حب في الصحراء الجزء الثالث

ظلال الماضي ونداء المستقبل

بقلم سارة العمري

بعد يومين من وصولها إلى "واحة الأمل"، بدأت "ليلى" تعتاد روتين الحياة الهادئة في القرية. كانت تمضي أوقاتها بين مساعدة والدتها في شؤون المنزل، وزيارة أقاربها، والتجول في أرجاء الواحة. كانت كل زاوية وكل درب يحمل ذكرى. رائحة الياسمين التي تفوح من جدران البيوت، صوت خرير الماء في الساقية، ضحكات الأطفال التي تتردد في الأزقة. كل شيء كان ينبض بالحياة، لكنه كان ينبض أيضاً بالحنين.

في أحد الأيام، أثناء تجولها بالقرب من السوق القديم، توقفت ليلى أمام دكانٍ صغيرٍ يبيع الأقمشة والتطريز. كانت قد اعتادت أن ترى هذا الدكان مشغولاً، لكنه اليوم كان شبه خالٍ. اقتربت ليلى، ورأت صاحب الدكان، رجلٌ عجوزٌ تبدو عليه علامات الرضا، يبتسم لها.

"مرحباً بكِ يا ابنتي. ألم أركِ من قبل؟" سأل العجوز بصوتٍ أجش.

"مرحباً بك يا عمي. أنا ليلى، ابنة أبو أحمد. لقد غادرتُ القرية قبل سنوات."

"آه، ليلى! أتذكركِ جيداً. كنتِ فتاةً نشيطةً ورائعة. أهلاً بكِ في داركِ."

"شكراً لك يا عمي. هل هذه البضائع جديدة؟ لم أرها من قبل."

"نعم، بضائعٌ من المدينة. أحاول أن أجدد نشاط الدكان. ولكن السوق لم يعد كما كان. الناس لديهم الآن خياراتٌ كثيرة."

تأملت ليلى الأقمشة الملونة، وزخارفها الجميلة. ثم لمعت عيناها بفكرة. "يا عمي، أنا أعمل في مجال التطريز في المدينة. ولدي خبرةٌ في هذا المجال. ربما يمكنني مساعدتكِ في تصميم بعض القطع الجديدة؟"

فرح العجوز بهذا الاقتراح. "والله فكرةٌ ممتازة يا ليلى. هل أنتِ جادة؟"

"جادةٌ تماماً."

وهكذا، بدأت ليلى تقضي معظم وقتها في دكان العجوز، تصمم وتطرز قطعاً فنيةً جديدة. كانت تستخدم خاماتٍ محلية، وتدمجها مع تصاميم حديثة. كانت تجد في هذا العمل شغفاً متجدداً، وتستعيد جزءاً من نفسها الذي ظنّت أنها فقدته.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى عائدةً إلى منزلها، مرت بالقرب من ساحة القرية. رأت مجموعةً من الرجال يجلسون حول النار، يتسامرون. وبينهم، لمحَتْ وجهاً مألوفاً. قلبها قفز. كان "أنس".

لم يتغير كثيراً. ما زال بنفس العينين الواسعتين، والابتسامة الهادئة. كان يجلس ويتحدث بهدوء، ويستمع إليه الجميع بانتباه. كانت ليلى تشعر بأن الأرض تدور بها. هل تراه؟ هل هو حقاً هنا؟

ترددت قليلاً، ثم قررت أن تسير في طريقها. لم تكن مستعدةً لمواجهته. ليس الآن.

في صباح اليوم التالي، بينما كانت تعمل في دكان العجوز، فتح الباب ودخل "أنس". كانت المفاجأة أكبر من أن تستوعبها. وقف أمامها، صامتاً، يحدق فيها بعينيه اللتين عرفتهما جيداً.

"ليلى..." قال أخيراً، بصوتٍ عميقٍ أشبه بهمساً.

تجمّدت ليلى في مكانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.

"لم أصدق أنني سأراكِ هنا مرةً أخرى." تابع أنس، وهو يقترب ببطء.

"أنس..." قالت ليلى أخيراً، بصوتٍ يكاد لا يُسمع. "كيف حالك؟"

"بخير، ولله الحمد. وأنتِ؟"

"بخير."

