حب بلا حدود الجزء الثالث
ليلة الشك والسكون
بقلم سارة العمري
كانت ليلةً حالكة السواد، تلفّ بظلامها الأبديّ مدينةَ دبيّ، إلا من بصيصٍ خافتٍ تنفثه بعضُ المصابيح البعيدة، وكأنها نجومٌ قد هوت إلى الأرض لتبثّ الأمل في جنبات الليل. جلستْ "ليلى" في غرفتها، تحتضنُ وسادتها، وعيناها تتركان مجالسةً لأهدابها، تحملان عبئَ الأسئلة التي تثقلُ صدرها. كان حديثُ "خالد" قبلَ العصرِ لا يزالُ يترددُ في أذنيها كصدىً مزعجٍ، كلماتٌ غامضةٌ، وجملٌ حملتْ في طياتها ما لم تستطعْ فهمه، فغرقتْ في بحرٍ من القلقِ والتساؤل.
"هل يمكنُ أن يكونَ ما يخفيهِ لهُ علاقةٌ بماضينا؟" تساءلتْ في قرارةِ نفسها، وهي تُقلّبُ ذكرى تلكَ الرحلةِ القصيرةِ إلى مسقط. كانتْ رحلةً مليئةً بالبهجةِ والسكينة، رحلةٌ بدأتْ كحلمٍ جميلٍ، لكنّ غيمةً غامضةً بدأتْ تتسللُ إلى سماءِ نقائهم. تذكرتْ نظراتِ "خالد" المتوجسةَ حينما ذُكر اسمُ "عليّ"، ذلكَ الصديقُ القديمُ الذي لم يعرفْ عنه سوى القليل.
كانتْ "ليلى" دائمًا تؤمنُ بثقةٍ عمياءٍ في "خالد". كانتْ ترى فيهِ رجلَ الصدقِ والوفاءِ، مرساةَ الأمانِ في بحرِ الحياةِ المتقلب. لكنّ هذهِ الكلماتِ الجديدة، وهذا الترددُ الغريبُ في عينيهِ، زرعا بذرةَ شكٍّ بدأتْ تنمو وتتغلغلُ في تربةِ قلبها، شائكةً أفكارها.
انفصلتْ نظرتها عن النافذةِ المظلمةِ، وتوجهتْ نحو صورةٍ تجمعها بخالدٍ في ليلةِ زفافهما. كانتْ تبدو فيها شعلةُ الفرحِ والأملِ مشتعلةً في عينيهما، وكأنّ المستقبلَ أبيضٌ ناصعٌ، لا يعكرُ صفاءهُ شيء. لكنّ الأيامَ أثبتتْ أنّ حتى السحبَ السوداءَ قد تتجمعُ في أجملِ السماء.
فجأةً، سمعتْ صوتَ نقرٍ خافتٍ على الباب. نهضتْ من مكانها وقلبها يخفقُ بعنف. هل هو "خالد"؟ هل جاءَ ليُخبرها بما يُثقلُ صدره؟ فتحتْ البابَ رويداً رويداً، لتجدَ والدتها "أمينة" واقفةً، تحملُ في يدها كوباً من الشايِ الساخن، وعلى وجهها ابتسامةٌ حنونةٌ حاولتْ أن تخفيَ القلقَ الذي يعتريها.
"لم تستطيعي النومَ يا ابنتي؟" سألتْ بصوتٍ هادئ، "أتيتُ لأُعطيكِ هذا، لعلّهُ يُهدئُ من روعكِ."
جلستْ "ليلى" على طرفِ السرير، تأخذُ الكوبَ بيدينِ مرتجفتين. "أمي، هل تثقينَ في "خالد"؟" سألتْ بلهجةٍ مفاجئة، كأنّ السؤالَ خرجَ منها دونَ قصد.
نظرتْ "أمينة" إلى ابنتها باستغرابٍ، لكنّها لم تُظهرْ ذلكَ بوضوح. "بالطبعِ يا حبيبتي، "خالدٌ" رجلٌ فاضلٌ، وقد رأينا فيهِ الخيرَ منذُ اليومِ الأول. ما الذي جعلكِ تسألينَ هذا السؤالَ بهذهِ الجدية؟"
ترددتْ "ليلى" للحظة، ثمّ قررتْ أن تُصارحَ والدتها بما يدورُ في خلدها. بدأتْ تُخبرُها عن حديثِ "خالدٍ" الغامض، عن ارتباكهِ، عن إشارتهِ إلى ماضٍ لم تُفصّلهُ. كانتْ "أمينة" تستمعُ بصمتٍ، وعلاماتُ القلقِ بدأتْ ترتسمُ على وجهها.
