حب في الصحراء الجزء الثالث
بذرة الشك ونمو اليقين
بقلم سارة العمري
حملت نسمة الصباح الأولى معها رائحة الأرض الندية، وبشرى يوم جديد. ولكن في قلب "ليلى"، كان الصراع لا يزال مستعرًا، وقد ازدادت حدته مع وصول رسالتها إلى وجهتها المفترضة. كانت تنتظر، وكل لحظة تمر كانت تحمل في طياتها أملًا جديدًا، وخوفًا أعمق. لم تكن متأكدة من ردة فعل "خالد"، ولا من تبعات ما فعلته.
بعد أيام قليلة، وبينما كانت "ليلى" تجلس في حديقة منزلها، تراقب فراشات تتراقص بين الزهور، سمعت صوتًا يأتي من بعيد. كان صوت "أمينة"، والدتها، تناديها بصوت بدا فيه مزيج من الفرح والقلق.
"ليلى! ليلى! لقد وصل خبر!"
هرعت "ليلى" نحو والدتها، وقلبها يخفق بسرعة. "ما هو الخبر يا أمي؟ هل وصل شيء من خالد؟"
ابتسمت "أمينة" ابتسامة خفيفة، ثم قالت: "نعم يا ابنتي. وصل رد. ولكن، ليس بالشكل الذي توقعتيه."
استغربت "ليلى" كلام والدتها. "ماذا تقصدين؟"
"لقد وصلت رسالة من أحد أعيان قبيلة "خالد" في الشمال. يطلبون فيها حضوركِ إليهم. يقولون إن "خالد" مريض، وأن حالته تستدعي وجودكِ."
صدمت "ليلى" بهذا الخبر. "مريض؟!" تكررت الكلمة على لسانها كصدى. شعرت بأن كل الشكوك التي كانت تراودها تتلاشى، لتحل محلها موجة عارمة من القلق والحنان. "هل هو بخير؟ ما الذي حدث له؟"
"لا أعرف يا ابنتي،" قالت "أمينة" بعينين دامعتين، "ولكن عليهم أن يوصلوا إلينا تفاصيل أكثر. ولكن، قبل كل شيء، يجب أن تفكري جيدًا. الرحلة إلى الشمال شاقة، ومليئة بالمخاطر. هل أنتِ مستعدة؟"
نظرت "ليلى" إلى الصحراء، وإلى السماء. كان الجواب واضحًا في عينيها. لم يعد هناك مجال للشك، ولا للتردد.
"نعم يا أمي،" قالت بثبات، "سأذهب. لا يمكن أن أتركه وحيدًا وهو في هذا الحال."
في هذه الأثناء، كان "سالم" قد بدأ في اتخاذ إجراءات لحماية مصالح القبيلة. كان يشعر بالمسؤولية تجاه كل فرد فيها، وخاصة تجاه أخته. عندما سمع بخبر مرض "خالد" وبقرار "ليلى"، رأى في ذلك فرصة لمعالجة الكثير من الأمور.
"يا أختي," قال "سالم" لـ"ليلى"، وقد جلس معها لمناقشة الأمر، "أعلم أن حبكِ لخالد كبير. ولكن، يجب أن تكوني حذرة. الشمال مكان خطير، وخاصة مع ما سمعناه عن القراصنة. سأقوم بتجهيز قافلة خاصة لكِ، مع حرس مدربين. ولن نسمح لأي كان بأن يمسك بسوء."
شكرت "ليلى" شقيقها على لطفه واهتمامه. شعرت بأنها ليست وحدها في هذا المصاب. كان لديها عائلة تحبها، وتدعمها.
"ولكن يا سالم," قالت "ليلى" بتردد، "هل تعتقد أن "خالد" سيغضب مني؟ لقد أرسلت له رسالة تحمل الكثير من العتاب."
ابتسم "سالم" ابتسامة مطمئنة. "أظن أن "خالد" سيتفهم. هو يعرف مقدار حبكِ له. ولكن، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب للتأكيد على حبكِ له، وتجاوز أي خلافات سابقة."
بدأت "ليلى" تستعد للرحلة. كانت تجهز ملابسها، وتجمع ما تحتاجه. كل شيء كان يحمل ذكرى من "خالد". كانت تتأمل خريطة الصحراء، وتتخيل الطريق الذي ستسلكه. شعرت بأنها تتجه نحو مصيرها، نحو اختبار جديد لقوة حبها.
وفي إحدى الليالي، قبل رحيلها، زارتها "أمينة" لتعطيها بركاتها.
"تذكري يا ابنتي،" قالت "أمينة" وهي تحتضن "ليلى"، "أن الله مع الصابرين. لا تجعلي الخوف يسيطر عليكِ. ثقي بنفسكِ، وثقي برحمة الله."
قبّلت "ليلى" يد والدتها، وشعرت بقوة جديدة تتغلغل في روحها. كانت الرحلة إلى الشمال ليست مجرد رحلة بحث عن "خالد"، بل كانت رحلة اكتشاف لذاتها، واختبار لإيمانها.
في صباح اليوم التالي، انطلقت القافلة. كانت "ليلى" تجلس في هودجها، تراقب واحة "السكينة" وهي تبتعد. كان قلبها مليئًا بمشاعر متناقضة. قلق على "خالد"، وحنين إلى الماضي، وترقب لما سيحدث.
أثناء الرحلة، تحدثت "ليلى" مع "سالم" عن خططها المستقبلية. "عندما يعود "خالد"،" قالت، "سنتحدث عن مستقبلنا. ربما ننتقل إلى مدينة أخرى، أو نبدأ مشروعًا جديدًا. أريد أن أبني معه حياة مستقرة، حياة خالية من هذه المخاوف."
"أنا معكِ يا أختي," قال "سالم"، "وسأدعمكِ في كل قرار تتخذينه. ولكن، يجب أن نتذكر أن الأقدار قد تأخذنا في اتجاهات غير متوقعة. كن مستعدة لكل شيء."
كانت كلمات "سالم" تحمل حكمة، حكمة لا تخلو من نبرة تحذير. أدركت "ليلى" أن عليها أن تكون قوية، وأن عليها أن تتكيف مع أي ظروف.
وبينما كانت القافلة تسير، بدأت "ليلى" تشعر ببعض التغيرات في شخصيتها. أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر تفكيرًا. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تسيطر عليها الهفة. لقد بدأت تكتسب نضجًا، نضجًا ناتجًا عن تجاربها.
وبينما كانوا يقتربون من الشمال، سمعوا بعض القصص عن "خالد". قيل إنه كان يتصرف بغرابة في الأيام الأخيرة، وأنه كان يبدو وكأنه يحمل سرًا كبيرًا. هذه القصص زادت من قلق "ليلى"، ولكنها لم تزرع فيها الشك مرة أخرى. بل جعلتها تشعر بأنها يجب أن تكون قريبة منه، لتفهم ما يحدث.
وفي لحظة من الهدوء، وبينما كانت "ليلى" تراقب غروب الشمس، تذكرت كلمات والدتها: "الله مع الصابرين." ابتسمت، وشعرت بأنها قادرة على تحمل أي شيء. لقد بدأت بذرة الشك التي زرعها غياب "خالد" تتحول إلى بذرة يقين، يقين بأن حبها له أقوى من أي ظروف.