الزوج المجهول الجزء الثاني

ظلال الماضي تثقل الحاضر

بقلم مريم الحسن

عاد سيف إلى مكتبه، وقد طغت على تفكيره همومٌ شتى. كانت كلمات والدته لا تزال ترن في أذنيه، تذكره بأمور قد نسيها أو تناساها عن عمد. طوال لياليه الماضية، كان يغرق في عبثٍ محرّم، لعله يبحث عن عزاءٍ زائلٍ في ليالي الوحدة التي فرضها على نفسه. لم يكن الأمر إدمانًا بمعناه المادي الصارخ، ولكنه كان تهاونًا في الحق، وتقصيرًا في الواجب، وتغاضيًا عن نورٍ كان يتلمسه في عينيها.

جلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، تلمس خشبته الباهتة التي شهدت الكثير من قراراته، الصائبة منها والجانحة. كانت رائحة القهوة المرّة تفوح من الفنجان شبه الفارغ أمامه، تبعث فيه شيئًا من اليقظة، ولكنه يخشى أن تكون هذه اليقظة مؤقتة، سرعان ما تتبدد مع أول وهلةٍ تخالج فيها روحه.

كانت "نورا" - ذلك الاسم الذي أصبح يحمل ثقلًا كبيرًا في حياته - قد بدأت تتسلل إلى أفكاره بطريقةٍ لم يعهدها من قبل. لم تعد مجرد وجهٍ عابرٍ في صورٍ قديمة، بل أصبحت صوتًا يناديه في صمت الليل، وشعورًا بالمسؤولية ينمو ويتضخم. تذكر لقاءه بها، كيف كان يخشى أن تبدو ضعيفةً أو مكسورة، وكيف اكتشف فيها قوةً هادئة، وصبرًا عجيبًا، ورغبةً صادقةً في بناء مستقبلٍ يحمل البركة.

لقد اختارها برغم كل شيء، برغم كل الأصوات التي حذّرته، وبرغم كل الشكوك التي كانت تساور أمه. أرادها لأنها كانت مختلفة، لأنها لم تبحث عن بريقٍ زائف، بل عن استقرارٍ روحيٍ وعائلي. ولكن، كيف استطاع أن يخيب ظنها بهذه السرعة؟ لقد وعدها ببناء حياةٍ جديدة، حياةٍ تبدأ ببناء جسور الثقة والوئام، لا بجدرانٍ من السرية والبعد.

تنهد سيف بعمق، ومرر يده فوق شعره الكثيف. كان يدرك أن هناك شيئًا أعمق من مجرد شعورٍ بالذنب. لقد كان هناك هروب. هروبٌ من مسؤوليةٍ تفوق طاقته، ومن مشاعرٍ كان يخشى الاعتراف بها. كان يخشى أن يمنح قلبه مرةً أخرى، بعد أن تعرض لكسرٍ عميقٍ في الماضي. تلك الندوب القديمة، كانت لا تزال تخيفه، تجعله يتراجع عن أي خطوةٍ قد تقوده إلى الهشاشة.

عاد إلى هاتفه، وتصفح صورًا قديمة. صورٌ كانت تحمل بسماتٍ باهتة، وذكرياتٍ كان يحاول جهدًا أن يدفنها. صورةٌ مع والده، صورٌ مع أصدقاءٍ قدامى، صورٌ من أيامٍ بدت فيها الحياة أسهل، وأقل تعقيدًا. ثم توقف عند صورةٍ له مع "ليلى". كانت "ليلى" أول حبٍ له، قصةٌ انتهت بطريقةٍ مؤلمة، تاركةً في روحه فراغًا كبيرًا. هل كان هذا الفراغ هو ما يدفعه إلى هذا السلوك؟ هل كان يبحث عن تعويضٍ لما فقده، أم كان يكرر أخطاء الماضي؟

تذكر كيف حاولت والدته أن تفهمه، كيف تحدثت معه بصراحةٍ عن "نورا"، وعن أهمية هذه الزيجة. قالت له: "يا بني، إنها ليست مجرد زوجة. إنها شريكة حياة، منحتك الثقة، ووعدتك بالوفاء. لا تدع شيطان الهوى يغويك، ولا دع ظلال الماضي تحجب نور مستقبلك."