"أتفهمُ قلقكِ يا "ليلى"،" قالتْ "أمينة" أخيراً، "ولكنْ ربما لديهِ أمرٌ يُشغلهُ، أمرٌ يتعلقُ بوالدهِ أو بعائلتهِ، ولا يريدُ أن يُقلقكِ بهِ. "خالدٌ" لا يخونُ الثقةَ أبداً."
"ولكنّ كلماته، يا أمي، حملتْ معها ظلماً، شعرتُ بهِ." تمتمتْ "ليلى"، وصوتها يكادُ يكونُ همساً. "وكأنّهُ يخفي سراً كبيراً، سراً قد يُغيرُ كلَّ شيء."
في تلكَ اللحظة، دخلَ "خالدٌ" الغرفةَ. كانَ وجههُ شاحباً، وعيناهُ تحملانِ ثقلاً أكبرَ من ثقلِ الليلِ كله. رأى "ليلى" ووالدتها، وتوقفَ للحظةٍ، كأنّهُ يجمعُ شتاتَ أفكاره.
"هل أنتما تتحدثانِ عني؟" سألَ بصوتٍ أجشّ، وقد اختلطَ فيهِ الحزنُ بالأسف.
نظرتْ "ليلى" إليهِ، ورأتْ في عينيهِ اعترافاً صامتاً. شعرتْ بأنّ اللحظةَ قد حانتْ، لحظةُ الكشفِ، لحظةُ إما بناءٍ جديدٍ أو تدميرٍ لما كان.
"خالد،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ ثابتٍ، لكنّهُ حملَ في طياتهٍ ألفَ سؤالٍ، "هل هناكَ ما تودُّ أن تُخبرنا بهِ؟ شيءٌ كنتَ تخفيهِ عنا؟"
نظرَ "خالدٌ" إلى "ليلى"، ثمّ إلى "أمينة"، وشعرَ بأنّ الأرضَ تميدُ به. تنهدَ بعمقٍ، وكأنّهُ يُخرجُ نفساً طالَ حبسه. "نعم، هناكَ شيءٌ." قالَ أخيراً، وصوتهُ أصبحَ أضعفَ من أن يُخفيَ ما فيهِ من ألم. "شيءٌ لم أكنْ أرغبُ في أن تعرفوهُ أبداً، شيءٌ كنتُ أأملُ أن يظلَّ دفينَ الماضي."
بدأتْ "أمينة" تشعرُ بالبرودةِ تتسللُ إلى عظامها. وضعتْ يدها على قلبها، وهي تُراقبُ ابنتها.
"ما هو، يا "خالد"؟" سألتْ "ليلى"، ويداها تضمانِ بعضهما البعضِ بقوة.
"إنّهُ يتعلقُ بزواجٍ سابقٍ لي." قالَ "خالدٌ"، وكانتْ كلماته كالصواعقِ تنزلُ على رأسِ "ليلى". "زواجٌ لم يكنْ طوعياً، زواجٌ فرضتْهُ ظروفٌ قاهرة، زواجٌ لم يستمرْ طويلاً، وانتهى قبلَ أن أُقابلَ "ليلى" بسنوات."
صُدمتْ "ليلى". زواجٌ سابقٌ؟ لم يخطرْ ببالها قطّ. كانتْ تعتقدُ أنّ "خالدٌ" لم يتزوجْ من قبل. كلُّ ما بنتهُ من تخيلاتٍ حولَ مستقبلٍ مشتركٍ بدأَ يتصدعُ أمامَ هذهِ الحقيقةِ المدوية.
"لكنّك لم تُخبرني أبداً!" قالتْ "ليلى"، وعيناها بدأتْ تتجمعُ فيها الدموع.
"كنتُ أخشى أن أخبركِ،" أجابَ "خالدٌ" بحزنٍ، "كنتُ أخشى أن يُغيرَ هذا كلَّ شيءٍ بيننا. كانَ الأمرُ مؤلماً للغاية، ولم أكنْ أرغبُ في أن أُثقلَ عليكِ بهِ."
"ومن هي؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ مرتجف.
"كانتْ "سارة"." قالَ "خالدٌ"، وكانَ اسمُ "سارة" يخترقُ قلبَ "ليلى" كألفِ سكين. "لا، ليسَ "سارة" التي تعرفينها." أردفَ بسرعةٍ، مُدركاً الفهمَ الخاطئَ الذي قد يتبادرُ إلى ذهنها. "إنّها "سارة" أخرى، ابنةُ صديقٍ قديمٍ لوالدي. تزوجتُ منها على عجالةٍ، فقد كانتْ في وضعٍ صعبٍ جداً، وكانَ الزواجُ هو الحلَّ الوحيدَ لإنقاذها من مصيرٍ أسوأ. لم يكنْ هناكَ حبٌّ بيننا، فقط واجبٌ ومسؤولية. وقد استمرَّ الزواجُ لبضعةِ أشهرٍ ثمّ تطلّقنا بهدوءٍ تام."
