حب في الصحراء الجزء الثالث
تصاعد العاصفة وانكشاف الأوراق
بقلم سارة العمري
كان دخول السيد عبد الله إلى الخيمة بمثابة انفجارٍ صامت، هزّ أركان المجلس وهدّد بتدمير كل ما تم بناؤه من تفاهمٍ بين الأطراف. كانت عيناه تتنقلان بين الشيخ سالم، والسيد إبراهيم، وخالد، وسارة، بنظراتٍ تحمل اتهامًا وتحديًا.
"ما هذا الهراء الذي تتحدثون عنه؟" قال السيد عبد الله بصوتٍ حاد، وقد ارتفع قليلاً. "خطوبة؟ تأجيل؟ هل تظنون أنني سأسمح بهذا؟ لقد قررتُ أن زواج سارة سيكون غدًا، وأنها ستنتقل إلى منزل زوجها فورًا. لا مجال للنقاش."
شعر خالد ببرودةٍ تسري في عروقه. لقد كان يظن أن الأمور قد بدأت تتجه نحو الحل، ولكنه أدرك الآن أن الصراع الحقيقي لم يبدأ بعد. نظر إلى سارة، ورأى الخوف يرتسم على وجهها، ولكنه رأى أيضًا في عينيها شرارةً من التحدي، لا تختلف عن شرارةٍ بدأ يشعر بها في داخله.
"يا عمي،" قال خالد بصوتٍ ثابت، رغم ما يعتمل في صدره من غضبٍ وخوف، "لقد تم الاتفاق على خطوبةٍ رسمية، وتحديد موعدٍ للزواج في وقتٍ لاحق. هذا ما اتفق عليه العقلاء. أما قرارك بأن يتم الزواج غدًا، فهو قرارٌ غير منطقي، وغير عادل، ولن يقبله أحد."
"أنا لست بحاجةٍ لموافقتك، يا خالد!" رد السيد عبد الله بحدة. "أنا ولي أمرها، وأنا من يقرر. أنت مجرد ابن عم، لا حق لك في التدخل في شؤوني."
"بل لي الحق!" قال الشيخ سالم بصوتٍ قوي، وقد وقف منتصبًا. "أنت يا عبد الله، ولدت في هذه الواحة، ولكنك نسيت قيمها. قيم العدل، والاحترام، والمشورة. سارة ليست سلعةً تُباع وتشترى، وهي ليست عبدةً تُساق حيث شئت. لها الحق في أن تُستشار، ولها الحق في اختيار شريك حياتها. وما فعلته من فرضٍ لهذا الزواج، هو خروجٌ عن كل الأعراف والتقاليد الطيبة."
"شيخ سالم،" قال السيد عبد الله بنبرةٍ استهزاء، "يبدو أنك أصبحت كبيرًا في السن، ونسيت من هو صاحب القرار هنا. أنا الوصي على أملاك سارة، وأنا المسؤول عن تربيتها. وقراري هو القرار النهائي."
"قرارك هذا سينتهي بك إلى ما لا تُحمد عقباه، يا عبد الله!" قال السيد إبراهيم بثبات. "لن نقبل بهذا الظلم. لقد جئنا هنا لنتفاوض، وليس لنُملي علينا قراراتٌ أحادية."
"إذا كنتم لا تقبلون، فلتغادروا!" صاح السيد عبد الله، وقد احمرّ وجهه من الغضب. "ولتعلموا أنني سأتخذ كل الإجراءات اللازمة لضمان إتمام هذا الزواج غدًا. حتى لو اضطررت للاستعانة بالقوة."
شعر خالد بوخزةٍ من القلق. "القوة؟ هل تتحدث بجدية؟"
"أنا أتحدث بكل جدية! ولتعلموا أنني لن أسمح لأحدٍ بأن يفسد خططي. سارة ستتزوج غدًا، وإذا حاول أحدٌ منع ذلك، فسيواجه عواقب وخيمة."
لم يكن السيد عبد الله يعرف أن حديثه عن "القوة" كان بمثابة إشعال فتيلٍ في نفوسٍ كانت تتوق للثورة. لقد كشف عن وجهه الحقيقي، وجه الطمع والسلطة المطلقة.
