حب في الصحراء الجزء الثالث
رحلة الروح وكلمات الأمل
بقلم سارة العمري
لم تستطع ليلى أن تنام تلك الليلة. كلمات أنس ظلت تتردد في أذنيها: "ما زلتُ أحبكِ". شعرت بقلبها يرقص بين الشوق والخوف. هل كان ذلك مجرد حنينٍ للماضي، أم شعورٌ حقيقيٌ ما زال نابضاً؟ لقد أمضت سنواتٍ تحاول أن تنسى، أن تبني حياةً جديدة، وأن تتجاوز جرح الماضي. ولكن رؤية أنس، وسماع كلماته، أعاد كل شيء إلى الواجهة.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت تساعد أمها في إعداد إفطار العائلة، دخل أبوها إلى المطبخ. كان وجهه يعكس بعض القلق.
"ليلى، هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبةً اليوم."
"أنا بخير يا أبي." أجابت ليلى، وهي تحاول أن ترسم ابتسامةً على وجهها. "فقط لم أنم جيداً."
"هل حدث شيءٌ أثناء تجولكِ؟" سأل أبوها، وهو يراقبها بعينيه الثاقبتين.
ترددت ليلى. هل يجب أن تخبره؟ "لقد رأيتُ أنس أمس." قالت أخيراً.
تغيرت ملامح أبوها. "أنس؟ ابن عمي؟"
"نعم. تحدثنا قليلاً."
"وماذا قال؟"
"قال... قال إنه ما زال يحبني."
صمت أبو أحمد للحظة، وهو يفكر. ثم قال: "كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي. أنس شابٌ طيبٌ ويستحقكِ. ولكنكما ابتعدتما كثيراً."
"ولكنني لا أعرف يا أبي. لقد تغيرنا."
"التغيير طبيعي يا ليلى. ولكن الحب الحقيقي يبقى. هل أنتِ تشعرين بشيءٍ نحوه؟"
نظرت ليلى إلى الأرض. "أشعر ببعض الحنين. وأتذكر الأيام الجميلة التي جمعتنا. ولكنني أخاف."
"من ماذا تخافين؟"
"أخاف أن أكون قد جرحته سابقاً، وأخاف أن أجرحه مرةً أخرى. وأخاف أن لا أكون قادرةً على العيش هنا مرةً أخرى."
"الخوف طبيعي يا ابنتي. ولكن لا تدعيه يسيطر عليكِ. تذكري، الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها. إذا كان الله قد جمعكما مرةً أخرى، فربما هناك حكمةٌ. تحدثي مع أنس، حاوريه. اسمعي ما في قلبه، وأعطيه فرصةً ليسمع ما في قلبكِ. ولكن احذري، لا تدخلي في أي علاقةٍ لا ترضي الله."
كانت كلمات والدها بمثابة بلسمٍ لروحها. لقد منحها القوة، والإرشاد.
بعد ذلك اليوم، بدأت ليلى تستقبل رسائل من أنس. رسائلٌ تحمل في طياتها شوقاً عميقاً، وندماً على الماضي، وأملاً في المستقبل. كان يصف لها كيف عاش حياته بعد رحيلها، وكيف لم ينسها أبداً. كان يذكرها بالأحلام التي كانا يحلمان بها معاً، والخطط التي كانا يضعانها.
في إحدى الرسائل، دعاها للقاء في مكانٍ هادئٍ بعيدٍ عن أعين الناس. مكانٌ تحيط به الأشجار، وتشقّه زهورٌ برية. كانت ليلى مترددة، ولكنها شعرت بضرورة ذلك. أرادت أن تسمع منه أكثر، وأن تعبر عن مشاعرها.
ذهبت ليلى للقاء أنس، وهي ترتدي ثوباً بسيطاً، تغطي شعرها بحجابٍ أنيق. عندما رأته، شعرت بأن قلبها يخفق بقوة. كان ينتظرها، يقف تحت ظل شجرةٍ قديمة، وكأنما هو جزءٌ من هذا المكان.
