حب بلا حدود الجزء الثالث
عاصفة الشكوك ورياح الفراق
بقلم سارة العمري
وقفَ عبد الرحمنُ أمامَ السيدِ عمرٍ، وقلبهُ ينبضُ بقوةٍ، ليسَ منَ الخوفِ، بلْ منَ الصدمةِ والذهولِ. لمْ يتوقعْ أبداً أنْ يُقابلَ بهذا القدرِ منَ الجفاءِ والتعالي. كلماتُ السيدِ عمرٍ كانتْ كسهامٍ تخترقُ جدارَ ثقتهِ، وتزرعُ بذورَ الشكِّ في كلِّ ما كانَ يؤمنُ بهِ.
"ولكنْ يا عمي،" قالَ عبد الرحمنُ بصوتٍ حاولَ أنْ يظهرَ فيهِ الثباتَ، "نورُ... أليستْ هيَ منْ أرادتْ هذا الارتباطَ؟ أليستْ تحبني؟"
ابتسمَ السيدُ عمرٍ بتهكمٍ، وارتشفَ منْ قهوتهِ ببطءٍ، وكأنَّهُ يستمتعُ بعذابِ عبد الرحمنِ. "الحبُّ يا بنيَّ، يحتاجُ إلى أساسٍ متينٍ. أساسٍ منَ المالِ والجاهِ والاستقرارِ. وأنتَ، ببساطةٍ، لا تملكُ شيئاً منْ ذلكَ. شركتكَ على وشكِ الانهيارِ، وديونكَ تتزايدُ. فكيفَ تتوقعُ أنْ تبنيَ بيتاً وتُعيلَ أسرةً؟"
لمْ يستطعْ عبد الرحمنُ أنْ يُنكرَ الحقائقَ. كانَ يعلمُ أنَّهُ يواجهُ صعوباتٍ، ولكنهُ كانَ يأملُ أنْ يجدَ تفهماً وتسامحاً، وليسَ هذا البرودَ القاسيَ.
"هذا ما كنتُ أخشاهُ،" تابعَ السيدُ عمرٍ، "أنْ يتعلقَ قلبي ابنتي برجلٍ لا يملكُ القدرةَ على توفيرِ حياةٍ كريمةٍ لها. لقدْ سألتُ عنكَ، وعلمتُ الكثيرَ. سمعتُ أنَّكَ تعتمدُ على هذهِ الصفقةِ بشكلٍ كبيرٍ. وماذا لوْ فشلتَ؟ هلْ ستتركُ نورَ غارقةً في مشاكلَ لا نهايةَ لها؟"
شعرَ عبد الرحمنُ بأنَّهُ مُحاطٌ بجدارٍ منَ الصعبِ اختراقُهُ. حاولَ أنْ يُدافعَ عنْ نفسِهِ، ولكنَّ كلماتهٌ بدتْ واهنةً أمامَ إصرارِ السيدِ عمرٍ.
"يا عمي،" قالَ عبد الرحمنُ، "أنا لستُ طامعاً في مالٍ أوْ جاهٍ. أنا أبحثُ عنْ شريكةِ حياةٍ، عنْ منْ تُساندني في رحلةِ الحياةِ. ونورُ... نورُ أعرفُ أنَّها تملكُ قلباً كبيراً، وقلباً لا يقدّرُ قيمةَ المالِ بالدرجةِ الأولى."
ضحكَ السيدُ عمرٍ ضحكةً قصيرةً، وقالَ: "أنتَ ساذجٌ يا بنيَّ. الفتياتُ في عصرنا هذا، لديهنَّ طموحاتٌ، ولديهنَّ رغباتٌ. وهنَّ يردنَ الأمانَ والاستقرارَ. وأنتَ لا تملكُ أيَّاً منْ هذينِ الأمرينِ. لذلكَ، أقولُ لكَها مرةً أخيرةً، لنْ أسمحَ لكَ بالاقترابِ منْ ابنتي. اذهبْ، وحاولْ أنْ تُصلحَ أموركَ، وبعدَ سنواتٍ طويلةٍ، ربما نتحدثُ عنْ هذا الأمرِ مجدداً."
نهضَ عبد الرحمنُ ببطءٍ، وشعرَ بغصةٍ في حلقهِ. لمْ يجدْ ما يقولهُ. لقدْ تحطمتْ أحلامهُ أمامَ عينيهِ. خرجَ منْ مكتبِ السيدِ عمرٍ، وهوَ يشعرُ بأنَّهُ فقدَ شيئاً ثميناً، شيئاً لمْ يكنْ يتوقعُ خسارتهُ بهذهِ السرعةِ وبهذهِ الطريقةِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ نورُ تنتظرُ عبد الرحمنَ بفارغِ الصبرِ. كانتْ قدْ جهزتْ نفسها للقاءٍ آخرَ، ولحديثٍ عنْ مستقبلهما. ولكنَّ الأحداثَ قدْ أخذتْ منحىً آخرَ.
عندما عادَ عبد الرحمنُ، كانتْ نورُ ترى في عينيهِ شيئاً مختلفاً. كانَ هناكَ حزنٌ عميقٌ، ونظرةُ ذبولٍ لمْ ترها فيهِ منْ قبلُ.
"ماذا حدثَ يا عبد الرحمن؟" سألتْ نورُ بقلقٍ، وقدْ لاحظتْ تغيرَ ملامحهِ.
نظرَ إليها عبد الرحمنُ، وشعرَ بأنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يكذبَ عليها. قالَ بصوتٍ متكسرٍ: "يا نور، والدكِ... لقدْ قابلتُهُ."
فرحتْ نورُ قليلاً، وظنتْ أنَّهُ قدْ وافقَ، ولكنَّ نظرةَ عبد الرحمنِ جعلتها تشعرُ بالخوفِ. "وماذا قالَ؟"
"قالَ... قالَ إنَّهُ لنْ يسمحَ لنا بالارتباطِ."
ارتعشتْ نورُ، وصعقها الخبرُ. "ماذا؟ لماذا؟"
"لأنَّني لستُ مستقراً مادياً،" أجابَ عبد الرحمنُ، وشعرَ بالمرارةِ تتزايدُ في قلبهِ. "لقدْ تحدثَ عنْ وضعي الماديِّ، وعنْ ديوني، وعنْ فشلِ شركتي المحتملِ."
لمْ تصدقْ نورُ ما تسمعهُ. "ولكنْ... ولكنْ كيفَ عرفَ كلَّ هذا؟"
"لا أعرفُ،" قالَ عبد الرحمنُ، "ولكنَّهُ كانَ يعلمُ كلَّ شيءٍ. حتى عنْ الصفقةِ التي أعملُ عليها."
في هذهِ اللحظةِ، بدأتْ نورُ تشعرُ بشيءٍ غريبٍ. بدأتْ تتذكرُ حديثَ خالتها، وحديثَ سارةَ. تساءلتْ في نفسها، هلْ يمكنُ أنْ تكونَ سارةُ هيَ منْ أعطتْ هذهِ المعلوماتِ لو