الزوج المجهول الجزء الثاني
صدى الغيرة وهمسات الشك
بقلم مريم الحسن
بعد لقائه الأول بـ "ليلى"، شعر "عمر" بشعور غريب لم يعهده من قبل. لم يكن مجرد شعور بالواجب تجاه زوجته المستقبلية، بل كان هناك شيء أعمق، شيء بدأ ينمو في داخله. كانت ليلى، ببساطة، مختلفة. هدوؤها، عفافها، عمق تفكيرها، كل ذلك أثر فيه بشكل كبير.
لكنه كان يعلم أن حياته مليئة بالتحديات. كانت شركته على وشك إبرام صفقة كبيرة، تتطلب منه سفرًا متكررًا إلى الخارج. كان عليه أن يوازن بين حياته المهنية وواجباته الزوجية، وهو أمر لم يكن بالسهولة بمكان.
في أحد الأيام، تلقى عمر اتصالًا من شقيقته "سارة". سارة، التي كانت دائمًا ما تشعر بالغيرة من نجاحه، ومن اهتمامه بالعائلة.
"عمر، هل سمعت آخر الأخبار؟" سألت سارة بصوت فيه تلميح من السعادة الخبيثة.
"أي أخبار؟" سأل عمر بفتور.
"لقد رأيت ليلى بالأمس، كانت في المقهى المجاور لعملي، بصحبة شاب. كانا يتحدثان بحميمية شديدة."
تجمد عمر في مكانه. "شاب؟ أي شاب؟"
"لا أعرف اسمه، لكنه كان يبدو شابًا أنيقًا. كانا يضحكان ويتحدثان وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل."
شعرت غيرة مفاجئة تغزو قلب عمر. هل كانت ليلى تخونه قبل حتى أن تبدأ حياتهما الزوجية؟ هل كانت تلك الابتسامة التي رآها في عينيها مجرد تمثيل؟
"هل أنتِ متأكدة مما رأيتِ؟" سأل عمر بصوت فيه نبرة من الشك.
"بالطبع أنا متأكدة. أنا لم أكن لأقول لك هذا لو لم أره بأم عيني." قالت سارة، وضحت على صوتها نبرة تأكيد.
أنهى عمر المكالمة، وهو يشعر بغضب داخلي عارم. لقد كان على وشك السفر في رحلة عمل حاسمة، وكان هذا الخبر كالصاعقة. بدأ يتذكر لقاءه بليلى على الجسر، والحديث الذي دار بينهما. هل كان ذلك الشاب هو نفسه الذي قابلته على الجسر؟ هل كانت ليلى تعرفه منذ فترة؟
في نفس الوقت، كانت ليلى تشعر بالتوتر. كانت تستعد لرحلة عمر، وتريد أن تطمئنه، وأن تبين له أنها تدرك أهمية هذه الصفقة. لكنها كانت تشعر أيضًا بأن هناك شيئًا ما يزعج عمر. كان يتحدث معها بأدب، لكن صوته كان يحمل نبرة من البرود.
"عمر، هل أنت بخير؟" سألت ليلى في أحد الأيام.
"نعم، أنا بخير. لماذا تسألين؟" رد عمر بفتور.
"تبدو قلقًا بعض الشيء. هل هناك ما يزعجك؟"
"لا شيء. ربما مجرد ضغوط العمل." قال عمر، لكنه كان يشعر بالشك ينهش قلبه.
حاول عمر أن يتصل ببعض أصدقائه في الحي الذي تسكن فيه ليلى. سأل عن شقتها، وعن طبيعة حياتها. أخبروه بأنها فتاة هادئة، ومنعزلة، لكنهم لم يذكروا شيئًا عن أي شاب معها.
كان عمر يعلم أن سارة قد تكون حسودة، وأنها قد تختلق القصص. لكن كلماتها تركت في نفسه أثرًا لا يمكن محوه. كان عليه أن يتأكد.
قرر عمر أن يؤجل رحلته ليومين. أراد أن يقضي بعض الوقت مع ليلى، وأن يراقبها عن كثب. كان يشعر بأنه يكذب على نفسه، بأنه لا يثق بزوجته المستقبلية. لكن الغيرة والخوف كانا أقوى منه.
في أحد الأيام، بينما كان عمر يتجول في الحي الذي تسكن فيه ليلى، رأى ليلى وهي تخرج من المقهى. توقف بسيارته، ورآها تتحدث مع شاب. كان الشاب يبتسم، وليلى كانت ترد عليه بابتسامة هادئة. كان الأمر يبدو طبيعيًا، لكنه لم يستطع أن يتخلص من شعور بالضيق.
"هل هذا الشاب هو نفسه الذي تحدثت عنه سارة؟" تساءل عمر في نفسه.
اقترب عمر بسيارته، ونزل منها. اقترب منهما.
"ليلى؟" نادى عمر بصوت فيه نبرة من المفاجأة.
التفتت ليلى، ورأت عمر. بدا عليها الارتباك.
"عمر؟ ما الذي تفعله هنا؟"
"كنت أتمشى في المنطقة." قال عمر، ونظر إلى الشاب الواقف بجانبها. "هل هذا صديق لك؟"
ابتسم الشاب. "نعم، أنا 'أحمد'. لقد كنت أتحدث مع ليلى عن بعض الكتب التي قرأناها."
"أحمد؟" كرر عمر الاسم، وشعر بشيء من الارتياح. هل كان هذا الشاب هو نفسه أحمد الذي قابله عمر على الجسر؟
"نعم، لقد تقابلنا على الجسر قبل فترة. ومنذ ذلك الحين، أصبحنا نتحدث بين الحين والآخر." قال أحمد، وألقى نظرة ودية على عمر.
شعر عمر بصدمة. أحمد؟ هل كان هذا هو أحمد الذي قابله على الجسر؟ ولماذا لم تخبره ليلى بذلك؟
"أحمد هو صديق قديم. لقد كنت أتحدث معه عن بعض الكتب." قالت ليلى، وشعرت بأن عمر غير مرتاح.
"أنا أعرف أحمد." قال عمر، وشعر بأن الأمور بدأت تتضح. "لقد قابلته أنا أيضًا على الجسر."
تبادل الثلاثة نظرات، وشعروا بأن القدر يجمعهم بطرق غريبة. لقد بدأت الغيرة تتلاشى، وحلت محلها دهشة وارتباك.
"يبدو أننا جميعًا معجبون بهذا الجسر." قال أحمد بابتسامة.
"نعم، إنه مكان يلتقي فيه الناس." قال عمر، وشعر بأن الثقة بدأت تعود إليه.
عاد عمر وليلى إلى المنزل، وفي طريقهما، تحدثا عن الموقف.
"عمر، أنا آسفة لأنني لم أخبرك عن أحمد." قالت ليلى. "لم أكن أعرف أننا سنلتقي مرة أخرى، ولم أعتقد أن الأمر مهم."
"لا بأس، يا ليلى. أنا أيضًا كنت مرتبكًا بعض الشيء. ولكن الآن كل شيء واضح." قال عمر، وأمسك بيدها.
شعر عمر بأن الشك الذي كان يساوره قد زال. لقد أدرك أن غيرة سارة قد ألعبت به، وأنه كان يجب عليه أن يثق بزوجته المستقبلية. وأن أحمد، كان مجرد صديق.
لكن في أعماقه، كان هناك شعور بالراحة، ولكن أيضًا شعور بأن هناك مازال الكثير ليكتشفه عن ليلى. هل كانت لديهما اهتمامات مشتركة حقًا؟ هل كانا قادرين على بناء زواج ناجح؟