حب في المدينة الجزء الثاني
أسرارٌ دفينةٌ وتحدياتٌ مستجدة
بقلم مريم الحسن
تسللتْ كلماتُ السيدِ سالمِ إلى مسامعِ لينا كأنها سمٌّ بطيءُ الفعول، تمتصُّ دفءَ وجودِها، وتُجمِّدُ الأملَ في عروقِها. "والدُ أحمد؟" رددتْها بصوتٍ بالكادِ يُسمع، وكأنها تتأكدُ من صحةِ ما سمعتْ، هلْ هوَ وهْمٌ أمْ حقيقةٌ مُرّة؟ كانتْ ترى في وجهِ جدتِها علاماتِ الألمِ والأسف، وفي عيني السيدِ سالمِ لمحاتِ المواساةِ الممزوجةِ بحتميةِ المواجهة.
"كيفَ هذا؟" سألتْ لينا، صوتُها يرتجفُ، ونبرتُها تحملُ مزيجاً من عدمِ التصديقِ والانهيار. "كيفَ يكونُ لوالدي دينٌ عندَ والدِ أحمد؟ ولماذا لمْ يُذكرْ هذا الأمرُ قط؟"
"الظروفُ يا ابنتي كانتْ معقدةً،" قالَ السيدُ سالمُ، بنبرةٍ تحملُ ثقلَ مسؤوليةٍ قديمة. "في شبابِ والدِكِ، قبلَ أنْ تتكونَ عائلتُه، وقبلَ أنْ يلتقيَ بوالدتِكِ، مرَّ بظروفٍ ماليةٍ صعبةٍ جداً. وكانَ والدُ أحمد، رحمهُ الله، صديقاً مقرباً لوالدِكِ في تلكَ الفترة. ساعدَه كثيراً، ولكنهُ في المقابلِ، استثمرَ في مشروعٍ شاركَ فيهِ والدُكِ. المشروعُ فشلَ فشلاً ذريعاً، وأدى إلى خسارةٍ كبيرةٍ لوالدِ أحمد. والدُكِ، بسببِ غرورِ الشبابِ، والوضعِ السيءِ الذي كانَ فيهِ، لم يتمكنْ من تعويضِ خسارتِه كاملةً في وقتِها. لقدْ حاولَ، لكنَّ الظروفَ خانتْه. ثمَّ تباعدَ الرجلانِ، واختلفتْ مساراتُهما، ولمْ تُحلَّ هذهِ المسألةُ أبداً بشكلٍ كامل."
"ولكنْ،" قاطعتْ لينا، عينُها تشتعلُ بالغضبِ الممزوجِ بالحزن، "لماذا كلُّ هذا التكتُّم؟ ولماذا لمْ يُحاولْ والدي أنْ يُصلحَ الأمرَ فيما بعد؟"
"لقدْ حاولَ، يا ابنتي،" قالتْ أمينةُ بحزنٍ، "ولكنَّ الأمورَ تعقدتْ. والدُ أحمدَ لمْ يكنْ رجلاً سهلاً، وعندما علمَ أنَّ والدَكِ بدأَ يبني حياةً جديدةً، ويحققُ نجاحاً، شعرَ ببعضِ الغيرةِ، أو ربما بالإحباط. حاولَ التواصلَ معَ والدِكِ عدةَ مراتٍ، ولكنَّ الردودَ كانتْ باردةً، أو تمَّ تجاهلُ الأمر. ثمَّ مرتْ السنواتُ، والقطيعةُ استمرتْ، وتراكمتْ الأحزانُ والمواقفُ الصعبةُ. كانَ والدُكِ يخجلُ من الاعترافِ بالخطأ، وكانَ يخشى أنْ يؤثرَ هذا الأمرُ على سمعتِه، وعلى سمعتِنا كعائلة. لقدْ تركَ لكِ هذهِ الوثيقةَ، ظناً منهُ أنَّكِ ستكونينَ أقوى، وأكثرَ قدرةً على مواجهةِ هذهِ الحقيقةِ. أرادَ أنْ يُبرئَ ذمتَه أمامَ الله، وأمامَكم."
ارتعشَ جسدُ لينا. كانتْ تفهمُ الآنَ جزءاً من الصورة، لكنَّ الوجعَ كانَ أعمق. والدُ أحمدَ، الشخصُ الذي رأتْ فيهِ نموذجاً للعطاءِ والكرمِ، كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ طرفاً في خلافٍ قديمٍ معَ والدِها؟ كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ والدُها قد أحبطَ شخصاً بهذا الشكل؟
"وهلْ والدُ أحمدَ يعلمُ بهذا؟" سألتْ لينا، وعيناها مثبتتانِ على السيدِ سالم.
