الزوج المجهول الجزء الثاني

ظلال الماضي وتساؤلات الحاضر

بقلم مريم الحسن

بعد أن انصرفت ليلى إلى غرفتها، تاركةً زياد واقفاً تحت وهج غروب الشفق، استبدّ به شعورٌ عميقٌ بالوحدة والقلق. لم يكن يفكر فقط في كيفية مواجهة هذه الحقائق مع ليلى، بل كان يفكر أيضاً في التداعيات المستقبلية لاكتشافه هذا السر العائلي. كان يعلم أن الكشف عن أبناء والده غير الشرعيين سيحدث هزّةً كبيرةً في أوساط العائلة، وقد يثير الكثير من الجدل والصراعات.

عاد زياد إلى غرفة الجلوس، وجلس على الأريكة، يقلّب في هاتفه بعينين زائغتين. كانت رسائل والدته تنهال عليه، تسأله عن موعد عودته، وعما إذا كان قد حلّ مشاكله. ابتسم بسخرية. كيف لها أن تعلم أن المشاكل قد تضاعفت، وأن كل شيءٍ قد انقلب رأساً على عقب؟

فتح صورته مع ليلى على هاتفه. كانت تلك الصورة التقطت قبل أسابيع قليلة، وهما يضحكان في حديقةٍ عامة. في تلك اللحظة، كان يشعر بالسعادة المطلقة، وبأن حياته قد اكتملت بوجودها. الآن، كل شيءٍ يبدو ضبابياً، وكل خطوةٍ محسوبة.

"هل فعلتُ الصواب؟" تمتم زياد لنفسه، وهو يتذكر نظرة ليلى المشوشة والمتألمة. كان يعلم أن صدقه هو الحل الوحيد، لكنه كان يخشى أن يكون هذا الصدق ثقيلاً جداً على قلبها.

في تلك الأثناء، كانت ليلى تجلس على طرف سريرها، تحتضن وسادتها، وعيناها تبحران في فراغ الغرفة. لم تكن قادرةً على استيعاب حجم ما حدث. والد زياد، الرجل الذي كانت تكنّ له احتراماً وتقديراً كبيرين، كان لديه عائلةٌ أخرى لم يعرفها أحد؟ وكيف لهذا الأمر أن يرتبط بفارس، الرجل الذي كان يسبب لها القلق في الماضي؟

تذكرت تلك الأيام قبل سنوات، عندما شعرت بأن أحداً يترصدها. كانت تلاحقها نظراتٌ غريبة، وتأتيهما رسائلٌ مجهولة. في ذلك الوقت، اعتقدت أنها مجرد وساوس. لكن الآن، وبعد كلام زياد، بدأت تربط الخيوط. هل كان فارس هو من كان يفعل ذلك؟ ولماذا؟

"من هو فارس حقاً؟" تساءلت ليلى بصوتٍ متهدج. لم يكن مجرد شخصٍ عابرٍ قابلته في حفلٍ. يبدو أنه كان جزءاً من شبكةٍ معقدةٍ من الأسرار والعلاقات.

فكرت في زياد. هل كان يقول الحقيقة كاملة؟ هل كان يخفي عنها شيئاً آخر؟ في تلك اللحظة، شعرت بخيانةٍ خفية. لماذا لم يخبرها منذ البداية؟ لماذا تركها تعيش في هذه الفترة الطويلة من عدم اليقين؟

"هل كان كل شيءٍ مجرد تمثيل؟" سألت نفسها، وهي تشعر بمرارةٍ تتسلل إلى حلقها. كانت تتذكر تلك اللحظات الرومانسية، كلمات الحب، نظرات الإعجاب. هل كانت كلها مجرد أوهام؟

خرجت ليلى من غرفتها، وتوجهت نحو غرفة الجلوس. وجدت زياد لا يزال جالساً، يتأمل هاتفه. اقتربت منه بخطواتٍ هادئة، وبدا وكأنها اكتسبت بعض الشجاعة.

"زياد" نادت بصوتٍ خافت.

انتفض زياد من مكانه، ونظر إليها ببعض الدهشة. "ليلى؟ هل أنتِ بخير؟"

"أحتاج إلى أن أفهم أكثر." قالت ليلى، وجلست بجانبه. "قل لي كل شيءٍ تعرفه عن فارس. كل تفصيلٍ صغير."

نظر زياد إليها، ورأى في عينيها إصراراً ورغبةً في فهم الحقيقة. هذا أعطاه بعض الأمل. "حسناً. منذ فترةٍ، أثناء بحثي عن الوثائق المتعلقة بزواج والدي، اكتشفتُ أن هناك سيدةً تدعى 'نورة' كانت قد تزوجت والدي سراً قبل فترةٍ طويلة. وبعد بحثٍ دقيق، وجدتُ أن لها ولدين، هما فارس ولينا."

"لينا؟" سألت ليلى.

