الزوج المجهول الجزء الثاني
اللقاء العابر على جسر الأمل
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية الأخيرة على أفق مدينة الرياض، فتلقي بظلال طويلة أضفت على المباني الشاهقة هالة من السكون العميق. في هذا المساء الهادئ، كانت "ليلى" تسير بخطى متثاقلة على جسر المشاة الذي يربط بين أحد الأحياء السكنية الراقية ومركز المدينة التجاري. كانت تحمل حقيبة أنيقة، وفي عينين واسعتين خضراوين، تلألأت عوالم من الحزن المكبوت والتساؤلات بلا إجابات.
لم يكن المشي على هذا الجسر مجرد عبور مادي، بل كان أشبه برحلة روحية عبر مسافات الزمن. منذ أسابيع، أصبح هذا الجسر ملاذها الوحيد، المكان الذي تلتقي فيه بخيال زوجها الذي لم تعرفه حقًا. "عمر"، الاسم الذي صاغته بيديها مرارًا وتكرارًا في ذهنها، الزوج الذي اختارته لها عائلتها، والذي غاب قبل أن ترى وجهه، قبل أن تسمع صوته، قبل أن تتبادل معه حتى كلمة واحدة. زواج تم عن بعد، بروتوكولات، صور باهتة، ووعود مستقبلية غامضة.
اليوم، كان الحزن أثقل من المعتاد. في صندوق بريد منزلها، وجدت بطاقة أنيقة بخط عربي متقن، تحمل توقيع "عمر". لم تكن رسالة حب، بل إعلان عن وصول أوراقه الرسمية، وتأكيد على اقتراب موعد لقائهما المرتقب. أوراق رسمية، تذكرها بأنها باتت "زوجة" لرجل لا يعرف عنها شيئًا سوى اسمها ورقم هاتفها.
تنهدت ليلى بعمق، محاولة أن تستنشق عبق الياسمين الذي تفوح رائحته من الحدائق المطلة على الجسر. كان كل شيء حولها ينبض بالحياة، حركة السيارات المتدفقة في الشوارع، أضواء النيون المتلألئة، ضحكات الأطفال المتقطعة من نافذة قريبة. لكنها شعرت بأنها تقف على حافة عالم آخر، عالم من الوحدة والانتظار.
كانت قد أغلقت عينيها للحظة، تتخيل كيف سيكون وجهه. هل ستعجبه ابتسامتها؟ هل سيجد دفءًا في صوتها؟ أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسها، تدور بلا توقف، كدندنة أغنية قديمة لم تسمع كلماتها كاملة.
فجأة، شعرت بيد قوية تمسك بذراعها برفق، معتذرة. رفعت ليلى رأسها لتجد شابًا نحيلًا، يرتدي ثيابًا أنيقة، ويحمل حقيبة أوراق كبيرة. بدا متوترًا، وجهه شاحب قليلاً، وعيناه تلمعان بقلق.
"آسف جدًا، لم أنتبه لكِ. هل أنتِ بخير؟" سأل بصوت خفيض، فيه نبرة من القلق الصادق.
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. "لا بأس، كل شيء على ما يرام."
كانت نظراته ثابتة على وجهها، فيها شيء من الدهشة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خجولة. "يبدو أني كنت مستغرقًا في أفكاري. هذا المكان غالبًا ما يدفعني إلى ذلك."
"أنا أيضًا." قالت ليلى، وشعرت بوخزة من الفضول تجاه هذا الغريب. كان في عينيه لمعان يشبه لمعان الأحلام المؤجلة.
"أنا 'أحمد'." قال، ومد يده إليها.
ترددت ليلى للحظة، ثم مدت يدها لتصافحه. "ليلى."
"ليلى." كرر الاسم بصوت فيه تأمل. "اسم جميل جدًا."
"شكرًا لك."
صمت قصير ساد بينهما، صمت لم يكن مريحًا بقدر ما كان يحمل ثقلًا غير مرئي. كانت ليلى تشعر بأنها في حلم، أو ربما في مشهد من فيلم سينمائي. هذا اللقاء المفاجئ، على هذا الجسر، مع هذا الغريب الذي بدا كأنه يحمل هموم العالم.
"هل أنتِ تنتظرين شيئًا؟" سأل أحمد، متطلعًا إلى الأفق الممتد أمامه.
"أنتظر... انتظارًا." أجابت ليلى، لم تستطع أن تخبره بالحقيقة. كيف لها أن تشرح له أنها تنتظر زوجًا لم تقابله قط؟
"الانتظار قد يكون صعبًا." قال أحمد، وكأنه يقرأ ما في قلبها. "ولكنه أحيانًا يكون الطريق إلى أجمل الأشياء."
نظرت إليه ليلى بدهشة. "هل تؤمن بذلك؟"
"أؤمن بأن لكل شيء وقته." أجاب، ثم أضاف بابتسامة عريضة، "حتى لو طال الانتظار."
كانت الشمس قد غابت تمامًا، وبدأت الأضواء تتوهج في المدينة كنجوم ساقطة. شعر أحمد بأن الوقت قد حان. "لقد كان لقاءً لطيفًا، ليلى. أتمنى لكِ كل التوفيق."
"وأنت أيضًا، أحمد."
وقف الاثنان للحظة، وكأن كل منهما يبحث في الآخر عن شيء ما. شيء مفقود، أو ربما شيء منتظر. ثم، انصرف أحمد في اتجاه، وليلى في اتجاه آخر، تاركين خلفهما خيوطًا غير مرئية من الأسئلة المتبقية.
عندما وصلت ليلى إلى باب منزلها، لم تستطع أن تنسى وجه أحمد، أو كلماته. هل كان هذا مجرد لقاء عابر، أم بذرة لشيء أكبر؟ شعرت بقلبها يخفق بقوة، بخليط من الأمل والقلق. ففي غمضة عين، وُجدت في بداية طريق جديد، على جسر الأمل، حيث تلتقي المصائر المجهولة.