حب بلا حدود الجزء الثالث
أشباح الماضي وصقيع الحاضر
بقلم سارة العمري
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، لكن نورها لم يصل إلى روح طارق. جالسٌ في مكتبه، يفرك صدغيه بأنامله المتعبة، وعيناه معلقتان على شاشة الحاسوب دون أن ترى حقاً ما فيها. الأرق لم يفارقه، والصور التي تلقاها بالأمس كانت تتراقص كالأشباح أمام عينيه، تهمس له بما كان يحاول دفنه.
لم تكن مجرد صور، بل كانت مفاتيح لغرفة مغلقة في ماضيه، غرفة مليئة بالضجيج، بالكوابيس، وبالضعف. تلك الحانة، تلك الليالي، لم تكن سوى تجسيد لرغبات جامحة، لحماقات شباب لم يعرف فيها قيمة النفس، ولا حرمة العهد. لم يكن رجلاً سيئاً بطبيعته، بل كان شاباً تائهاً، يبحث عن معنى، وعن متنفس في دنيا بدت له واسعة ومعقدة. لكنه كان يعرف، في قرارة نفسه، أن تلك الليلة التي التقى فيها بنورا كانت نقطة تحول، كانت ضوءاً هدى سفينته التائهة.
ولكن الآن، بدا أن قارب نوره يواجه عاصفة جديدة، عاصفة تأتي من الداخل، من ذكريات مؤلمة، ومن ممارسات يأس. علبة السجائر، التي كانت ملاذه الآمن، أصبحت سجنه. كل سيجارة يشعلها، كانت وكأنها شهادة على فشله. هل ستبدأ علاقته بنورا، علاقة طال انتظارها، على هذه الرماد؟
كان يتذكر حديث الشيخ أحمد، نظرة الوالد القلقة. كان الابن الصالح، الابن الذي يعتز به. كيف يواجه أباه بهذا الضعف؟ وكيف يواجه نورا، تلك الروح النقية التي استودعها قلبه، بشيء من هذا؟
فجأة، رن هاتفه. كانت نورا. ابتسم ابتسامة مصطنعة، وحاول أن يضبط نبرة صوته. "مرحباً يا نورا، صباح الخير." "صباح النور يا طارق. كيف حالك؟ سمعت أنك لم تنم جيداً." "لا بأس، فقط بعض التفكير في العمل." "ولكنك تحدثت بصوت متعب، وقلقتني." "اطمئني يا حبيبتي. غداً، سأكون بجانبك، وسأخبرك بكل شيء."
"بكل شيء؟" سألت نورا بتردد. "هل هناك شيء تخفيه عني؟" كان صمت طارق أطول من المعتاد. "ليس شيئاً سيئاً، فقط... أحتاج إلى أن أكون صادقاً معك تماماً قبل أن نخطو خطواتنا الأخيرة نحو الزواج. هناك أمور... من الماضي." كانت نورا تشعر ببرودة تسري في عروقها. "أمور من الماضي؟" "نعم. أشياء... لم أفعلها بشكل صائب. أشياء قد تؤثر علينا. أريد أن أكون مستعداً لمشاركتها معك، ولكنني لم أستطع بعد." "طارق، أنا أحبك. وأثق بك. مهما كان، سنتجاوزه معاً. ولكن... الرجاء لا تبعدني عنك." "لن أفعل، أبداً." قال طارق، ولكن صوته كان يرتجف.
بعد المكالمة، شعر طارق بإرهاق أكبر. كان قرار مشاركة ماضيه مع نورا مؤلماً، لكنه كان ضرورياً. كان يخشى رد فعلها، يخشى أن ترى فيه ما لم تكن تتوقعه. لكن حبه لها، واحترامه لرابط الزواج الذي سيجمعهما، كانا أقوى من خوفه.
