حب في الصحراء الجزء الثالث

رسائلٌ تحمل عبق الماضي

بقلم سارة العمري

اشتدت حدة التفكير لدى "خالد" بعد لقائه بالشيخ سالم. لقد كان الظن بأن مجرد مشاعره تجاه "ليلى" هي العقبة الوحيدة، وهمًا كبيرًا. فالقضايا العقارية، خاصةً تلك المرتبطة بأرضٍ متنازع عليها، تحمل في طياتها أسرارًا وخبايا قد تتجاوز حدود العلاقات الشخصية. كان يخشى أن يكون والده قد أبعده عن "ليلى" ليس فقط لحمايته من عواقب علاقةٍ قد لا تستقيم، بل لحمايته من ثقل قضيةٍ قد تكون خطيرة.

في صباح اليوم التالي، قام "خالد" بزيارةٍ مفاجئة لمنزل "ليلى". كان قلبه ينبض بسرعة، وتفكيره يتصارع بين ما يجب أن يفعله وما يخشى أن يفعله. وجد "ليلى" تجلس في الحديقة، تقرأ كتابًا. تبدو وكأنها في عالمٍ آخر، بعيدةً عن كل ما يدور حولها.

"السلام عليكم يا "ليلى"." قال "خالد" بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا.

قفزت "ليلى" من مكانها، متفاجئةً برؤيته. وجهها تغيّر بين الاستغراب والترقب. "وعليكم السلام يا "خالد"." قالت بصوتٍ متقطع.

"هل أزعجتك؟" سأل "خالد" وهو يراقب ردة فعلها.

"لا، أبدًا. فقط... لم أتوقع رؤيتك." أجابت "ليلى" وهي تحاول استعادة رباطة جأشها.

"أردتُ أن أتحدث معكِ في أمرٍ هام." قال "خالد" وهو يلاحظ ارتباكها. "ولكن ليس هنا. هل يمكن أن نذهب إلى مكانٍ هادئ؟"

أشارت "ليلى" نحو مجلسٍ صغيرٍ في طرف الحديقة، تحت ظل شجرةٍ باسقة. "هنا المكان مناسب."

جلسا متقابلين، يفصل بينهما طاولةٌ صغيرةٌ عليها إبريق شايٍ وكوبان. صمتٌ ثقيلٌ خيّم عليهما لبرهة، كلاهما يبحث عن الكلمات المناسبة.

"ليلى،" بدأ "خالد" حديثه، "أنا مدينٌ لكِ بالكثير من التوضيحات. وما حدث في الماضي لم يكن سهلًا عليّ، ولا أعتقد أنه كان سهلًا عليكِ."

"لقد حاولتُ أن أفهم، يا "خالد"." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت. "ولكن الأسباب لم تكن واضحةً أبدًا."

"هناك أسبابٌ معقدةٌ يا "ليلى". أسبابٌ لم أكن أملك القوة الكافية لمواجهتها وحدي يومها. والآن، بعد عودتي، بدأتُ أفهم حجم تلك الأسباب."

"ماذا تعني؟" سألت "ليلى" بتشوق.

"لقد اكتشفتُ، بعد البحث، أن قضيةً عقاريةً قديمةً تخص والدي، كانت سببًا رئيسيًا في كثيرٍ من الأمور. قضيةٌ معقدة، ومحاطةٌ بالكثير من الأسرار. ويبدو أن هناك طرفًا ثالثًا كان يسعى لاستغلال هذه القضية، وقد يكون هذا الطرف هو من دفع والدي لاتخاذ قراراتٍ معينة."

"طرفٌ ثالث؟ من؟" سألت "ليلى" بانفعال.

"ما زلتُ أتحقق من التفاصيل. ولكن المعلومات الأولية تشير إلى أن "الحاج محمود"، من عائلة "النجار"، له دورٌ في هذه القضية. وقد يكون لديه مآربٌ أخرى."

صدمت "ليلى" بهذه المعلومات. لم تكن تتخيل يومًا أن لقاءها الأول بـ "خالد" قد يكون له علاقةٌ بنزاعٍ عقاري. "ولكن كيف يتعلق هذا بي؟" سألت.

"أخشى يا "ليلى" أن تكون أنتِ، وعائلتكِ، قد وقعتم في مرمى هذه القضية دون أن تعلموا. ربما كانت هناك مصلحةٌ لـ "الحاج محمود" في إبعاد والدي عن محيط عائلتكِ. وهذا قد يفسر الكثير من التصرفات التي حدثت."