ساد صمتٌ طويلٌ، مليءٌ بالكلمات غير المنطوقة، والذكريات التي تعصف.

"لقد سمعتُ أنكِ عدتِ." قال أنس، وهو ينظر حوله في الدكان. "رأيتُ بعض القطع الجديدة. جميلةٌ جداً."

"شكراً لك."

"تصاميمكِ رائعة. يبدو أنكِ اكتسبتِ الكثير من الخبرة في المدينة."

"نعم. حاولتُ أن أبذل قصارى جهدي."

"هل أنتِ سعيدةٌ في المدينة؟"

السؤال نفسه، الذي سأله أبوها. تذكرت ليلى أنس، كيف كان دائماً ما يقرأ ما في قلبها.

"الحياة في المدينة لها تحدياتها." أجابت ليلى، وهي تحاول أن تتجنب النظر في عينيه. "لكنني أجد نفسي في عملي."

"وهل هذا كل ما تبحثين عنه؟ عملكِ؟"

نظرت إليه أخيراً. رأت في عينيه الشوق، والحزن، وربما شيءٌ من العتاب.

"ماذا تقصد يا أنس؟"

"قصدتُ... هل نسيتِ كل شيء؟ هل نسيتِ وعودنا؟"

تنهدت ليلى. "لم أنسَ شيئاً يا أنس. ولكن الظروف لم تكن في صالحنا. لقد حدثت أشياء كثيرة."

"أعلم. ولكنني سمعتُ أيضاً أنكِ كنتِ مخطوبةً لشخصٍ آخر في المدينة؟"

كان هذا هو بيت القصيد. خطوبتها. خطوبةٌ لم تكتمل، لكنها تركت بصمةً عميقة.

"كان ذلك قبل فترة. لم يكتمل الأمر." قالت ليلى بصوتٍ مرتجف.

"ولماذا لم يكتمل؟" سأل أنس، وعيناه تبحثان عن إجابةٍ صادقة.

"لم يكن الشخص المناسب. ولم أكن أنا الشخص المناسب له."

"ولكن هل أنتِ مناسبةٌ لي يا ليلى؟ هل ما زال هناك مكانٌ لي في قلبكِ؟"

كان سؤالاً مباشراً، لكن ليلى لم تستطع أن تجيب. كانت مشاعرها متضاربة. الشوق إلى الماضي، والحذر من المستقبل. الخوف من تكرار الأخطاء، والرغبة في استعادة ما فقد.

"لا أعرف يا أنس." قالت ليلى أخيراً، ودمعةٌ انزلقت على خدها. "لقد تغيرنا. الحياة غيرتنا."

"ولكن القلب لا ينسى بسهولة يا ليلى." قال أنس، وهو يقترب منها أكثر، وعيناه تلمعان. "ربما يمكننا أن نحاول مرةً أخرى. ربما يمكننا أن نبني شيئاً جديداً، شيئاً أفضل."

نظرت ليلى إلى يديه الممدودة، وشعرت بأنها على وشك الغرق في بحرٍ من المشاعر. هل تستطيع أن تثق به مرةً أخرى؟ هل تستطيع أن تعيد بناء الثقة التي انهارت؟

"الوقت متأخر جداً يا أنس." قالت ليلى، وهي تشيح بوجهها. "عليّ أن أعود إلى أمي."

أمسك أنس بذراعها بلطف. "حتى لو كان الوقت متأخراً، لا تيأسي. أريد أن أقول لكِ شيئاً يا ليلى. ما زلتُ أحبكِ."

تجلّت كلمات أنس في أذني ليلى كألحانٍ شجيّة. رفعت رأسها، ونظرت إليه. رأت في عينيه صدقاً لم تره في أي مكانٍ آخر. كان هذا اللقاء بدايةً لحوارٍ جديد، ربما نهايةً لصمتٍ طويل، وربما بدايةً لمغامرةٍ محفوفةٍ بالمخاطر. تركت ليلى الدكان، وقلبها يخفق بشدة، وهي تتساءل: هل تستطيع أن تمنح الحب فرصةً أخرى؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%