حب بلا حدود الجزء الثالث
أصداء الماضي في أروقة الزمن
بقلم سارة العمري
كانت ظلمة الليل قد انقضت، وبزغت شمس صباح جديد تحمل معها هواءً بارداً ونسمات خفيفة تلفح وجه "بدر". كان بدر، الابن الوحيد للسيدة "نورة"، وصديق خالد المقرب، يقف على شرفة قصره المطل على الصحراء الشاسعة. كان شاباً في أواخر العشرينات، يتمتع بملامح رجولية حادة، وعينين رماديتين كبريق الصقر، تخفيان وراءهما عاطفة جامحة وتحدياً لا يعرف الكلل. كان يرتدي ملابس رياضية بسيطة، تعكس روحه الحرة التي لا تقيدها قيود.
في يده، كان يمسك بهاتفه، يقرأ رسالة نصية وصلت للتو. كانت من خالد، صديقه ورفيق دربه. يخبره فيها عن سفره المفاجئ، وعن مشكلة في صفقة تتطلب حضوره العاجل. قرأ بدر الرسالة بتركيز، وشعر بوخزة من القلق. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالعمل، بل كان يعلم جيداً مدى تعلق خالد بليلى، ومدى انتظاره لهذا الزواج.
"سافر قبل عقد القران؟" تمتم بدر لنفسه. "هذا غير مفهوم." كان بدر يعرف خالد جيداً، ويعلم أنه لو كان الأمر يتعلق بالعمل فقط، لما أجّل سفره ليوم واحد. كان هناك ما هو أعمق، ما هو أشد إلحاحاً.
في الأيام الأخيرة، كان بدر يلاحظ تغيرات في تصرفات خالد. أصبح أكثر انعزالاً، وأكثر انشغالاً بأمور غامضة. كانت هناك مكالمات هاتفية سرية، واجتماعات متكررة مع أشخاص لا يعرفهم بدر. كان يشعر بأن هناك شيئاً ما يحدث، شيئاً يضر بخالد، أو بشيء يحاول خالد حمايته.
تنهد بدر، وقرر أن يتصل بخالد. سمع رنين الهاتف، ثم صوت خالد المنهك. "مرحباً بدر." "مرحباً يا خالد. وصلتني رسالتك. متى ستسافر؟" "الآن يا بدر. لدي رحلة طارئة." "هل كل شيء على ما يرام؟" سأل بدر بصوت يحمل نبرة شك.
تردد خالد قليلاً قبل أن يجيب: "نعم، كل شيء على ما يرام. مجرد مشكلة عمل تتطلب حلي." "مشكلة عمل؟ خالد، نحن نعرف بعضنا منذ الطفولة. هل أنت متأكد أن الأمر يتعلق بالعمل فقط؟" "أنا متأكد يا بدر. لا تقلق عليّ." قال خالد بصوت يحاول أن يبدو مطمئناً، لكن بدر شعر بأن خلف هذه الكلمات هناك حقائق أخرى.
"حسناً، إذا كان هذا ما تريد. ولكن، إذا احتجت أي شيء، أي شيء على الإطلاق، فأنا هنا. وأنت تعلم ذلك." "شكراً لك يا صديقي. سأتصل بك حين أستقر."
أنهى خالد المكالمة. جلس بدر يفكر. كان يعلم أن خالد يخفي عنه شيئاً. كان يعلم أن السفر المفاجئ، والهروب من ليلة عقد القران، لا يمكن أن يكون مجرد مشكلة عمل. كانت هناك أسرار، وكانت تلك الأسرار مرتبطة ببعضها البعض.
في هذه اللحظة، سمع صوت والدته، السيدة نورة، وهي تناديه من داخل القصر. "بدر! يا بدر! تعال إلى هنا!"
دخل بدر إلى القصر، ليجد والدته جالسة في صالة الاستقبال، وقد بدت عليها علامات الضيق. "ماذا هناك يا أمي؟" سأل بدر.