كانت هذه الكلمات كالصاعقة على "ليلى". شعرت بأن الأرض تدور بها. لقد كانت تعتقد أن مشاعر "خالد" هي كل ما في الأمر، ولكن اكتشفت أن هناك لعبةً أكبر، وأنها ربما كانت طرفًا فيها دون أن تدري.

"ولكن كيف لي أن أثق بك؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مرتعش. "لقد اختفيتَ فجأةً دون كلمةٍ واحدة. لقد تركتني في حيرةٍ وألم."

"أعلم أن كلامي هذا قد يبدو صعب التصديق. ولكنني لم أكن أتخيل يومًا أن أترككِ، وأن أبتعد عنكِ. لقد كان قرارًا مؤلمًا، ولكني كنتُ أظن أنني أحميكِ. أحميكِ من تعقيداتٍ ربما لم تفهميها يومها."

"ولكن ألم يكن الأفضل أن تشرح لي؟ أن نتشارك همومنا؟"

"ربما. ولكن في ذلك الوقت، كنتُ ضعيفًا. ولم أكن أدرك حجم الخطر. والآن، أشعر بالمسؤولية الكاملة. أريد أن أكشف كل الحقائق، وأن نضع حدًا لهذا الأمر. وأريد أن أطمئن عليكِ."

نظرت "ليلى" إلى "خالد". رأت في عينيه صدقًا، وعزمًا. ولكنها لم تستطع أن تتجاهل الألم الذي تركه غيابه.

"هل لديك دليلٌ على ما تقول؟" سألت.

"لدي بعض الوثائق الأولية. و"الشيخ سالم" يساعدني في التحقق من الباقي. ولكنني أريد منكِ شيئًا آخر."

"ماذا؟"

"أريد أن تسمحي لي بمقابلتكِ مرةً أخرى، بشكلٍ رسمي هذه المرة. أريد أن أشرح لكِ كل شيءٍ بالتفصيل. وأن نجد معًا طريقةً لمواجهة هذا التحدي. إذا سمحتِ لي، سأطلب يدكِ من والديكِ، بشكلٍ رسمي، وسأخبرهم بكل شيء. أريد أن أبني معكِ مستقبلًا، لا أن أترك الماضي يلاحقنا."

كان هذا عرضًا جريئًا، ومفاجئًا. "ليلى" لم تكن مستعدةً لهذه الخطوة. ولكنها شعرت بأن هناك شيئًا يتغير. شعرت بأن "خالد" لم يعد مجرد شابٍ من الماضي، بل رجلٌ يسعى لإصلاح ما حدث.

"لا أعرف ماذا أقول يا "خالد"." قالت "ليلى" بتفكير. "هذه أمورٌ كبيرة."

"أعرف أنها كذلك. ولكنني لا أستطيع أن أترك الأمور تسير هكذا. أريد أن أحميكِ. وأريد أن أبني معكِ حياةً كريمةً، مبنيةً على الصدق والوضوح. هل تسمحي لي بمحاولة؟"

بعد لحظاتٍ من الصمت، نظرت "ليلى" إلى "خالد" بعينين تلمعان بالأمل والقلق. "إذا كنتَ صادقًا فيما تقول، وأنك تسعى لإصلاح ما حدث، فأنا مستعدةٌ للاستماع. ولكن عليك أن تثبت لي ذلك."

ابتسم "خالد" ابتسامةً خفيفة، كانت تحمل معها الكثير من الراحة. "سأثبت لكِ يا "ليلى". ووعدي لكِ هذا، لن يكون كالوعد الذي مضى."

في تلك الأثناء، كان "الحاج محمود" يتلقى تقريرًا عن عودة "خالد" إلى المدينة، وعن تحركاته. بدأ يشعر ببعض القلق. لم يكن يتوقع أن يعود "خالد" بهذه السرعة، وأن يبدأ في البحث عن أسرار والده.

"هل أنت متأكدٌ من أن "خالد" لا يعرف شيئًا؟" سأل "الحاج محمود" رجاله.

"نعم يا حاج. يبدو أنه يكتشف الأمور ببطء. ولكنه لم يصل إلى جوهر المشكلة بعد." أجاب أحد الرجال.

"علينا أن نتحرك بسرعة. لا نريد أن تنكشف أوراقنا." قال "الحاج محمود" بصرامة.

كانت الأيام القادمة تحمل في طياتها المزيد من الترقب. "ليلى" كانت تحاول استيعاب ما سمعت، و"خالد" كان يعمل بجدٍ لكشف الحقائق. وفي مكانٍ آخر، كان "الحاج محمود" يخطط لخطواته التالية. كانت خيوط الماضي قد بدأت بالفعل تتشابك، وكانت الأيام القادمة ستحمل معها رياح التغيير، سواء كانت رياح خيرٍ أم رياح شر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%