حب في المدينة الجزء الثاني
همسات الأقدار في ليل المدينة
بقلم مريم الحسن
كانت نسمة باردة تتسلل عبر نوافذ غرفة سارة، تحمل معها عبق الياسمين المتناثر في حديقة منزلهم الكبير. جلست سارة على عتبة النافذة، تتأمل نجومًا بدت أكثر لمعانًا هذا المساء، وكأنها تحاول أن تقرأ في طياتها مستقبلًا بات غامضًا بقدر غموض سماء الليل. في الأيام القليلة الماضية، كانت أفكارها تتشابك كخيوط الحرير، ما بين شوق دفين وواجب أثقل كاهلها.
لم تكن سهام، والدتها، تفارقه نظراتها القلقة. كلما رأت سارة شاردة الذهن، أو سارحة الطرف، حاولت أن تسحبها بلطف إلى واقع قد لا يرضيها، لكنه واقع لا مفر منه. "يا ابنتي، ألا تزالين تفكرين في أمر الخطبة؟" سألتها سهام بصوت يحمل مزيجًا من الحنان والتردد.
تنهدت سارة، ودارت وجهها نحو والدتها، ابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها. "أمي، الأمر ليس بهذه البساطة. إنها حياة كاملة، لا يمكن أن أقرر فيها لمجرد إرضاء رغبات الآخرين، حتى لو كانوا أقرب الناس إلى قلبي."
"ولكن يا بنيتي، أحمد رجل طيب، من عائلة مرموقة، وسيسعد بكِ. والدكِ قد أعجب به كثيرًا، وهذه فرصة لا تعوض." حاولت سهام أن تجد الكلمات المناسبة، فقلبها يعتصر ألمًا لرؤية ابنتها تعاني، ولكنها كانت تعلم جيدًا ثقل مسؤولية تكوين أسرة مباركة، والفرص التي قد لا تتكرر.
"الطيبوبة وحدها لا تكفي يا أمي. هناك أشياء لا تُرى بالعين المجردة، مشاعر لا تُقال باللسان. أحمد رجل محترم، وأنا أقدر ذلك، ولكن قلبي لم ينطق باسمه يومًا. أخشى أن أعيش حياة كاملة مع شخص لا أشعر تجاهه بذلك الشعور الذي وصفه الشعراء، والذي أتوق إليه."
"وهل تظنين أن الحب يأتي فجأة مثل البرق؟ الحب ينمو ويتجذر، يا سارة. قد تكتشفين مع الأيام أن هذا الشعور ينمو في قلبك، وأن التفاهم والاحترام هما أساس السعادة الحقيقية."
"ولكن يا أمي، ماذا عن علي؟" سألت سارة بصوت خفيض، بالكاد تسمعه سهام.
اختلج وجه سهام قليلًا، وعادت نظرات القلق لتملأ عينيها. "علي؟ ما شأن علي بهذا الأمر؟ هو صديق قديم، ولا شيء أكثر."
"ولكنه ليس مجرد صديق يا أمي. لقد تغير في الآونة الأخيرة. أشعر بنظراته، بكلماته، وكأن هناك شيئًا أعمق من الصداقة يربطنا. لقد أصبح يزورنا أكثر، يسأل عني باستمرار، ويعاملني بطريقة مختلفة."
"سارة، لا تدخلي نفسك في متاهات. علي شاب جيد، ولكن ليس هو المناسب لكِ. عائلته مختلفة، وظروفه ليست مثل ظروف أحمد. نحن نفكر في مصلحتكِ، في مستقبل مستقر."
"ولكن يا أمي، ألا يجب أن يكون المستقبل الذي أشعر فيه بالسعادة والراحة هو مصلحتي؟"ref_1311
في الجهة الأخرى من المدينة، في مكتبه الفاخر الذي تعكس جدرانه صورًا لشركات ومشاريع ناجحة، كان أحمد يشعر بشيء من القلق. لم تكن الخطبة مجرد إجراء شكلي بالنسبة له، بل كانت بداية لشيء أعمق، لمستقبل أراد أن يبنيه مع سارة. لقد أعجب بها منذ أول لقاء، بذكائها، بجمالها الهادئ، وباحترامها لعائلتها ولتقاليدها.
لكنه لاحظ شيئًا في سلوكها خلال لقائهما الأخير. كانت تبدو مشتتة، وكأنها تخفي سرًا. سألته والدته، السيدة فاطمة، وهي تتفحص وجهه بتوجس: "هل كل شيء على ما يرام يا بني؟ تبدو مهمومًا."
