامشيةً للبعضِ، كانتْ بالنسبةِ لهما حجارةَ بناءٍ تبني صرحَ أحلامهما.
"يا نور،" قالَ عبد الرحمنُ وعيناهُ تلمعانِ برقةٍ، "كلما رأيتكِ، ازدادَ إيماني بأنَّ اللهَ قدْ رزقني أفضلَ ما في الدنيا. أنتِ لستِ فقط امرأةً جميلةً، بلْ أنتِ روحٌ طاهرةٌ، وقلبٌ نقيٌّ. سأبذلُ قصارى جهدي لأجعلكِ أسعدَ امرأةٍ على وجهِ الأرضِ."
ابتسمتْ نورُ بخجلٍ، وارتعشتْ شفتاها وهيَ تقولُ: "يا عبد الرحمن، أنتَ أيضاً. إنَّ وجودكَ في حياتي هوَ أكبرُ نعمةٍ. أدعو اللهَ أنْ يُديمَ علينا هذهِ الأيامَ، وأنْ يبارك لنا في طريقنا."
كانتْ كلماتهما تتشابكُ كخيوطِ ذهبٍ، تنسجُ لوحةً منَ الحبِّ الطاهرِ. ولكنَّ ما لمْ يكنْ يعلمهُ عبد الرحمنُ، هوَ أنَّ خيوطَ هذا الحبِّ بدأتْ تتعرضُ لبعضِ الشدِّ منْ أطرافٍ أخرى.
في منزلِ خالتها، كانتْ سارةُ تزدادُ تصميماً. لمْ تعدْ مجردَ فتاةٍ تحلمُ بالزواجِ، بلْ أصبحتْ امرأةً تسعى لتحقيقِ هدفٍ واضحٍ، حتى لوْ كانَ ذلكَ يعني تحديَ والدها. أخذتْ تبحثُ عنْ معلوماتٍ عنْ عبد الرحمن، عنْ عملهِ، عنْ علاقاتهِ. كانتْ تظنُّ أنَّها إذا وجدتْ أيَّ نقطةِ ضعفٍ، يمكنُها استغلالها.
"يا أمي،" قالتْ سارةُ ذاتَ يومٍ، وقدْ استقرتْ عيناها على ورقةٍ رسمتْ عليها بعضُ الأرقامِ، "لقدْ علمتُ أنَّ الشركةَ التي يعملُ فيها عبد الرحمنُ تواجهُ بعضَ الصعوباتِ الماديةِ. أليستْ هذهِ فرصةً لنا لإقناعِ أبي بأنَّهُ غيرُ مناسبٍ؟"
تنهدتْ السيدةُ فاطمةُ، وقالتْ بصوتٍ حزينٍ: "يا ابنتي، لا أدري ما أقولُ لكِ. والدكِ ليسَ بالرجلِ الذي يخشى المتاعبَ، ولكنَّه أيضاً يخشى عليكِ. إنَّ وضعَ عبد الرحمنِ قدْ يكونُ فعلاً مقلقاً. لكنْ، هلْ فكرتِ يوماً بماذا ستقولينَ إذا اكتشفَ عبد الرحمنُ أنكِ كنتِ تبحثينَ عنْ عيوبه؟"
"لنْ يكتشفَ،" قالتْ سارةُ بثقةٍ زائفةٍ، "وبعدين، أنا أفعلُ هذا لمصلحتي. أبي لا يفهمُ ما معنى الحبِّ الحقيقيِّ. هوَ يفكرُ في المالِ والجاهِ فقط."
كانتْ كلماتُ سارةَ تحملُ في طياتها إشارةً إلى رغبةٍ دفينةٍ في الانتقامِ منْ والدها، أوْ ربما رغبةٍ في إثباتِ الذاتِ. لمْ تدركْ أنها بفعلهِ هذا، قدْ تفتحُ باباً للشرِّ، وتُعرّضُ نفسها لمواقفَ لا تُحسدُ عليها.
في غضونِ ذلكَ، كانَ عبد الرحمنُ يواجهُ ضغوطاً في عملهِ. كانتْ هناكَ صفقةٌ كبيرةٌ على وشكِ الانتهاءِ، ولكنَّ المنافسينَ كانوا شرسينَ. شعرَ بأنَّ الوقتَ يضيقُ، وأنَّ عليهِ بذلَ جهدٍ خارقٍ لضمانِ نجاحِ الصفقةِ. كانَ قلبهُ متعلقاً بنورَ، ولكنَّ مسؤولياتهِ كانتْ أكبرَ منْ أنْ يتجاهلها.
