حب بلا حدود الجزء الثالث
همسات في سوق العطور
بقلم سارة العمري
اشتدت حرارة شمس الظهيرة على أزقة سوق العطور القديم في الرياض. كانت الألوان تتناغم ببراعة، والروائح العطرية النفاذة تختلط بعبق البخور الطيب، مشكلةً سيمفونية للحواس. بين هذه الأزقة المزدحمة، حيث تتنافس محال العطور التقليدية مع أحدث الصيحات، وقفت "نور". كانت نور، الابنة الصغرى للسيدة "فاطمة"، وشقيقة ليلى الصغرى، فتاة في مطلع العقد الثاني من عمرها. كانت تتمتع بجمال ناعم، وعينين واسعتين بلون البنفسج، تحملان بريق فضول وفرح لا ينطفئ. ارتدت ملابس بسيطة، لكنها بدت متألقة بجمالها الطبيعي.
كانت نور قد جاءت إلى السوق برفقة والدتها، لشراء بعض الهدايا والتجهيزات لعقد قران أختها. ولكن، في هذه اللحظة، كانت قد انفصلت عن والدتها، وتسللت إلى زقاق ضيق، بعيداً عن الأنظار. في يدها، كانت تحمل هاتفاً قديماً، تبدو عليه علامات الاستخدام المتكرر.
"متى ستلتقي بها؟" سألت نور بصوت هامس، وهي تتحدث إلى الشخص الذي على الطرف الآخر من الخط. "قريباً." جاءها صوت خفيض. "فقط اصبري قليلاً. الأمور تسير حسب الخطة." "الخطة؟ ولكن، ليلى تبدو قلقة. إنها تشعر بأن هناك شيئاً ما خطأ."
"لا تقلقي على ليلى. إنها قوية. والأمور ستكون على ما يرام. فقط استمري في مراقبة الوضع، وأبلغيني بأي مستجدات." "حسناً." قالت نور، وأنهت المكالمة.
شعرت نور بشيء من الريبة. كانت تعلم أن هذه المكالمات سرية، وأنها تفعل شيئاً قد لا تفهمه أختها. ولكن، كان هناك هدف أسمى، هدف لم تكن متأكدة منه تماماً، لكنها كانت تشعر بضرورته.
في هذه الأثناء، كانت والدتها، السيدة فاطمة، تبحث عنها بفزع. "نور! نور! أين ذهبتِ؟" خرجت نور من الزقاق الضيق، ووجهها يبتسم ببريق. "أنا هنا يا أمي. كنت أتفقد بعض العطور." "لقد أخفتني يا ابنتي! هيا بنا، يجب أن نعود."
عادت الفتاتان إلى وسط السوق. وبينما هما يتفقدان أحد المحال، اقترب منهما رجل في منتصف العمر، يبدو عليه الثراء، ويرتدي ثياباً أنيقة. كان "يوسف"، شريك والد خالد في العمل، والذي كانت تربطه به علاقة تجارية طويلة. "السلام عليكم يا سيدة فاطمة." قال يوسف بابتسامة. "ما هذه الصدفة الجميلة؟" "وعليكم السلام يا أبا خالد. كيف حالك؟"
"بخير والحمد لله. جئت لأطمئن عليكِ، ولأعرف أخبار خالد. هل سمعتم منه شيئاً؟" "نعم، لقد أخبرنا بأنه سيسافر. ونحن نتمنى له التوفيق." قالت السيدة فاطمة.
ابتسم يوسف وقال: "إنه رجل مسؤول، خالد. والعمل يتطلب منه الكثير. أنا متأكد أنه سيعود قريباً، وسيحل كل المشاكل." نظرت نور إلى يوسف، وشعرت بأن عينيه تحملان نظرة ماكرة، نظرة لم تعجبها. لاحظت أن والدتها بدت مرتاحة لوجود يوسف، وتحدثت معه عن بعض الأمور المتعلقة بالترتيبات.
"هل تعلمين يا سيدة فاطمة؟" قال يوسف وهو يلتفت نحو نور. "لقد كنت أتحدث مع والد خالد قبل قليل. لقد أخبرني عن صفقة مهمة جداً. صفقة إذا نجحت، ستؤمن مستقبل عائلتيهما لسنوات قادمة." "هذا خبر جيد." قالت السيدة فاطمة.