"لقد عدت للتو من قصر الشرف." قالت السيدة نورة وهي تتنهد. "لقد أخبرت السيدة فاطمة وليلى بأن خالد سيسافر. لقد تقبلتا الخبر بصعوبة." "هل تفهمان الأمر؟" سأل بدر.
"لا أعتقد ذلك. تبدو ليلى مرتبكة بعض الشيء. إنها لا تفهم لماذا اضطر خالد للسفر قبل عقد القران مباشرة. لقد حاولت أن أطمئنها، لكنها تبدو غير مقتنعة." "وهل أنتِ مقتنعة يا أمي؟" سأل بدر بصوت هادئ. نظرت السيدة نورة إلى ابنها، وارتسمت على وجهها علامات صراع داخلي. "أنا... أنا أفعل ما هو في مصلحة عائلتنا يا بدر. أنت تعلم أن صفقة والدك مصيرية. وخالد يحاول حمايتها."
"حمايتها؟ من ماذا؟" "لا أعلم التفاصيل الدقيقة. ولكن، والدك يواجه مشاكل. ومشاكل كبيرة. وخالد يحاول أن ينقذ الوضع." "وهل سافر إلى الخارج لمواجهة هذه المشاكل؟" سأل بدر.
"نعم. لقد اضطر للسفر. وهو يعلم أن ليلى لن تقبل بهذا السفر بهذه السرعة. لذلك، قررت أن أقوم ببعض الترتيبات. سأقوم بتنسيق عقد القران في غياب خالد. سيكون ذلك في غضون يومين. إجراءات بسيطة، بحضور العائلة المقربة. وبعد عودة خالد، سنحتفل احتفالاً كبيراً."
توسعت عينا بدر بصدمة. "عقد القران في غياب خالد؟ أمي، هل هذا منطقي؟" "هذا ما يجب فعله يا بدر. يجب أن نحافظ على سمعة العائلة. وإذا تأخر العقد، ستنتشر الشائعات. وأنت تعلم أن خالد وليلى يحبان بعضهما. وهذا الزواج سيجمع بين عائلتين كبيرتين. علينا أن نجعل الأمر يبدو طبيعياً قدر الإمكان."
"ولكن، ليلى؟ كيف ستتقبل هي هذا الأمر؟" "ستتقبله. لا تقلق. سأتحدث معها. وسأوضح لها أهمية هذا الزواج. وأنت، عليك أن تساعدني في إقناعها. أنت صديقها المقرب، وعليها أن تثق بك."
نظر بدر إلى والدته. شعر بأن هناك ألغازاً تتكشف، ولكنها تكشف عن ألغاز أخرى. كانت هناك صراعات خفية، وأسرار عائلية، وحب قد يكون على المحك. شعر بأن هذا الزواج، الذي كان من المفترض أن يكون بداية قصة حب جميلة، قد يصبح ساحة لمعارك خفية.
"حسناً يا أمي." قال بدر بصوت هادئ. "سأفعل ما بوسعي. ولكن، لا أعتقد أن الأمور ستكون بهذه البساطة." "لا تقلق. كل شيء سيكون على ما يرام." قالت السيدة نورة وهي تبتسم ابتسامة متكلفة.
خرج بدر من القصر، متجهاً نحو سيارته. كان عقله مشوشاً. كان يشعر بأن هناك قوى خفية تعمل في الظل، وأن هذا الزواج قد يكون مجرد ورقة في لعبة أكبر. تساءل، ما هي هذه المشاكل التي يواجهها والد خالد؟ وما هو الدور الذي يلعبه خالد في حلها؟ وهل سيتمكن من حماية حبه لليلى في خضم كل هذه التعقيدات؟ شعرت بأن أصداء الماضي بدأت تعود، وأنها قد تلقي بظلالها القاتمة على مستقبل هؤلاء الأبطال.