"كل شيء على ما يرام يا أمي، فقط بعض الأمور في العمل." كذب أحمد، ليس لأنه أراد إخفاء شيء عنها، بل لأنه لم يكن يعرف كيف يفسر ما يشعر به. هل كانت سارة مترددة؟ هل كانت تفكر في شخص آخر؟
"أحمد، أنت تعرف أن والدكِ قد وضع آمالًا كبيرة على هذه الخطبة. إنه يرى فيها فرصة لتوحيد عائلتينا، ولتأمين مستقبلكِ. لا تخيب ظنه، ولا تخيب ظني."
"أعلم يا أمي، وأنا لا أنوي ذلك. ولكنني أريد أن تكون سارة سعيدة معي. لا أريد أن أفرض نفسي عليها. أحتاج إلى أن أشعر أن اختيارها لي نابع من قلبها."
"القلب يا بني يحتاج إلى وقت. قد لا تشعرين بالحب في البداية، ولكنه ينمو مع العشرة. المهم أن يكون الرجل صالحًا، وأن يكون متدينًا، وأن يحسن معاملتها. وهذه كلها صفات فيك."
"ولكنني أخشى أن تكون تفكر في شخص آخر." قال أحمد بصوت خفيض، لم يقصد أن يفصح عنه.
نظرت إليه السيدة فاطمة بدهشة. "شخص آخر؟ ومن يكون هذا الشخص؟"
"لا أعرف يا أمي، ولكني أحس بذلك. ربما مجرد وهْم. سأحاول أن أتحدث معها مرة أخرى، بلطف، وبدون ضغط."
عاد أحمد إلى مكتبه، وأخذ هاتفه، وبدأ يقلب في قائمة الأرقام. وجد رقم علي، زميله القديم في الجامعة، والذي كان يعرف أنه صديق مقرب لسارة. تردد قليلًا، ثم قرر أن يتصل به. ربما يستطيع علي أن يفهم ما يدور في خاطر سارة، وأن يوضح له بعض الأمور.
"أهلاً يا علي، كيف حالك؟" بدأ أحمد الحوار.
"أهلاً بك يا أحمد. أنا بخير الحمد لله، وانت؟" أجاب علي بصوت يبدو متفاجئًا قليلًا.
"أنا بخير. أردت أن أسألك عن سارة. هل أنت على اتصال دائم بها؟"
"نعم، نحن أصدقاء. لماذا تسأل؟ هل هناك مشكلة؟"
"لا، لا مشكلة. فقط كنت أريد أن أعرف انطباعاتها عن الخطبة. هل تبدو سعيدة؟ هل لديها أي تحفظات؟"
تردد علي قليلًا قبل أن يجيب. "سارة تبدو... صامتة قليلًا هذه الأيام. ربما هي مجرد تفكير عميق في هذه المرحلة الجديدة من حياتها. أعتقد أنها معجبة بك، ولكنها كأي فتاة، تريد أن تتأكد من كل شيء."
شعر أحمد بوخزة خفيفة في قلبه. "صامتة؟ هذا ما كنت أخشاه."
"لا تقلق يا أحمد. أنت شاب ناجح، وخلوق. أعتقد أن سارة ستجد فيك كل ما تتمناه. ولكن ربما تحتاج إلى بعض الوقت لتشعر بالراحة. يمكنك دائمًا التحدث معها، والاستماع إليها."
"شكرًا لك يا علي. إن نصيحتك قيمة." قال أحمد، وهو يحاول أن يخفي شعوره المتزايد بالشك. هل كان علي يقول الحقيقة؟ أم أنه كان يحاول أن يخفي شيئًا؟
بعد أن أنهى أحمد المكالمة، شعر بثقل أكبر. لم يعد الأمر يتعلق فقط برغبته في الزواج من سارة، بل أصبح يشعر بأن هناك شيئًا يجب أن يكشف، وأن هناك مشاعر أخرى تلعب دورًا في هذه القصة.
في غرفة سارة، وبينما كانت والدتها تنام بهدوء، فتحت سارة هاتفها، وكتبت رسالة لعلي. "علي، هل لديك وقت للتحدث؟ أشعر أنني بحاجة إلى التحدث مع شخص."
أجابتها رسالة علي بسرعة: "بالتأكيد يا سارة. في أي وقت. هل كل شيء على ما يرام؟"
"لا أعرف. ربما."
"سأكون عندك غدًا بعد العمل. هيا بنا نتناول بعض القهوة ونتحدث. لا تقلقي."
نظرت سارة إلى الرسالة، وشعرت ببعض الراحة. ربما كان علي هو الوحيد الذي يستطيع أن يفهم ما يدور في داخلها، وأن يمنحها القوة لمواجهة هذا المستقبل المجهول. في ليل المدينة الهادئ، كانت همسات الأقدار تتصاعد، تحمل معها رياح التغيير.