"نعم، ولكن..." تردد يوسف قليلاً. "هذه الصفقة تتطلب مخاطرة. ومخاطرة كبيرة. وقد يكون والد خالد تحت ضغط شديد. ولذلك، سفر خالد كان ضرورياً جداً." شعرت نور ببرودة تسري في عروقها. كانت تعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً تماماً. كانت تعلم أن هناك شيئاً ما لا يقوله يوسف.
"هل والد خالد بخير؟" سألت نور بصوت قلق. ابتسم يوسف وقال: "هو بخير، ابنتي. لا تقلقي. كل شيء تحت السيطرة. ولكن، علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات."
"ما هي الاحتمالات؟" سألته السيدة فاطمة. "لا شيء خطير. فقط، إذا حدث أي شيء غير متوقع، فإن خالد هو من سيتحمل المسؤولية. وهو الوحيد الذي يمكنه أن ينقذ الموقف. لذلك، سفره كان حتمياً."
في هذه اللحظة، اقتربت من محلهما فتاة شابة، ترتدي عباءة سوداء، وتغطي وجهها بالكامل. كانت "سلمى"، خادمة قديمة في قصر الشرف، وتربطها علاقة قوية بالسيدة فاطمة. "عفواً يا سيدة فاطمة." قالت سلمى بصوت خفيض. "وصلتني رسالة لكِ. إنها من السيدة نورة."
فتحت السيدة فاطمة الرسالة، وقرأتها. ارتسمت على وجهها علامات المفاجأة، ثم القلق. "ماذا هناك يا أمي؟" سألت نور. "السيدة نورة تقول بأن عقد القران سيتم بعد غد. في غياب خالد. لقد قامت بترتيبات خاصة."
صمت الجميع لبرهة. شعرت نور بأن الأمور تتسارع بشكل غريب. كانت تعلم أن هذا القرار لم يكن محض صدفة. كانت تعلم أن هناك أطرافاً تسعى لتسريع الأحداث، لأسباب خفية.
"ولكن، كيف؟" سألت السيدة فاطمة بصوت متحير. "لقد قالت إنها ستشرح التفاصيل لاحقاً. ولكن، علينا أن نوافق. إنها مصلحة العائلتين." قال يوسف، وهو ينظر إلى السيدة فاطمة.
شعرت نور بأن هناك سراً مدفوناً في هذه القصة. كانت تعلم أن والدة خالد، السيدة نورة، شخصية قوية، وأنها قادرة على فعل أي شيء لتحقيق أهدافها. تساءلت، ما هي هذه الأهداف؟ ولماذا هذا الاستعجال في عقد القران؟
"هل أنتِ متأكدة أن خالد على علم بكل هذا؟" سألت نور، وهي تنظر مباشرة في عيني يوسف. ارتعش يوسف قليلاً، ثم قال: "نعم، بالتأكيد. خالد رجل عاقل، ويعرف مصلحته."
ابتسمت نور ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحمل في طياتها سخرية مبطنة. كانت تعلم أن ما يقوله يوسف ليس صحيحاً. كانت تعلم أن خالد ليس لديه علم كامل بكل ما يحدث. شعرت بأنها في قلب عاصفة، وأنها يجب أن تتصرف بحذر.
"سأذهب لأبحث عنكِ يا أمي." قالت نور، ثم انسلت بعيداً، تاركةً والدتها تتحدث مع يوسف.
ذهبت نور إلى زقاق ضيق مرة أخرى، وبدأت تتصل برقم هاتفها السري. "لقد حصلت على الأخبار." قالت بصوت متحمس. "عقد القران سيكون بعد غد. في غياب خالد. والسيدة نورة هي من قامت بالترتيبات." "ممتاز." جاءها صوت الشخص الآخر. "هذا جيد. ولكن، يجب أن نتأكد من أن كل شيء يسير كما هو مخطط له. هل هناك أي مقاومة؟"
"تبدو السيدة فاطمة مترددة بعض الشيء، ولكنها ستوافق. أما ليلى، فلا أعرف. إنها تبدو قلقة." "القلق لا يعني الرفض. المهم هو أن يتم الأمر. ابقي على اتصال. وأخبريني بأي شيء جديد."
أنهت نور المكالمة، وشعرت بنوع من القلق. كانت تعلم أنها تلعب دوراً في شيء كبير، شيء قد يؤثر على حياة أختها. تساءلت، هل ستتمكن من كشف الحقيقة قبل فوات الأوان؟ أم أن هذه الأسرار ستطغى على حب أختها؟