في المساء، وبينما كان يستعد للخروج لمقابلة نورا، استلم رسالة أخرى من نفس العنوان المجهول. كانت عبارة عن صورة واحدة جديدة، تظهره وهو يخرج من نفس الحانة، ويبدو عليه الانشغال والتعب. لم تكن مفاجأة، بل كانت تهديداً. من كان هذا الشخص؟ ولماذا يحاول زرع الشقاق بينه وبين نورا؟ هل هي مجرد محاولة للإيقاع به؟
وصل طارق إلى المكان المتفق عليه للقاء نورا. كانت تجلس في مقهى هادئ، تحت شجرة وارفة الظل، تبدو كأنها ملاك نزل إلى الأرض. عندما رآه، ابتسمت ابتسامتها الساحرة. "هل أنت بخير الآن؟" سألته بقلق. جلس طارق بجانبها، وأخذ نفساً عميقاً. "نورا، أنا هنا لأقول لك شيئاً. شيء كان يجب أن أقوله لك منذ زمن." نظرت إليه نورا بعينيها المليئتين بالحب والفضول. "أنا أستمع."
بدأ طارق يروي. بدأ يسرد حكاية شبابه، تلك السنوات الضائعة، تلك الرحلات التي كانت تبدو له وقتها هروباً من ضغوط الحياة. تحدث عن الأخطاء التي ارتكبها، عنضعفه أمام بعض المغريات، وعن كيف أنه لطالما حاول أن يتخلص من تلك العادات السيئة. كان صوته هادئاً، ممتلئاً بالندم، لكنه كان صادقاً. "ولكن يا نورا، منذ أن عرفتك، ومنذ أن أصبحتِ جزءاً من حياتي، تغير كل شيء. أصبحتِ بوصلتي، وضياء دربي. كل ما فعلته في الماضي، لم يكن لي، لم يكن لشخصي الحقيقي، الذي اكتشفته معك." ثم، وبصوت يغمره الحزن، تحدث عن تلك العادة السيئة التي لازال يصارعها، وعن تلك الصور. "أعلم أن هذا قد يصدمك، وقد يغير نظرتك لي. لكنني أردت أن أكون معك على نور، بدون أي ستار."
نظرت نورا إليه، وعيناها تلمعان بدموع خفيفة. لم تكن تبدو غاضبة، بل حزينة. "طارق..." قالت بصوت مرتعش. "أتفهم أنك كنت شاباً. وأنك مررت بظروف. ولكن... لماذا لم تخبرني من قبل؟" "خفت يا نورا. خفت أن أقول لك الحقيقة، فتفقدين الثقة بي. خفت أن أكون عبئاً عليك." "ولكنك لست عبئاً. أنت الرجل الذي أحبه، والذي أردت أن أبني معه مستقبلي. هل... هل هذه العادة لا تزال موجودة؟"
كان السؤال الأصعب. تردد طارق. رأى وجه نورا، ورأى مدى حبها وثقتها. لم يستطع أن يكذب. "نعم يا نورا. إنها لا تزال موجودة. إنها... كأنها شبح يلاحقني. ولكني أصارعها كل يوم."
انحنى رأس نورا. شعرت بخيبة أمل، لكن حبها لم يخفت. كانت تعلم أن الطريق إلى الكمال ليس سهلاً، وأن الصراع مع النفس هو أعظم الجهاد. "طارق، أنا أحبك. وأعلم أنك صادق معي الآن. ولكن... هذا الأمر يؤلمني. لأنه يتعلق بصحتك، وبمستقبلنا. كيف يمكنني أن أطمئن عليك، وأنت لا تزال تحت رحمة هذه العادة؟"
كانت كلماتها كالصاعقة. لم يكن يعلم أن الأمر سيصل إلى هذا الحد. لقد حسب حساب رد فعلها، لكنه لم يحسب حساب ألمها. "سأكون أفضل يا نورا، أعدك. سأكون أفضل لك. لأجلك." "ولكن، هل أنت مستعد حقاً؟ هل أنت مستعد للتغيير الكامل؟ لأنني لا أريد أن أعيش مع رجل لا يملك قوته الداخلية. لا أريد أن أرى ضعفك ينهش سعادتنا."
نظرت إليه نورا بعمق، وكأنها تبحث عن إجابة في عينيه. كان طارق يشعر ببرودة تتغلغل في قلبه. كان قد ألقى حجره في الماء، لكنه لم يكن يعرف أي أمواج سيخلق. كانت الرغبة القديمة، وأشباح الماضي، قد بدأت تلقي بظلالها القاتمة على نور حبهما.