حب في المدينة الجزء الثاني
نسمات الفجر وقرار مصيري
بقلم مريم الحسن
استيقظت ليلى على صدى الأذان، صوتٌ عذبٌ اعتادته الروح ونسجت حوله ذكريات العمر. لم يكن صدى الأذان مجرد نداء للصلاة، بل كان دائماً بمثابة إنذارٍ خفيٍّ يوقظها من سبات الأمان، ليذكرها بأن الحياة تتطلب اليقظة، وأن الأحلام مهما بدت بعيدة، تظل قابلةً للتحقق بالعزيمة والإيمان. كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الأولى، تلون جدران غرفتها بألوانٍ ذهبيةٍ دافئة، تبعث في النفس شعوراً بالسكينة الممزوجة بترقبٍ غامض.
نهضت ليلى بخفة، اعتادت الحركة السريعة في الصباحات الباكرة. كانت تدرك جيداً أن كل دقيقة تمر هي فرصةٌ ضائعةٌ إن لم تستغل في السعي لتحقيق ما تصبو إليه. نظرت إلى وجهها في المرآة، رأت فيه بقايا الأرق، لكنها رأت أيضاً بريقاً لا يخبو، بريق الإصرار. كانت تحمل في قلبها مشروعاً يراودها منذ سنوات، مشروعاً بدأت ملامحه تتجسد في عقلها وقلبها، يحتاج إلى دفعةٍ قويةٍ لتخرج به إلى النور.
"يا رب، اجعل هذا اليوم بداية خيرٍ وبركة، وسدد خطاي ووفقني في مسعاي." تمتمت بصوتٍ خافت، ثم ارتدت ملابسها البسيطة، وتوجهت نحو المطبخ. أعدت لنفسها كوباً من الشاي الأخضر، وجلست قرب النافذة المطلة على حديقة منزلهم الهادئة. كانت الحديقة، بزهورها المتفتحة وعبق ترابها المبلل بقطرات الندى، ملاذها الذي تستعيد فيه طاقتها وتجدد فيه عزيمتها.
كانت ليلى، الابنة الكبرى لعائلةٍ محافظةٍ طيبة، تمتلك طموحاً يتجاوز حدود الزمان والمكان. لم تكن تريد حياةً عادية، بل كانت تبحث عن بصمةٍ تتركها، عن أثرٍ يخلد. تخرجت في كلية التجارة بتقديرٍ عالٍ، لكنها لم تجد ضالتها في وظيفةٍ تقليدية. كان لديها حلمٌ ينمو بداخلها: إنشاء دارٍ لتعليم الحرف اليدوية النسائية، مكانٌ تحتضن فيه المرأة وتنمي مواهبها، وتمنحها الاستقلال المادي والمعنوي.
تنهدت ليلى وهي تنظر إلى كتابٍ قديمٍ كان على طاولة المطبخ، يحمل عنوان "فن التطريز العثماني". كان هذا الكتاب، الذي ورثته عن جدتها، هو الشرارة الأولى التي أشعلت شغفها بالحرف اليدوية. كانت جدتها، رحمها الله، ماهرةً في فنونٍ كثيرة، وكانت ليلى تقضي معها ساعاتٍ طويلة تتعلم منها وتستلهم.
لكن المشروع لم يكن مجرد هواية، بل كان مشروع حياة. كانت ترى فيه سبيلاً لتمكين النساء، وخاصةً اللواتي يواجهن ظروفاً صعبة. كانت تؤمن بأن كل امرأةٍ تملك موهبةً دفينة، وأن توفير البيئة المناسبة هو كل ما تحتاجه لتبرز.
اليوم، قررت ليلى أن تخطو أولى خطواتها الجريئة. تلقّت اتصالاً بالمساء الماضي من السيد أحمد، رجل الأعمال المعروف بتبرعاته للمشاريع الخيرية والإنسانية. كان لقاؤهما مقرراً في مقر شركته بعد ظهر اليوم. كان هذا اللقاء فرصةً ذهبية، ولا يمكن أن تضيع.
"هل أنا مستعدة؟" سألت نفسها بصوتٍ متسائل. كان قلبها يخفق بسرعة. لم تكن تملك وثائق مشروعٍ مكتملة، ولم تكن مستعدةً للعرض الرسمي، لكنها كانت تملك شغفاً لا ينضب، وإيماناً عميقاً بفكرتها.
