الزوج المجهول الجزء الثاني

أسرار تطفو على السطح

بقلم مريم الحسن

كانت سماء الرياض في ذلك المساء تزدان بلون غروب بديع، يخضب الغيوم بخيوط برتقالية وحمراء، كأنها لوحة فنية رسمتها يد الخالق ببراعة. جلست ليلى على شرفة منزلها، تتأمل هذا المشهد الذي كان يبعث في نفسها مزيجاً من السكينة والقلق. منذ عودة زياد من سفره المفاجئ، لم تهدأ روحها. كان هناك شيء في عينيه، في كلماته المختصرة، في طريقة تجنبه للنظر إليها مباشرة، يوحي بأن ثمة ما هو أعمق من مجرد متاعب العمل.

لم يمضِ وقت طويل حتى سمعت صوت خطواته تقترب. توقف في إطار الباب، وقد علت وجهه حمرة خفيفة. "هل أزعجتكِ؟" سأل بصوت حاول جعله هادئاً، لكنه لم يستطع إخفاء نبرة التردد فيه.

"لا أبداً يا زياد. كنتُ فقط أستمتع بالهواء" أجابت ليلى، محاولةً زرع بعض الارتياح في نبرتها. "متى عدت؟"

"قبل قليل" أجاب، ثم تقدم بخطوات مترددة وجلس على مقعد قريب. الصمت الذي تلا ذلك كان أثقل من أن يحتمله أحد. ليلى شعرت بأن قلبها يدق بعنف، كأنه يحاول الفرار من صدرها. كانت تعرف أن هذه اللحظة حتمية، وأن الأسرار التي كانت تحوم كالسحب السوداء بدأت تتبدد لتكشف عن حقائق مؤلمة.

"ليلى" بدأ زياد، وهو ينظر إلى يديه المتشابكتين. "هناك شيء كان عليّ أن أخبركِ به منذ فترة. شيءٌ ثقيلٌ يثقل كاهلي."

أخذت ليلى نفساً عميقاً. "أنا أستمع يا زياد."

"أنتِ تعلمين أنني سافرتُ إلى الخارج للبحث عن حل لمشكلةٍ عائليةٍ قديمة." توقف للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "ولكن الأمر لم يكن متعلقاً بتلك المشكلة وحدها. كان هناك سببٌ آخر، سببٌ يجعلني أخشى أن تهتزي ثقتكِ بي."

تجمّدت ليلى في مكانها. "ماذا تقصد؟" سألت بصوتٍ بالكاد خرج.

"الحقيقة هي..." بدأ زياد، ثم انتفضت من مكانها نافذةٌ مفاجئةٌ في الشرفة، وحطّ عليها طائرٌ كبير، محدثاً صوتاً جعل قلبيها يخفقان بعنف. استغل زياد هذا الارتباك ليجمع شتات نفسه. "الحقيقة هي أنني كنتُ أبحث عن شيءٍ يتعلق بماضي والدي. لقد اكتشفتُ، بالصدفة، وثائق تثبت أن هناك زواجاً سابقاً له، زواج لم يكن يعلمه أحد، لا أمي ولا أنا."

اتسعت عينا ليلى بصدمة. "زواج سابق؟ لوالدك؟"

"نعم. ولم يكن هذا الزواج مجرد علاقة عابرة، بل كان لديه منه أبناء." قال زياد، وبدت الكلمات تخرج منه بصعوبة بالغة، كأنها أشواكٌ تخرج من حلقه. "هؤلاء الأبناء، هم الآن رجالٌ ونساءٌ، وليست لديهم أي فكرة عن والدهم، وعن حقهم في ميراثه. وقد وجدتُ آثارهم، وأشعر بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تجاههم."

شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. كيف يمكن لهذا الأمر أن يحدث؟ والد زياد، الرجل الوقور الذي لطالما أحبته، والذي كان يمثل لها نموذجاً للأخلاق والنزاهة، يخفي سراً كهذا؟ "ولكن... لماذا لم تخبرني؟ ولماذا كل هذا السرية؟"

"كنتُ أخشى أن يؤثر هذا الاكتشاف علينا. أخشى أن تتغير نظرتكِ إليّ، أو إلى عائلتي. الأمر معقدٌ جداً، ولا أستطيع حتى الآن استيعاب كل تبعاته." تابع زياد. "لقد حاولتُ أن أصل إليهم بهدوء، دون أن يحدث ضجة. ولكن الأمور تعقدت أكثر. أحدهم، وهو رجلٌ يدعى فارس، كان يبدو أنه يعرف شيئاً عن هذا الزواج. وعندما حاولتُ التواصل معه، اكتشف أنني لستُ الوحيد الذي يبحث عن هذه الحقيقة."

"فارس؟" تكررت ليلى الاسم، وكأنها تبحث عن رابط. "هل هو نفس فارس الذي قابلناه في ذلك الحفل؟"

"نعم، هو هو." أجاب زياد، وبدت نبرته تمتلئ بالحذر. "لقد بدأتُ أشك في نواياه. يبدو أنه لا يبحث عن حقٍ لأبنائه، بل يبحث عن شيءٍ آخر. شيءٌ يجعلني أتخوف من أن تكون أفعاله مرتبطةٌ بما حدث لكِ في الماضي، يا ليلى."

