الزوج المجهول الجزء الثاني

لقاء على ضفاف الذكريات

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الصباح الأولى تداعب أوراق الشجر في بستان قصر والدها، تهمس بأسرار الليل الذي ولّى، وتعلن عن قدوم يوم جديد ينسج خيوطه القدر. جلست نوران بجوار النافذة المطلة على البستان، تحتسي فنجان قهوتها الممزوجة بعبق الهيل، وقلبها ينبض بتساؤلات لم تجد لها إجابات بعد. مرت شهور على زواجها من "الزوج المجهول"، الذي لم تكشف له عن حقيقية مشاعرها، والذي بدوره حافظ على مسافة مهذبة، تتركها تحوم في فلك الغموض، تارة تشعر بالأمان، وتارة أخرى بالحيرة.

تذكرت الأيام الأولى، اللقاءات القليلة التي جمعتها به، كان حديثه رصيناً، وكلماته مختارة بعناية، وكأنها خرجت من قلب حكيم. كان يراقبها بنظرات عميقة، يقرأ ما تخبئه عيناها دون أن يطلب منها البوح. كان هذا الغموض هو ما جذبها إليه في البداية، ولكنه الآن أصبح سداً يحول بينهما وبين التقارب المنشود.

"صباح الخير يا ابنتي."

التفتت نوران لتجد والدتها تقف عند الباب، وقد تزين وجهها ابتسامة حانية.

"صباح النور يا أمي."

اقتربت الأم وجلست بجانبها، أمسكت بيدها بحنان. "ما الذي يشغل بالك يا حبيبتي؟ أرى طيفاً من الحزن يخيم على عينيك."

تنهدت نوران، وبدأت تسرد ما يجول في خاطرها، دون أن تبوح بالاسم. "إنه أمر يتعلق بالزواج، يا أمي. شعور بالغربة، رغم وجود الزوج. وكأن هناك جداراً غير مرئي يفصل بين القلبين."

ابتسمت الأم ابتسامة واسعة، وقالت: "يا نوران، كل علاقة زوجية تحتاج إلى وقت لتنمو. الزهور لا تتفتح بين عشية وضحاها. والثقة لا تُبنى ببضع كلمات. والرجال، يا ابنتي، غالبًا ما يحتاجون إلى إشارة واضحة، إلى جرأة منكِ لتجاوز حذرهم. لا تتوقعي أن يقرأوا أفكاركِ، ولا أن يكشفوا عن دواخلهم إذا بقيتِ أنتِ محتجبة."

"ولكن كيف أبدأ؟ كيف أفتح قلبي لمن لا أعرف عنه إلا القليل؟" سألت نوران، وعيناها تلمعان ببريق الأمل الممزوج بالخوف.

"ابدئي بالصدق، يا عزيزتي. الصدق مع النفس أولاً، ثم مع الشريك. احكي له عن أحلامك، عن مخاوفك، عن شغفك. اسأليه عن حياته، عن طموحاته. اجعليه يشعر بأنكِ ترغبين حقاً في معرفته، لا كزوج فقط، بل كإنسان. والتقرب ينمو بالحديث، وبالاهتمام، وبالتقدير. وتذكري، الزواج سكن ومودة ورحمة، وهذا يتطلب مجهوداً من الطرفين."

شعرت نوران ببعض الراحة بعد حديث والدتها. ربما كانت تخشى الخطوة الأولى، ربما كانت تنتظر منه أن يبادر دائماً. كانت تفكر في "الزوج المجهول"، في هدوئه، في احترامه، وفي الغموض الذي يلفه. هل كان هذا الغموض بسبب تحفظه، أم بسبب تحفظها هي؟

في هذه الأثناء، كان "الزوج المجهول"، واسمه "فارس"، يقف في مكتبه الفخم، يحدق في تقرير مالي بين يديه. لكن عينيه لم تكن ترى الأرقام، بل كانت تتوه في دوامة من الأفكار. كانت علاقته بنوران تسير ببطء، أبطأ مما كان يشتهي. كان يحب هدوءها، وحكمتها، وطريقتها في التفكير. ولكن هل كانت تشعر بنفس الشيء؟ هل كان صمته وتردده في التعبير عن مشاعره، يقابله صمت وتردد منها؟

