حب بلا حدود الجزء الثالث
غيمة الشك تتكاثف
بقلم سارة العمري
تلاشتْ أصداءُ كلماتِ "خالدٍ" في أرجاءِ المنزلِ، وتركتْ وراءها صمتاً ثقيلاً، صمتاً أكثرَ وطأةً من أيِّ ضجيج. جلستْ "ليلى" في مكانها، لا تزالُ تعيشُ حالةً من الذهولِ والصدمة. الزواجُ السابقُ؟ هذا ما كانَ يُخفيهِ "خالدٌ"؟ لماذا لم يُصارحها من قبل؟ أسئلةٌ تتلاطمُ في صدرها كأمواجِ البحرِ الهائج، تُهددُ بغرقها في بحرٍ من الشكِّ والقلق.
نظرتْ إلى والدتها "أمينة"، ورأتْ في عينيها نفسَ الانفعالِ الذي يعتريها. كانتْ "أمينة" قد سمعتْ عن زوجٍ سابقٍ لـ"خالدٍ" في وقتٍ سابقٍ، لكنّ "خالدٌ" كانَ قد ألمحَ إليها بأنّ الأمرَ قد انتهى ولم يعدْ لهُ أيُّ أثر. لكنّ تفاصيلَ ما سمعتهُ الليلةَ بدتْ مختلفةً، بدتْ وكأنّها تخفي وراءها ما هوَ أعمقُ وأكثرُ تعقيداً.
"يا ابنتي،" قالتْ "أمينة" بصوتٍ متعب، "أعرفُ أنّ هذا صعبٌ عليكِ. ولكنْ تذكري، "خالدٌ" جاءَ ليُخبركِ بنفسهِ. هذا دليلٌ على صدقِ نواياه. كانَ يخشى أن تُبعديهِ عن حياتكِ، ولكنهُ اختارَ أن يُصارحكِ. هذا أمرٌ كبيرٌ."
"ولكنْ لماذا الآن؟" تساءلتْ "ليلى" بصوتٍ يكادُ يكونُ مكسوراً. "لماذا لم يقلْ لي من قبل؟ هل كانَ يخشى أن أتركَهُ؟ ولكنّ إخفاءَ الأمرِ يُعطي انطباعاً بأنّهُ يخونُ ثقتي."
"ربما كانتْ لديهِ أسبابه، يا "ليلى". الظروفُ قد تدفعُ الإنسانَ إلى اتخاذِ قراراتٍ صعبة. والأهمُّ الآن، هو كيفَ ستتعاملينَ مع هذهِ الحقيقة. هل ستسمحينَ لهذا الماضي بأن يُدمرَ حاضركم ومستقبلكم؟"
كانتْ كلماتُ والدتها كبلسمٍ يُحاولُ أن يُداوي جراحاً لم تندملْ بعد. لكنّ "ليلى" كانتْ لا تزالُ تشعرُ بغصةٍ في حلقها. لم تكنْ القصةُ بحدِّ ذاتها هيَ المشكلةُ الأساسية، بل كانتْ طريقةُ الكشفِ عنها، والشكُّ الذي صاحبَ الكشف.
"أنا لا أعرفُ، أمي. أشعرُ بأنّ كلَّ شيءٍ قد تغير. كنتُ أعتقدُ أنني أعرفُ "خالدٌ" جيداً، ولكنّ هذهِ المعلومةَ تجعلني أتساءلُ ما الذي لا أعرفهُ عنه."
نظرتْ "أمينة" إليها بعطفٍ. "يا "ليلى"، لا أحدَ يعرفُ الآخرَ بالكامل. كلُّ إنسانٍ لديهِ ماضٍ، وبعضُ التفاصيلِ قد تكونُ مؤلمةً أو محرجةً. ولكنّ الحبَّ الحقيقيَّ هوَ الذي يتجاوزُ هذهِ العقبات. "خالدٌ" يحبكِ، وهذا ما يجبُ أن تُركزي عليه."
لكنّ "ليلى" لم تستطعْ أن تتوقفَ عن التفكيرِ في "سارة". لم تكنْ "سارة" التي تعرفها، ولكنّ الاسمَ وحدهُ كانَ كافياً ليُثيرَ فيها بعضَ المشاعرِ غيرِ المرغوبة. هل كانتْ "سارة" هذهِ جميلةً؟ هل كانَ "خالدٌ" مُعجباً بها؟ ثمّ تذكرتْ كلماتِ "خالدٍ" بأنّ الزواجَ لم يكنْ مبنياً على الحبِّ، بل على الواجب.