"ليلى." قال وهو يبتسم، ابتسامةٌ جعلت قلبها يرتعش. "شكراً لكِ على المجيء."
"الشكر لكَ على الدعوة." أجابت ليلى، وهي تقف على مسافةٍ منه.
"كيف حالكِ؟"
"بخير. وأنتَ؟"
"بخير، ولكنني ما زلتُ أحتاج إلى الكثير من الطمأنينة. طمأنينة رؤيتكِ. طمأنينة سماع صوتكِ."
"أنس، أريد أن أكون صادقةً معك. لقد عشتُ حياةً مختلفة. وبنيتُ نفسي بطريقتي. لا أعرف إذا كنتُ ما زلتُ قادرةً على العودة إلى الماضي."
"لا أريدكِ أن تعودي إلى الماضي يا ليلى. أريدكِ أن تبني معنا مستقبلاً. مستقبلٌ جديدٌ، مستوحىً من الدروس التي تعلمناها، وممزوجٌ بأحلامنا التي لم تتحقق."
"ولكن كيف؟ كل شيءٍ مختلفٌ الآن."
"التغيير ليس سيئاً يا ليلى. التغيير يمنحنا الفرصة لنصبح أفضل. لقد تعلمتُ الكثير. وتعلمتُ أن الحب يتطلب الصبر، والتسامح، والعمل. أريد أن أعمل معكِ. أريد أن أبني معكِ."
"وماذا عن أمور الدين؟ أخشى أننا لم نكن ملتزمين بما يكفي في الماضي."
"هذا صحيح. ولكن الله غفورٌ رحيم. لقد تعلمتُ كيف أكون أقرب إلى الله. وأريد أن أبني أسرةً على طاعته. هل ترغبين في بناء أسرةٍ معكِ؟"
كان سؤاله مفاجئاً، ولكنه حمل في طياته عمقاً وأملاً. نظرت ليلى إليه، ورأت في عينيه إصراراً، وحباً، وتديناً.
"أنس، هل أنتَ جادٌ في هذا؟ هل هذا قرارٌ نابعٌ من القلب؟"
"من القلب، ومن الدين، ومن العقل يا ليلى. لقد فكرتُ كثيراً. ولقد استشرتُ أبي. يريدني أن أتزوج، وأن أبدأ حياتي. وأنا لا أرغب في الزواج من أي شخصٍ سواكِ."
"ولكن... هل يمكننا أن نفعل ذلك بالطريقة الصحيحة؟ هل يمكننا أن نتقدم لخطبتكِ رسمياً؟"
ابتسم أنس ابتسامةً واسعة. "بالطبع يا ليلى. هذا ما أريده. هذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه. سأتحدث مع أبي، وسأطلب يدكِ رسمياً من والدكِ. ولكنني أردتُ أن أسمع منكِ أولاً. أريد أن أعرف أن قلبكِ ما زال ينبض باسمي."
شعرت ليلى بأن قلباً كبيراً قد أزيح عن صدرها. كان هذا هو ما تحتاجه. لمسةٌ من الأمل، وفرصةٌ جديدة.
"أنس، لقد كنتُ أخشى من تكرار الأخطاء. وكنتُ أخشى من التجريح. ولكنني الآن، أشعر بأن الله قد فتح لي باباً جديداً."
"هذا هو نور الإيمان يا ليلى. هو الذي يدلنا على الطريق الصحيح."
تناقشا في التفاصيل، في كيف يمكن أن يبدأوا. تحدثا عن الزواج، وعن تأسيس بيتٍ على تقوى الله. كان حديثاً طويلاً، مليئاً بالصدق، والأمل، والخشوع. عندما انصرفت ليلى، شعرت بأنها تحمل على كتفيها مسؤوليةً كبيرة، ولكنها كانت مسؤوليةً سعيدة. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، ولكنها كانت على استعدادٍ لمواجهة التحديات، ومع أنس، شعرت بأنها تستطيع فعل أي شيء.