كان فارس رجلاً بنى نفسه بنفسه. كان طموحاً، ومجتهداً، وكان يحرص دائماً على الكمال في كل ما يقوم به. لكن الكمال في العمل لم يضمن له الكمال في العلاقات الإنسانية. كان يعتقد أن الزواج هو تكريم مقدس، وحياة مشتركة تبنى على الاحترام والثقة، وأن الخطوات الأولى يجب أن تكون واعية ومدروسة. كان يحترم نوران كثيراً، ويخشى أن يفقد احترامها بتهور.

تذكر لقاءه الأخير بها، عندما جلسا معاً يتناولان العشاء في أحد المطاعم الهادئة. كانت تتحدث عن شغفها بالقراءة، وعن أحلامها في تأسيس مكتبة صغيرة. كانت عيناها تضيء وهي تتحدث، وكان قلبه يشعر بدفء غريب. كان يرغب في أن يمسك بيدها، أن يقول لها كم هي جميلة، وكم هو معجب بها. لكنه قيد نفسه، وخشي أن تكون هذه المشاعر سابقة لأوانها.

"سيدي فارس، السيد أحمد على الهاتف."

أفاق فارس من شروده على صوت مساعده. "شكراً لك."

أخذ فارس سماعة الهاتف. "أهلاً بك يا أبي."

"كيف حالك يا بني؟ كيف تسير الأمور؟" كان صوت والده يحمل نبرة القلق المعهودة.

"الحمد لله يا أبي، كل شيء على ما يرام. الأعمال تسير على قدم وساق."

"هذا جيد. ولكن ماذا عن حياتك الشخصية؟ هل بدأت تمنحها بعض الاهتمام؟"

شعر فارس بضيق خفيف. كان والده يلح عليه دائماً بشأن الزواج، حتى قبل أن يتزوج من نوران. "أنا متزوج يا أبي، وقد تحدثنا في هذا الأمر."

"الزواج ليس مجرد عقد يا بني. إنه حياة. هل أنت سعيد؟ هل بنيت جسراً من المودة مع زوجتك؟"

"نحن نتعرف على بعضنا البعض يا أبي. الأمور تأخذ وقتها."

"الوقت ثمين يا بني، ولا يجب أن يضيع في التردد. نوران فتاة طيبة، وابنة رجل طيب. لا تترك الفرصة تفلت من يدك."

"أنا أعرف ذلك يا أبي."

أنهى فارس المكالمة، وشعر بثقل المسؤولية. لقد حان الوقت حقاً، ربما، لتجاوز هذه المسافة، وبناء ذلك الجسر الذي تحدث عنه والده. لكن كيف؟

في المساء، وبينما كانت نوران تساعد والدتها في إعداد الحلوى، رن هاتفها. كان فارس.

"مرحباً يا نوران."

"مرحباً فارس. كيف حالك؟"

"بخير والحمد لله. كنت أرغب في سؤالك، هل لديكِ وقت غداً بعد الظهيرة؟"

توقفت نوران عن تقليب خليط الحلوى، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع. "نعم، لدي وقت. لماذا؟"

"أردت أن نقضي بعض الوقت معاً. أن نتمشى قليلاً في الحديقة، أو ربما نجلس في مكان هادئ. ما رأيك؟"

ابتسمت نوران، شعور بالأمل غمرها. "هذا يبدو رائعاً. أنا موافقة."

"عظيم. إذاً، سأمر عليكِ بعد صلاة العصر."

"حسناً."

أغلقت نوران الهاتف، وشعرت بأنها على وشك اتخاذ خطوة جريئة. ربما كان حديث والدتها هو الشرارة التي احتاجتها. ربما حان الوقت لتبدأ هي أيضاً في بناء الجسر، وليس الانتظار لتبنيه وحدها. كانت نسمات المساء قد بدأت تهب، تحمل معها وعداً بلقاء قد يغير مجرى حياتهما، لقاء على ضفاف الذكريات، يمهد لمستقبل مجهول.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%