في تلكَ الليلة، لم تنمْ "ليلى" كثيراً. كلما أغمضتْ عينيها، رأيتْ وجهاً غامضاً لـ"سارة"، وسمعتْ كلماتِ "خالدٍ" تترددُ في أذنها. كانَ الأمرُ أشبهَ بكابوسٍ مُستمر.
صباحَ اليومِ التالي، استيقظتْ "ليلى" وشعرتْ بأنّها مُرهقةٌ جسدياً ونفسياً. نزلتْ إلى غرفةِ المعيشة، لتجدَ "خالدٌ" جالساً وحيداً، يحتسي قهوتهُ ببطءٍ، وعيناهُ مُتعبتانِ. بدا عليهِ الاستسلامُ والندم.
"صباحُ الخير،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، وهيَ تجلسُ على الأريكةِ المقابلةِ لهُ.
"صباحُ النور،" أجابَ "خالدٌ" دونَ أن يرفعَ عينيهِ. صمتٌ سادَ المكانَ لدقائق.
"ما الذي حدثَ الليلةَ الماضية، يا "خالد"؟" سألتْ "ليلى" أخيراً، وهيَ تُحاولُ أن تُخفيَ ارتعاشَ صوتها.
نظرَ إليها "خالدٌ"، ورأى في عينيها خليطاً من الحزنِ والإحباطِ والبحثِ عن الحقيقة. "لقد كشفْتُ لكِ جزءاً من ماضيَّ، يا "ليلى". جزءٌ كنتُ أخشى أن أعترفَ بهِ، لأنّني لم أكنْ أريدُ أن أخسركِ."
"ولكنّ إخفاءَ الحقيقةِ هوَ ما يجعلكِ تخسرني، ألا ترى؟" ردتْ "ليلى" بحرقة. "كيفَ يمكنُ أن أُبنيَ مستقبلي معكِ وأنا لا أعرفُ كلَّ شيءٍ عنك؟"
"ما الذي تودينَ أن تعرفيه؟" سألَ "خالدٌ" بصوتٍ مليءٍ باليأس. "أنا مُستعدٌ لأُجيبَ على كلِّ أسئلتكِ."
بدأتْ "ليلى" تُسائلُهُ عن "سارة" وعن ظروفِ الزواج. كانَ "خالدٌ" يُجيبُ بصبرٍ، ويُفصّلُ لهُ كلَّ تفاصيلِ تلكَ الفترةِ العصيبة. كانَ يشرحُ كيفَ أنّهُ اضطرَّ للزواجِ من "سارة" لحمايتها من عائلةٍ مُتعصبةٍ كانتْ تُهددُ حياتها، وكيفَ أنّهُ لم يكنْ بينهما أيُّ علاقةٍ حميمة، بل كانتْ علاقةً أخويةً بحتة، مليئةً بالمسؤوليةِ والواجب.
"ولماذا انفصلتُما؟" سألتْ "ليلى".
"بعدَ فترةٍ من الزمن، استقرتْ أحوالُ "سارة"، ووجدتْ طريقها. وبفضلِ اللهِ، وجدنا طريقةً شرعيةً لفسخِ الزواجِ دونَ أيِّ خلاف. لقد كانَ الأمرُ أشبهَ بمهمةٍ أنقذتُ فيها إنساناً، ثمّ عدتُ إلى حياتي الطبيعية."
كانتْ قصتهُ تبدو منطقيةً، ولكنّ "ليلى" كانتْ لا تزالُ تشعرُ بالضياع. هل كانتْ تُبالغُ في ردةِ فعلها؟ هل كانَ "خالدٌ" صادقاً؟
"ولماذا لم تخبرني عن "عليّ"؟" سألتْ "ليلى" فجأةً، وهيَ تتذكرُ شيئاً آخرَ من حديثِ "خالدٍ" في اليومِ السابق.
تغيرَ وجهُ "خالدٍ" قليلاً، واختلطَ فيهِ الحزنُ بالخوف. "من تقصدينَ؟"
"أنتَ تعرفُ من أقصدُ. "عليّ"، صديقُنا المشترك. قلتَ إنّك ذهبتَ لمقابلتهِ، وأنّ هناكَ شيئاً يتعلقُ بهِ."
تنهدَ "خالدٌ" بعمقٍ، وبدا عليهِ أنّهُ لم يكنْ يتوقعُ هذا السؤالَ. "آه، "عليّ". الأمرُ مع "عليّ" مختلفٌ قليلاً."
"مختلفٌ كيف؟" سألتْ "ليلى" باهتمامٍ متزايد.
"صديقنا "عليّ"، لقد واجهَ صعوباتٍ في حياتهِ مؤخراً. كانَ يعيشُ في بلدٍ بعيدٍ، وواجهَ مشاكلَ ماليةً كبيرةً، واضطرَّ للعودةِ إلى هنا. لقد اتصلَ بي وطلبَ مساعدتي. وقد ذهبتُ لمقابلتهِ لأرى كيفَ يمكنني أن أدعمَهُ."