"نعم. ولم يكن والدي على علمٍ بأنهما أبناؤه. اكتشفنا ذلك لاحقاً، وبدأنا نجمع الأدلة. لكن عندما حاولنا التواصل مع فارس، اكتشفنا أنه رجلٌ ذو ماضٍ غامض. لقد حاولنا أن نكشف عن الأمر بهدوء، لتجنب أي مشاكل. لكنه، على ما يبدو، لديه أجندته الخاصة."

"وما هي أجندته؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن القصة تزداد تعقيداً.

"هذا ما أحاول فهمه. لقد علمتُ من بعض المعارف أن فارس قد كان له اهتمامٌ سابقٌ ببعض الشركات التي تعمل بها عائلتنا. وهو الآن، يبدو أنه يحاول الحصول على معلوماتٍ عن ممتلكات والدي. لكن ما يقلقني حقاً هو أنني اكتشفتُ، من خلال تحليلٍ لبعض الأوراق القديمة، أن هناك تواصلاً بين فارس وبين شخصٍ كان له دورٌ في حادثةٍ تعرضتِ لها في الماضي."

ارتعش جسد ليلى. "أي حادثة؟"

"حادثة الاعتداء التي تعرضتِ لها قبل سنوات. كان يبدو أن أحد الأشخاص الذين تعاون معهم فارس، كان له دورٌ في التخطيط لتلك الحادثة. وهذا ما يجعلني أشك في أن الأمر ليس مجرد صدفة، وأن فارس كان على علمٍ بأنني والدكِ، وربما كان يحاول استغلال معرفته بكِ."

"يعني... هل تعتقد أن فارس كان يراقبني؟" سألت ليلى، وشعرت بالذعر.

"أخشى ذلك. لقد حاولتُ أن أبعدكِ عنه، وأن أمنع أي تواصلٍ بينكما. عندما أقدمتُ على خطبةٍ سريعة، كان جزءٌ من ذلك الخوف. كنتُ أحاول أن أجعلكِ بعيدةً عن أي خطرٍ محتمل." قال زياد، وقد بدت نبرته مليئةً بالأسف. "ثم عندما سافرتُ، كنتُ أجمع المزيد من المعلومات، وأحاول أن أفهم كل خيوط هذه القصة."

"ولكن لماذا لم تخبرني؟" كررت ليلى السؤال، وهي تشعر بأن هذه النقطة هي محور الألم.

"كنتُ أخاف. أخاف أن أخيفكِ، أو أن أجعل حياتكِ أكثر تعقيداً. أردتُ أن أحمي نفسي، وأن أحميكِ. لكنني الآن أدرك أن إخفاء الحقيقة كان خطأً فادحاً." أجاب زياد، وقد غطت وجهه علامات الندم. "لقد علمتُ أيضاً أن فارس ولينا هما الوريثان الشرعيان لجزءٍ من ميراث والدي. والأمر معقدٌ جداً من الناحية القانونية. ولكن الأهم الآن هو أننا بحاجةٍ إلى فهم دوافع فارس، وماذا يريد حقاً."

"هل هو جشع؟" سألت ليلى.

"ربما. أو ربما لديه أسبابٌ أخرى. لقد سمعتُ أن والدته، نورة، كانت سيدةً طيبة، ولكنها عانت كثيراً في حياتها. ربما يحاول فارس استعادة ما فقده، أو ما يعتقد أنه حقٌ له." قال زياد. "ولكن لا يمكننا أن نغفل عن احتمالية وجود نوايا سيئة. خاصةً مع ارتباطه بما حدث لكِ."

"وماذا سنفعل الآن؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن مصيرها مرتبطٌ بهذا اللغز المعقد.

"يجب أن نكون أقوياء. يجب أن نفهم كل شيء. وأن نواجه هذا الخطر معاً. لقد حاولتُ أن أصل إلى لينا، أخت فارس. إنها تبدو سيدةً لطيفة، ربما تكون المفتاح لفهم دوافع شقيقها." قال زياد. "لكن علينا أن نتحرك بحذر. فإذا كان فارس على علمٍ بأننا نحاول كشف أسراره، فقد يتخذ إجراءاتٍ خطيرة."

نظرت ليلى إلى زياد، وشعرت بأن الأمل بدأ يعود إليها. كان صدقه، وإن كان مؤلماً، أفضل من أي وهم. كانا معاً الآن، يواجهان هذا التحدي. "أنا معك، زياد." قالت ليلى، وقد استجمعّت رباطة جأشها. "سنجد الحقيقة، وسنتجاوز هذا معاً."

ابتسم زياد ابتسامةً باهتة. "أنا سعيدٌ لسماع ذلك. يجب أن نكون فريقاً قوياً."

في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الغرفة، ودخلت والدة زياد، السيدة نورة. كانت ترتدي ثوب نومٍ فضفاضاً، وقد علا وجهها تعابير القلق. "ما الذي يحدث هنا؟ سمعتُ أصواتكما العالية. هل هناك مشكلة؟"

تجمد زياد وليلى في مكانهما. كانا يعلمان أن اللحظة قد حانت. اللحظة التي يجب أن تواجه فيها العائلة هذا السر الذي ظلت تخفيه لعقود.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%