حب بلا حدود الجزء الثالث

عتمة الرغبة المتسللة

بقلم سارة العمري

وقف طارق أمام نافذة مكتبه، يراقب قطرات المطر تتساقط كدموع حزينة على زجاج النافذة. كانت السماء رمادية كوجه أيامه الأخيرة. في يده، كان يضغط على علبة سجائر شبه فارغة، والسيجارة المشتعلة بين أصابعه ترسل دخاناً كثيفاً يلف المكان برائحة نفاذة. كانت هذه الرائحة، التي لطالما حاول جاهداً التخلص منها، تعود لتداعبه، لتنبهه إلى وهم السيطرة الذي يعيشه.

في الأيام التي تلت خطوبته الرسمية على نورا، كانت الأجواء في المنزل مفعمة بالفرح والترقب. والداه، الشيخ أحمد والسيدة زينب، كانا يراقبان ابنهم عن كثب، يتلمسان تغيرات طرأت عليه. كان أكثر هدوءاً، وأحياناً شارداً، لا يشبه طارق الذي يعرفانه. نورا، بعينيها العسليتين الصافيتين وقلبها النقي، كانت تشع بحبها وثقتها، ولكن خلف تلك الثقة، كانت هناك بوادر قلق تلوح في الأفق، لم تستطع فهم مصدرها.

في إحدى الليالي، بينما كان طارق ووالده يتناولان العشاء، سأل الشيخ أحمد بهدوء: "يا بني، تبدو مهموماً هذه الأيام. هل من شيء يقلقك؟" رفع طارق بصره، وابتسم ابتسامة باهتة. "لا شيء يا أبي، فقط ضغوط العمل." أومأ الشيخ أحمد، لكن عينيه الثاقبتين لم تغفلا عن رعشة خفيفة في يد ابنه وهو يمسك بكوب الماء. "أتمنى ذلك. تذكر أنك لست وحدك، وأننا هنا دائماً."

في تلك الليلة، بعد أن غادر والداه، شعر طارق بعبء الذنب والخوف يتزايد. كانت نورا قريبة جداً، خطوتان يفصلانه عن الزواج بها، عن حياة جديدة مليئة بالحب والطهر. لكن تلك الخطوتين كانتا تواجهان عقبة لم يتوقعها، عقبة زرعها بنفسه في تربة حياته.

كانت علبة السجائر تلك، والتي حاول كثيراً إخفاءها عن نورا وعن عائلته، رمزاً لمصارعته الداخلية. كل سيجارة يشعلها كانت تعني لحظة ضعف، انتصاراً للعادة القديمة على عزيمته الجديدة. كان يتذكر وجه نورا الملائكي وهي تتحدث عن مستقبلهم، وعن سعادتها الغامرة، وكان يشعر بوخزة حادة في قلبه. كيف يمكنه أن يبني حياة مشتركة على أساس من الكذب والتستر؟

في الأسبوع التالي، وبينما كان يتفقد أوراقاً في مكتبه، وصلته رسالة إلكترونية غامضة. كانت من عنوان بريد إلكتروني مجهول، وتحمل سطر موضوع واحداً: "بعض الذكريات". فتحها بفضول وحذر. كانت الرسالة تحتوي على صورتين. الصورة الأولى كانت له قبل سنوات، يقف أمام مدخل حانة في بلد أجنبي، يمسك بكأس ويبدو عليه الانفلات. الصورة الثانية كانت أكثر إزعاجاً، تظهره وهو يتجادل بصوت عالٍ مع شخص في نفس الحانة، ويبدو عليه الغضب والانفعال الشديد. أرسل هذه الرسالة شخص ما يريد إيذاءه، أو تذكيره بماضٍ لم يستطع نسيانه تماماً.

ارتعشت يدا طارق. كان يعتقد أنه قد طوى هذه الصفحة من حياته إلى الأبد. كانت تلك الأيام مجرد فصل عابر في شبابه، فصل اختاره بعيداً عن أعين أهله، فصل كان يعتقد أنه قد طمره بعمق. لكن الآن، يبدو أن هذا الماضي قد وجد طريقه للظهور مجدداً، ليلقي بظلاله على مستقبله.

في نفس الوقت، كانت نورا تشعر ببعض الغرابة في تصرفات طارق. كان ينسحب أحياناً، يتأخر عن مواعيدهم الهاتفية، وكلماته تحمل نبرة قلق لم تعهدها فيه. في إحدى مكالماتهما، سألته نورا بصوت حنون: "طارق، هل كل شيء على ما يرام؟ أشعر أنك تحمل هموماً لا تشاركني إياها." تردد طارق لثوانٍ، ثم قال بنبرة مصطنعة: "لا تقلقي يا حبيبتي، مجرد بعض التحديات في العمل. سأتجاوزها قريباً." "لكني هنا يا طارق. مهما كان، يمكننا مواجهته معاً. أليس هذا ما وعدنا به بعضنا البعض؟" نطق اسمها، "نورا"، كأنها دعاء. "نعم، وعدنا. وأنا أقدر ثقتك هذه جداً. فقط... أحتاج بعض الوقت."

أنهت المكالمة، وشعرت نورا أن حجاباً رقيقاً قد انسدل بينهما. لم تكن تعرف ما هو، لكنها أحست به. كانت تؤمن بطارق إيماناً مطلقاً، لكن تلك اللحظات من الغياب العاطفي جعلت قلبها يتساءل.

في تلك الليلة، بينما كانت نورا تدعو الله أن يجمع قلبيها في حلاله، كان طارق يجلس وحيداً في شقته، يحدق في الصور المرسلة إليه. كانت تلك الحانة، تلك اللحظات، تمثل إغراءً لم يستطع مقاومته بالكامل في زمن ما. كان يلوم نفسه على ضعفه، على خيانته لتلك النقاء الذي وجده في نورا. بدأ يشعر بأن علبة السجائر لم تعد مجرد عادة، بل أصبحت ملاذاً، مهرباً من وطأة مشاعره المعقدة. كلما شعر بالضغط، بعبء الكذب، كانت يده تتجه إليها.

كان يعلم أن هذه العادة، وهذا التستر، يمكن أن يدمر كل شيء. كان يريد أن يكون رجلاً يستحق نورا، رجلاً يمكنها الوثوق به تماماً. لكن هذه الرغبة المتسللة، هذه العتمة التي يحاول إخفاءها، كانت تنمو في داخله، تتغذى على خوفه وضعفه.

في الصباح التالي، أفاق طارق وهو يشعر بثقل لم يعهده من قبل. الشمس لم تكن قد بزغت بعد، لكن قلقه كان قد غطى على نور النهار. كان عليه أن يواجه هذا الأمر، أن يتخذ قراراً. هل سيستسلم لظلال الماضي، أم سيحارب من أجل مستقبل مشرق مع نورا؟ كانت علبة السجائر ملقاة بجانبه، ودخانها لا يزال عالقاً في الهواء، شاهداً صامتاً على معركة لم تنتهِ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%