"يا أحمد،" قالَ لعبد الرحمنِ وهوَ يتناولُ القهوةَ معهُ في استراحةٍ قصيرةٍ، "أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً غيرَ طبيعيٍّ في هذهِ المنافسةِ. هناكَ أساليبُ ملتويةٌ تُستخدمُ. لقدْ سمعتُ أنَّ هناكَ منْ يحاولُ تشويهَ سمعةِ شركتنا."
نظرَ إليهِ أحمدٌ بجديةٍ، وقالَ: "هذا أمرٌ مقلقٌ، يا عبد الرحمن. هلْ لديكَ دليلٌ؟"
"ليسَ لديَّ دليلٌ قاطعٌ،" أجابَ عبد الرحمنُ، "ولكنَّ حدسي يخبرني بذلكَ. يجبُ أنْ أكونَ حذراً جداً. لا أريدُ أنْ أفشلَ في هذهِ الصفقةِ، ليسَ فقط منْ أجلي، بلْ منْ أجلِ مستقبلنا معَ نورَ. لنْ أسمحَ لأحدٍ بأنْ يُعرقلَ خططنا."
كانَ عبد الرحمنُ يشعرُ بأنَّهُ يقفُ على حافةِ معركةٍ، ولكنهُ كانَ مؤمناً بأنَّ قوتهُ تكمنُ في إيمانهِ وحبهِ لنورَ.
في منزلِ نورٍ، كانتْ الجدةُ عائشةُ تراقبُ حفيدةَها. لاحظتْ أنها أصبحتْ أكثرَ حذراً، وأقلَّ تفاؤلاً مما كانتْ عليهِ.
"يا نور،" قالتْ الجدةُ بحنانٍ، "أرى في عينيكِ بريقَ قلقٍ. هلْ عبد الرحمنُ بخيرٍ؟ هلْ هناكَ مشاكلُ؟"
ابتسمتْ نورُ ابتسامةً باهتةً، وقالتْ: "كلُّ شيءٍ على ما يرامِ، يا جدتي. عبد الرحمنُ يعملُ بجدٍّ، وأنا أدعو لهُ بالتوفيقِ. فقط... أشعرُ بأنَّ الأيامَ القادمةَ ستحملُ تحدياتٍ."
"هذا طبيعيٌّ يا ابنتي،" ردتْ الجدةُ، "الحياةُ ليستْ طريقاً مستقيماً دائماً. ولكنْ تذكري، أنَّ معَ كلِّ صعوبةٍ، هناكَ فرجٌ. وأنَّ اللهَ معَ الصابرينَ. الأهمُّ هوَ أنْ تبقى قلوبنا صافيةً، ونوايانا صادقةً."
كانتْ كلماتُ الجدةِ كجرعةِ أملٍ لنورَ. شعرتْ بأنَّها ليستْ وحدها، وأنَّ هناكَ منْ يفهمُها ويدعمها.
وفي زاويةٍ أخرى منَ المدينةِ، كانَ السيدُ عمرٌ، والدِ سارةَ، يتحدثُ معَ أحدِ معارفهِ، وهوَ رجلٌ يعملُ في مجالِ الأعمالِ، ولهُ علاقاتٌ واسعةٌ.
"يا أبا أحمد،" قالَ السيدُ عمرٌ، "سمعتُ أنَّ شركةَ عبد الرحمنِ، الشابِّ الذي يريدُ التقدمَ لابنتي، ليستْ في وضعٍ جيدٍ. هلْ لديكَ معلوماتٌ عنْ هذا الأمرِ؟"
نظرَ الرجلُ إليهِ بتفكيرٍ، وقالَ: "نعم، يا أبا سارةٍ. سمعتُ بعضَ الشيءِ. يبدو أنَّ لديهمَ مشاكلَ في إحدى الصفقاتِ الكبرى. وقدْ سمعتُ أيضاً أنَّ هناكَ منافسةً شرسةً تستخدمُ بعضَ الأساليبِ غيرِ المباشرةِ."
ارتعشَ وجهُ السيدِ عمرٍ. قالَ: "هذا ما كنتُ أخشاهُ. ابنتي سارةُ، لا تزالُ مصرةً على الزواجِ منهُ. يجبُ أنْ أجدَ طريقةً لإقناعها بالعدولِ عنْ هذا الأمرِ. لا أريدُ أنْ تقعَ في ورطةٍ."
كانتْ الأقدارُ تتشابكُ، وكانتْ الخططُ تُنسجُ في الخفاءِ. نورُ وعبد الرحمنُ كانا يواصلانِ أحلامهما، غيرَ مدركينَ للمخاطرِ التي تحيطُ بهما. كانتْ نسماتُ الشوقِ تداعبُ قلبيهما، ولكنَّ رياحَ الماضي كانتْ بدأتْ تهبُّ بقوةٍ، حاملةً معها تهديداتٍ لمْ يكونا مستعدينَ لها.