"وما هوَ الشيءُ الذي يتعلقُ بهِ؟" أصرتْ "ليلى".
"لقد تورطَ "عليّ" في بعضِ الأمورِ التي لا تتوافقُ مع مبادئنا. كانَ الأمرُ يتعلقُ بتجارةٍ مشبوهة، وكنتُ أحاولُ أن أنصحهُ وأُخرجهُ من هذا المستنقع."
شعرتْ "ليلى" بأنّ الأمورَ تزدادُ تعقيداً. "ولماذا أخفيتَ هذا عني أيضاً؟"
"لأنّني لم أردْ أن أقلقكِ،" قالَ "خالدٌ" بصدقٍ. "ولأنّني كنتُ أُحاولُ حلَّ الأمرِ بنفسي. لم أكنْ أرغبُ في أن يُصبحَ الأمرُ قضيةً بيننا."
"ولكنّك جعلتْ الأمرَ يبدو وكأنّهُ شيءٌ أكبر، شيءٌ يتعلقُ بماضينا. عندما قلتَ لي: "هناك شيءٌ يجبُ أن تعرفيهِ، شيءٌ لهُ علاقةٌ بماضينا"."
"كنتُ أُقصدُ بالماضي، تلكَ الفترةُ التي كنتُ فيها بعيداً عنكِ، وأحاولُ أن أُصلحَ بعضَ الأخطاءِ التي ارتكبتُها. ولكنّي فشلتُ في التعبيرِ عن نفسي بوضوح."
بدأتْ "ليلى" تشعرُ بأنّها في دوامةٍ لا نهايةَ لها. كانتْ تظنُّ أنّ مشكلتها الأساسيةَ هيَ زواجُ "خالدٍ" السابق، ولكنّها اكتشفتْ أنّ هناكَ المزيدَ من الأسرارِ والخبايا.
"إذن، أنتَ لم تُخبرني بالحقيقةِ كاملةً، حتى هذهِ اللحظة." قالتْ "ليلى" بصوتٍ خالٍ من أيِّ تعبير.
"لا، لم أُخبركِ بالحقيقةِ كاملةً،" اعترفَ "خالدٌ" بصوتٍ مُنكسر. "ولقد أخطأتُ في ذلكَ. وأنا أعتذرُ عن كلِّ ما سببتهُ لكِ من ألمٍ وقلق. ولكنّي فعلتُ ذلكَ لأنّني أحبكِ، ولم أكنْ أرغبُ في أن أخسركِ. أنا لم أُخفِ عنكِ شيئاً لأُؤذيكِ، بل لأحميكِ."
"ولكنّك آذيتني، يا "خالد". آذيتني بالخوفِ، وآذيتني بالشكِّ. وآذيتني بأنّك لم تُشاركني حياتكَ كاملةً."
كانتْ كلماتُ "ليلى" كالنارِ التي تُحرقُ قلبَ "خالدٍ". شعرَ بأنّهُ قد فقدَ كلَّ شيء.
"إذا كنتِ تشعرينَ بأنّكِ لا تستطيعينَ أن تُكملي معي، فأنا أتفهمُ ذلكَ." قالَ "خالدٌ" بصوتٍ مُرتجف. "ولكنْ أرجوكِ، لا تجعلي الماضي يُدمرُ ما بنيناهُ. أنا لم أُخفِ عنكِ شيئاً بدافعِ الخيانة، بل بدافعِ الخوفِ والحماية."
نظرتْ "ليلى" إلى "خالدٍ"، ورأتْ فيهِ رجلاً يائساً، رجلاً مُتألماً. ولكنّها لم تستطعْ أن تتجاوزَ شعورَ الخيانةِ الذي تغلغلَ في قلبها.
"أحتاجُ وقتاً، يا "خالد"." قالتْ "ليلى" أخيراً، وصوتها يكادُ لا يُسمع. "أحتاجُ وقتاً لأُفكرَ. ولأُعيدَ ترتيبَ أفكاري. لا أستطيعُ أن أتخذَ قراراً وأنا في هذهِ الحالة."
نهضتْ "ليلى" من مكانها، وتوجهتْ نحو غرفتها، تاركةً "خالدٌ" وحيداً مع قهوتهِ الباردةِ، وكلماته التي لم تصلْ إلى قلبها. غيمةُ الشكِّ التي بدأتْ تتسللُ إلى سماءِ حبهما، قد تكاثفتْ وأصبحتْ تهددُ بأن تُغرقَ كلَّ شيءٍ في ظلامٍ دامس.