في هذه الأثناء، كانت سارة قد سمعت كل شيء. لم تكن مجرد فتاةٍ خائفة، بل كانت ترى أمامها مستقبلها يُسلب منها، ويُباع لأجل مصالح دنيئة. رفعت رأسها، ونظرت إلى عمها مباشرةً، بعينين تشتعلان بالغضب والتصميم.
"يا عمي،" قالت سارة بصوتٍ قوي، لم يعهده أحدٌ منها من قبل، "لن أتزوج غدًا. ولن أتزوج من رجلٍ لا أريده، لمجرد أنك تريد ذلك. لقد أثبتت أنك لا تهتم بسعادتي، بل بمصالحك أنت. وسأقاوم هذا الظلم بكل ما أوتيت من قوة."
تفاجأ السيد عبد الله بجرأة ابنته، التي لم تكن تعلم أنها ورثت شيئًا من صلابة جدها الشيخ سالم.
"سارة!" صرخ السيد عبد الله، "هل تتجرأين على معارضتي؟"
"نعم أتجرأ!" قالت سارة. "لقد سئمت من الخوف، وسئمت من الظلم. سأقف ضدك، ولن أسمح لك بتدمير حياتي."
نظر خالد إلى سارة، وشعر بفخرٍ لا يوصف. إنها أقوى مما تخيل. إنها حقًا جوهرةٌ ثمينة.
"وأنا معها،" قال خالد بصوتٍ مسموع. "لن أسمح لك بإجبارها على زواجٍ لا تريده. إذا كنت تصر على هذا الأمر، فسأذهب إلى السلطات، وأكشف كل نواياك."
"السلطات؟" ضحك السيد عبد الله بسخرية. "هل تظن أن كلماتك هذه ستؤثر علي؟ أنا رجلٌ ذو نفوذ. ولن يستطيع أحدٌ الوقوف ضدي."
"لقد أخطأت يا عبد الله،" قال الشيخ سالم بهدوءٍ مخيف. "لقد أظهرت لنا ما تخفيه. وقد كشفت عن وجهك الحقيقي. لقد اعتقدنا أنك تسعى لمصلحة العائلة، ولكنك تسعى لمصلحتك وحدك. وهذا ما لا يمكننا قبوله."
"وماذا ستفعلون؟" سأل السيد عبد الله، وهو يشعر ببعض التوتر يتسلل إلى صوته.
"سنفعل ما يجب علينا فعله،" قال السيد إبراهيم. "سنكشف نواياك للجميع. وسنضمن أن سارة تحصل على حقوقها."
"حقوقها؟" سخر السيد عبد الله. "حقوقها هي ما أقرره أنا!"
"لا،" قال خالد، "حقوقها هي ما يكفله الشرع والقانون. وحقوقها هي ما سيُكفله لها قلبٌ يحبها، ويدافع عنها."
كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر. السيد عبد الله، الذي كان يعتقد أنه يملك كل الخيوط، وجد نفسه أمام جبهةٍ موحدةٍ من الأفراد الذين كانوا في السابق يحترمون سلطته. لقد انكشفت أوراقه، وبانت نواياه الحقيقية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بزواج سارة، بل أصبح صراعًا بين الحق والباطل، بين العدل والطغيان.
"إذا لم تتراجع، يا عبد الله،" قال الشيخ سالم بنبرةٍ حازمة، "فسنضطر لاتخاذ إجراءاتٍ أخرى. ولن يكون الأمر في صالحك."
"مستحيل!" قال السيد عبد الله، وعيناه تلتمعان بالتهديد. "سأجعلكم جميعًا تندمون على هذا اليوم."
خرج السيد عبد الله من الخيمة غاضبًا، تاركًا وراءه جوًا من الترقب. كان الجميع يعلمون أن المعركة لم تنتهِ، بل ربما بدأت للتو. كانت عواصف الماضي تتجمع، وعواصف الحاضر بدأت تهدد بالانفجار.