كانت هذه الجملة الأخيرة كالصاعقة. ربط زياد بين هذا السر العائلي الخطير وبين حادثة الاعتداء التي تعرضت لها قبل سنوات، حادثةٌ كان الجميع قد اعتقدوا أنها مجرد محاولة سرقة عادية. "ماذا تقصد؟ هل تعتقد أن له علاقة بما حدث لي؟" سألت ليلى، وصوتها يرتجف.

"لا أستطيع التأكيد، ولكن هناك خيوطٌ تربط بين الأشخاص الذين تحدثتُ معهم هناك، وبين بعض الحقائق الغامضة التي تتعلق بتاريخ عائلتي. وأخشى أن يكون هذا فارس هو المفتاح لكل هذه الألغاز." قال زياد، ثم نظر إليها مباشرةً، وعيناه تلمعان بمزيجٍ من الألم واليقين. "لقد علمتُ أيضاً، وهو ما يزال قيد التأكيد، أن هذا فارس هو نفسه الرجل الذي كنتم تتحدثون عنه، الرجل الذي كان يضايقكِ في السابق، وهو نفس الرجل الذي حاولتُ حمايتكِ منه دون أن تعلمي."

وقفت ليلى، وقلبها يخفق بعنف، وعقلها يغرق في بحرٍ من الأسئلة. كانت تتذكر تلك الأيام القليلة التي سبقت حادثة الاعتداء، الأيام التي شعرت فيها بأن أحداً يراقبها، بأن هناك ظلاً يتبعها. هل كان هذا الظل هو فارس؟ هل كان كل هذا مجرد صدفة؟ أم أن هناك مؤامرةً أعمق من ذلك بكثير؟

"يعني... هل تعني أن زواجكِ بي، ووجودي معكِ، وكل هذا... كان جزءاً من خطة؟" سألت ليلى، والألم بدأ يتسلل إلى صوتها.

"لا، لا أبداً يا ليلى!" هتف زياد، ووقف أمامها، ممسكاً بيديها. "زواجنا كان قراراً نابعاً من القلب. وكل ما شعرتُ به تجاهكِ كان حقيقياً. ولكن، هذه الحقائق التي ظهرت، جعلتني أرى الأمور من زاويةٍ مختلفة. جعلتني أفكر فيما إذا كانت هناك أطرافٌ أخرى تسعى للتأثير على حياتنا، سواءً بحمايةٍ أو بخطر."

"ولكن... لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم تخبرني منذ البداية؟ لماذا تركتني أعيش في وهم؟" بدأت الدموع تتجمع في عيني ليلى.

"كنتُ أحاول حمايتكِ. كنتُ أحاول أن أجد حلاً لكل هذه المشاكل قبل أن تصل إليكِ. ولكن يبدو أنني فشلت. يبدو أن هذه الأسرار لم تعد تحتمل الانتظار." قال زياد، وقد غمرته مشاعر الأسف. "لقد علمتُ أيضاً أن فارس كان يملك معلوماتٍ تخصكِ، معلوماتٌ لا ينبغي لأحدٍ أن يملكها. وهذا ما جعلني أشك في أن ارتباطه بعائلتي ليس محض صدفة."

كانت الحقيقة كصخرةٍ تلقى في مياه هادئة، تحدث موجاتٍ متلاطمة. ليلى شعرت بأن عالمها الذي بنته مع زياد، عالمٌ مبنيٌ على الثقة والمشاعر الصادقة، بدأ يتصدع. هل كان هذا الحب الذي شعرت به تجاهه مجرد وهم؟ هل كانت كل هذه المشاعر مجرد لعبة؟

"أنا... أنا بحاجةٍ إلى بعض الوقت لأفكر." قالت ليلى، وهي تسحب يديها من بين يديه. "لا أستطيع الآن استيعاب كل هذا."

"أتفهم ذلك." أجاب زياد، وقد غطت وجهه علامات اليأس. "لكن أرجوكِ، لا تدعي هذا الأمر يفرق بيننا. أريد أن نحله سوياً."

نظرت ليلى إليه، ورأت في عينيه صدقاً مؤلماً. ولكن الشك كان قد بدأ يتغلغل في قلبها، كالسم البطيء. لم تعد تعرف ما هو الحقيقي وما هو المزيف. هل كانت مشاعر زياد صادقة؟ هل كانت تصرفاته نابعةً من حبٍ أم من خطة؟

"سأتحدث معك لاحقاً." قالت ليلى، وهي تتجه نحو باب غرفتها. قبل أن تغلقه، التفتت مرةً أخيرةً إلى زياد. "هل أنت متأكدٌ تماماً من أن فارس هو نفسه الشخص الذي كنتِ قلقةً منه؟"

"أنا متأكدٌ تقريباً." أجاب زياد. "لكنني سأبذل قصارى جهدي للتأكد من كل شيء."

أغلقت ليلى الباب، وتركت زياد واقفاً وحيداً في الشرفة، تحت سماءٍ لم تعد تمنح السكينة، بل تحمل في طياتها أسراراً مظلمة. كانت ليلى تشعر بأنها في قلب عاصفةٍ هوجاء، لا تعرف كيف تخرج منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%