لقد فهم ما قالته والدته، ولكنه كان يخشى أن يقوده ذلك إلى أعمق. كان يخشى أن يتجاوز الخط الفاصل بين التقصير الواعي وبين الاستسلام الكامل. كان لديه بعض الواجبات التي يجب عليه القيام بها تجاه "نورا"، واجباتٌ تتجاوز مجرد توفير المأكل والمشرب. إنها العاطفة، والرفقة، والأمان.

في تلك اللحظة، رن هاتفه. كانت "نورا". تردد للحظةٍ قبل أن يجيب. كانت تعرف أنه ليس في أفضل حالاته، ولكنه كان يخاف أن يشعرها بذلك.

"أهلاً بك." قال سيف بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا.

"كيف حالك يا سيف؟" سألت بصوتٍ دافئ، يشي بالقلق.

"بخير، الحمد لله. مشغولٌ قليلًا في العمل." كذب سيف، وشعر بوخزةٍ من تأنيب الضمير.

"كنت أتساءل إذا كنت ستتمكن من القدوم للعشاء اليوم. أمي أعدت طعامًا شهيًا."

شعر سيف بضغطٍ جديد. كانت "نورا" تحاول جاهدةً أن تبني جسرًا بينهما، بينما كان هو يرمي حجارةً في هذا الجسر.

"اليوم يصعب عليّ، نورا. لدي اجتماعٌ طارئ." مرةً أخرى، كذب.

سكتت "نورا" للحظة، ثم قالت بهدوءٍ يفوق ما كان يتوقعه: "لا بأس يا سيف. ربما في يومٍ آخر. أتمنى لك كل التوفيق في اجتماعك."

كان صوتها خالٍ من أي لومٍ أو عتاب، وهذا ما زاد من شعوره بالذنب. لقد كانت كريمةً، ومتفهمةً، بينما كان هو يتصرف كطفلٍ هاربٍ من مسؤولياته.

أغلق الخط، وألقى بالهاتف على المكتب. كان يعرف أن ما يفعله ليس صحيحًا. لقد كان هناك طريقٌ واحدٌ أمامه، طريقٌ يتطلب شجاعةً، وقوةً، وإيمانًا. الإيمان بنفسه، وبقدرته على تخطي ماضيه. الإيمان بـ"نورا"، وبإمكانية بناء مستقبلٍ مشرقٍ معها.

كان الوقت قد تأخر. قام من مكتبه، وتوجه نحو النافذة. كان ينظر إلى الشارع المضاء، والأصوات البعيدة التي تعلو وتهبط. كل شيءٍ في الخارج كان يمضي قدمًا، في حين كان هو يقف في مكانه، أسيرًا لأوهامه وظلاله.

"يجب أن أغير هذا." همس لنفسه. "يجب أن أكون أقوى. من أجل نفسي، ومن أجلها."

قرر أن يأخذ قسطًا من الراحة. ربما يستطيع أن يجمع شتات أفكاره في هدوء الليل. ولكن، هل كان الليل سيمنحه السلام الذي يبحث عنه؟ أم أنه سيستمر في استدعاء الأشباح التي طالما حاول أن يتجنبها؟

في أعماقه، كان يدرك أن هذه المعركة ليست سهلة. أن التغلب على الذات يتطلب جهدًا مستمرًا، وإصرارًا لا يلين. ولكن، هل كان مستعدًا لهذا الجهد؟ هل كان لديه ما يكفي من الإصرار؟

فكر في "نورا" مرةً أخرى. في ابتسامتها الهادئة، وفي عينيها الصادقتين. شعر بأنه مدينٌ لها بالكثير. مدينٌ بالصدق، وبالوفاء، وبالحب الحقيقي.

"الغد بدايةٌ جديدة." قال بصوتٍ أعلى قليلًا. "سأواجه كل شيءٍ في الغد."

ولكن، هل كانت الكلمات وحدها كافية؟ هل كان قادرًا على ترجمة هذه النوايا الحسنة إلى أفعالٍ ملموسة؟ كان المستقبل وحده كفيلًا بالإجابة.

ارتدى معطفه، وخرج من المكتب. لم يكن يعرف إلى أين يتجه. ربما يتجول قليلًا في الهواء الطلق، عله يجد بعض الوضوح. كان الظلام يحيط به، ولكنه كان يرى في أعماقه بصيص أملٍ صغيرٍ، أملٌ كان يتمنى أن ينمو، ويتسع، ويضيء دربه.

كانت هذه الليلة، ليلةٌ فاصلة. ليلةٌ سيحاول فيها سيف أن يواجه معركته الداخلية، معركةٌ قد تحدد مصيره، ومصير "نورا" معه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%