"ولماذا لم تُخبرني؟" كررتْ "ليلى" سؤالها، وشعرتْ بأنّها تائهةٌ في متاهةٍ من الأكاذيبِ والخبايا.
"كنتُ أخشى ظنّكِ بي،" قالَ "خالدٌ"، "وخاصةً بعدَ كلِّ ما مررنا بهِ. كنتُ أخشى أن تفكري بأنّني لستُ صادقاً معكِ. وكانَ الأهمُّ أنّهُ لم يكنْ لهُ أيُّ تأثيرٍ على حاضري أو مستقبلي معكِ."
"لكنّهُ كانَ جزءاً من ماضيكَ، يا "خالد". جزءٌ كنتَ تخفيهِ عني." ردتْ "ليلى" بصوتٍ مليءٍ بالإحباط. "وكيفَ لي أن أثقَ في كلِّ ما ترويهِ لي الآن؟"
تألمَ "خالدٌ" من هذهِ الكلماتِ، لكنّهُ لم يستطعْ أن يلومَ "ليلى". لقد شعرتْ بالخيانةِ، وبالغشِّ، وكانَ ذلكَ حقّها.
"أنا أفهمُ شعوركِ،" قالَ "خالدٌ"، "وأنا أتحملُ المسؤوليةَ الكاملةَ عن إخفائي الأمر. ولكنْ أرجوكِ، صدقيني، لم يكنْ بيني وبين "سارة" أيُّ شيءٍ يتجاوزُ الواجبَ، ولم تكنْ حياتي معها سوى فصلٍ أرغبُ في نسيانهِ. كلُّ ما أملكهُ هو الآن، هو مستقبلي معكِ، وهو مبنيٌّ على حبٍّ حقيقيٍّ وصادق."
جلستْ "ليلى" تنظرُ إلى "خالدٍ"، تحاولُ أن ترى الحقيقةَ في عينيه. رأتْ فيهِ الندمَ، ورأتْ فيهِ الأملَ، ورأتْ فيهِ الحبَّ الذي لم تشكُّ فيهِ يوماً. لكنّ الشكَّ الذي زرعتهُ هذهِ الكلماتُ بدأَ يتشبثُ بقلبها، ويُهددُ بناءَ علاقتهم.
"لا أعرفُ ماذا أقولُ، يا "خالد"." قالتْ "ليلى" بصوتٍ متقطعٍ، وشعرتْ بأنّها على حافةِ الهاوية. "أشعرُ بالضياعِ، وأشعرُ بأنّ الثقةَ التي بنيتُ عليها عالمي قد اهتزتْ."
نظرتْ "أمينة" إلى "خالدٍ" ثمّ إلى ابنتها، وشعرتْ بثقلِ اللحظةِ. كانتْ ليلةً تحملُ في طياتها الكثيرَ من الأسرارِ، وليلةً بدأتْ تتكشفُ فيها الحقيقةُ، حقيقةٌ كانتْ أشدَّ إيلاماً مما توقّعوا.
"حسناً،" قالتْ "أمينة" بصوتٍ هادئٍ، "ربما نحتاجُ جميعاً لبعضِ الوقتِ لنستوعبَ ما سمعناهُ. "خالدٌ"، أرجو أن تُعطي "ليلى" المساحةَ التي تحتاجها. و"ليلى" يا ابنتي، تذكري أنّ الحقيقةَ قد تكونُ مؤلمةً، ولكنّها غالباً ما تكونُ بدايةَ شِفاء."
أومأَ "خالدٌ" برأسهِ، وعيناهُ مثبتتانِ على "ليلى". كانَ يعلمُ أنّ الكلماتِ وحدها لا تكفي. كانَ يعلمُ أنّ عليهِ أن يُثبتَ صدقَ مشاعرهِ، وأن يُعيدَ بناءَ الثقةِ التي اهتزتْ.
غادرَ "خالدٌ" الغرفةَ، تاركاً "ليلى" ووالدتها في صمتٍ ثقيل. جلستْ "ليلى"، لا تدري ماذا تفعلُ، كيفَ تتصرفُ. هل تُصدقُ "خالدٌ"؟ هل تُ سامحُهُ؟ هل هذا هوَ النقطةُ التي تبدأُ فيها النهايةُ، أم بدايةُ فصلٍ جديدٍ مليءٍ بالتحديات؟
كانتْ الليلةُ طويلةً، والسكونُ يخيمُ على المنزل، إلا من دقاتِ قلبٍ خائفٍ، وقلبٍ مُتألم، وقلبٍ يبحثُ عن طريقٍ وسطَ ظلامٍ دامس.