بدأت ليلى بتدوين الأفكار الأساسية في دفترها الصغير. "اسم الدار: نور الأيادي. الهدف: تمكين المرأة مادياً ومعنوياً عبر تعلم وإتقان الحرف اليدوية. التخصصات: تطريز، خياطة، سجاد يدوي، خزف، تشكيل معادن...". كانت الكلمات تتدفق منها، ترسم ملامح المستقبل الذي تحلم به.
فجأة، سمعت صوت أمها يناديها من الداخل: "ليلى، هل انتهيتِ من صلاتك؟ الشمس قد ارتفعت." "نعم يا أمي، قادمة." أجابت ليلى، وهي تضع الدفتر جانباً، وتجمع أفكارها.
مرت الساعات سريعاً. أعدت ليلى نفسها للقاء. اختارت ملابسها بعناية: عباءةٌ أنيقةٌ بلونٍ هادئ، وحجابٌ بنفس اللون. أرادت أن تترك انطباعاً قوياً، ليس فقط بفكرتها، بل بشخصيتها أيضاً. كانت تعتز بحيائها، وتؤمن بأن الاحتشام هو عنوان الرقي.
عندما وصلت إلى مقر شركة السيد أحمد، شعرت برهبةٍ خفيفة. كان المبنى شاهقاً، يوحي بالفخامة والقوة. دخلت بهدوء، واستقبلتها السكرتيرة بلطف. بعد انتظارٍ قصير، تم استدعاؤها.
كان مكتب السيد أحمد واسعاً، مزيناً بلوحاتٍ فنيةٍ رائعة. بدا السيد أحمد رجلاً في منتصف العمر، ذو هيبةٍ واحترام. صافحها بحرارة، ودعاها للجلوس.
"أهلاً بكِ يا ابنتي، سمعت عن مشروعكِ من أحد الأصدقاء المشتركين. فكرةٌ نبيلةٌ حقاً. تفضلي، تحدثي." قال السيد أحمد بابتسامةٍ مشجعة.
بدأت ليلى تتحدث. شعرت بأن التوتر يتلاشى مع كل كلمةٍ تنطق بها. تحدثت عن رؤيتها، عن شغفها، عن الأثر الذي تطمح لتحقيقه. لم تكن تتحدث عن مجرد مشروعٍ تجاري، بل كانت تتحدث عن قضيةٍ تؤمن بها. كانت عيناها تلمعان بالحماس، وصوتها يكتسب قوةً وثقة.
عندما انتهت، ساد صمتٌ قصير. كان السيد أحمد ينظر إليها بعمق، كأنه يستكشف ما وراء الكلمات. ثم قال: "فكرتكِ عظيمة يا ليلى. ولكن، هل لديكِ خطةٌ تنفيذية؟ دراسة جدوى؟".
شعرت ليلى بلسعةٍ خفيفة. كانت تعلم أن هذا هو السؤال الحاسم. "لم تكتمل بعد يا سيدي، لكنني أعمل عليها بجد. لدي الأفكار الأساسية، ولدي شغفٌ لا حدود له. وأنا على ثقةٍ بأنني أستطيع تحويل هذه الفكرة إلى واقعٍ ملموس."
ابتسم السيد أحمد. "الشغف هو الوقود، والعزيمة هي المحرك. لكن العقل المدبر هو الذي يحدد المسار. ما رأيكِ أن نقدم لكِ دعماً مبدئياً؟ ولكن، أريدكِ أن تعملي على إعداد دراسة جدوى متكاملة خلال شهر. وسأكلف أحد موظفيّ بمساعدتكِ في هذا الجانب. ما رأيك؟"
شعرت ليلى بسعادةٍ غامرة، وكأنها حققت حلماً. "موافقٌ سيدي، ألف شكرٍ لك. هذه فرصةٌ عظيمة، وسأبذل قصارى جهدي."
في طريق عودتها إلى المنزل، كانت ليلى تشعر بأن قلبها يكاد يطير. كان هذا اللقاء هو الضوء الأخضر الذي كانت تنتظره. لكنها كانت تعلم أن هذا مجرد بداية. رحلةٌ طويلةٌ وشاقة تنتظرها، مليئةٌ بالتحديات، لكنها كانت مستعدةً لمواجهتها. كانت نسمات الفجر التي استيقظت عليها اليوم، تحمل معها وعداً بمستقبلٍ مشرق، وبقرارٍ مصيريٍ اتخذته.