"لا،" أجابَ السيدُ سالمُ، "في وقتِ كتابةِ هذهِ الوثيقةِ، لم يكنْ والدُ أحمدَ على علمٍ بكلِّ التفاصيلِ التي ستقومُ بها. لقدْ كانَ والدُكِ يبحثُ عن طريقةٍ لإعادةِ الحقِّ، ولكنَّه توفيَ قبلَ أنْ يتمكنَ من إتمامِ خطتِه. وأنا، بحكمِ وصيةِ أخي، وجدْتُ الطريقةَ المناسبةَ لإيصالِ هذهِ الرسالةِ إليكِ."
أخرجَ السيدُ سالمُ من جيبِهِ ورقةً أخرى، يبدو عليها أنها نسخةٌ من الوثيقةِ الأصلية. "هذهِ نسخةٌ أعدَّها أخي، تحتوي على تفاصيلِ المبلغِ المستحقِّ، وكيفيةِ سدادِه، بالإضافةِ إلى لمحاتٍ عن ظروفِ الأزمةِ التي مرَّ بها. ستجدينَ فيها أيضاً، ذِكرَ لبعضِ ممتلكاتٍ قديمةٍ لوالدِكِ، والتي ربما تكونُ قدْ نسيتَها، ولكنَّ قيمتَها قدْ تساعدُ في تعويضِ جزءٍ من الدين."
تناولتْ لينا الورقةَ، وبدأتْ تتفحصُها. كانتْ الأرقامُ والمبالغُ صادمةً. كانتْ تؤمنُ بأنَّ والدَها كانَ رجلاً شريفاً، ولكنَّ هذهِ الحقائقَ كانتْ تلقي بظلالٍ من الشكِ على كلِّ ما كانتْ تعتقدُه.
"وهلْ... هلْ أحمدُ على علمٍ بشيءٍ عن هذا؟" سؤالُ لينا جاءَ بصوتٍ خافتٍ، يكادُ يكونُ همساً.
"لا أعتقدُ ذلك،" قالَ السيدُ سالمُ. "لقدْ كانَ الخلافُ بينَ والدِكِ ووالدِ أحمدَ عميقاً، وربما لمْ يرغبْ والداهما في إقحامِ أبنائِهما في تفاصيلِ خلافاتِهم. وقدْ يكونُ أحمدُ، شأنُه شأنَكِ، لمْ يعرفْ شيئاً عن هذهِ القصةِ إلا الآن."
شعرتْ لينا برأسِها يدورُ. أحمدُ! كيفَ ستواجهُ أحمدَ؟ كيفَ ستُخبرُهُ أنَّ والدَها كانَ مديناً لوالدِه، وأنَّ هناكَ خلافاً قديماً ربما ساهمَ في تباعدِ عائلتيهما تاريخياً؟ هلْ سيُفسرُ أحمدُ هذا الأمرَ بشكلٍ سلبي؟ هلْ سيشعرُ بأنَّ عائلتَها قدْ ألحقتْ أذىً بعائلتِه؟
"هذا... هذا وضعٌ صعبٌ جداً،" قالتْ لينا، وهيَ تُمسكُ بيدي جدتِها بقوة. "كيفَ سأتصرفُ؟"
"علينا أنْ نكونَ حكيمينَ، يا ابنتي،" قالتْ أمينةُ، صوتُها هادئٌ، ولكنَّه قويٌّ. "علينا أنْ نقرأَ هذهِ الوثيقةَ جيداً، وأنْ نفهمَ كلَّ التفاصيل. ثمَّ، علينا أنْ نجدَ طريقةً لمواجهةِ أحمدَ. الصدقُ هوَ مفتاحُ الحلِّ في كلِّ الأمورِ. علينا أنْ نُخبرَ أحمدَ بكلِّ شيءٍ، وأنْ نوضحَ لهُ أنَّ والدَكِ كانَ يسعى للإصلاحِ. ربما، بالتعاونِ معَ أحمدَ، يمكنُنا إيجادُ حلٍّ لهذهِ المشكلةِ."
نظرتْ لينا إلى الوثيقةِ في يدِها، ثمَّ رفعتْ بصرَها إلى السيدِ سالم. "أنا أشكرُكَ جزيلَ الشكرِ، سيدي سالم. لقدْ جلبتَ لي حقيقةً مؤلمةً، ولكنَّها حقيقةٌ لا بدَّ منها."
"واجبي يا ابنتي،" قالَ السيدُ سالمُ، "وأنا هنا لأيِّ مساعدةٍ تحتاجينَها. لقدْ كانَ والِدُكِ رجلاً طيباً، ولكنَّ الأخطاءَ جزءٌ من الحياة. المهمُّ هوَ كيفَ نتعاملُ معَ هذهِ الأخطاءِ، وكيفَ نسعى لإصلاحِها."
غادرَ السيدُ سالمُ، تاركاً لينا معَ جدتِها، ومعَ ثقلِ الأسرارِ والديونِ التي كشفتْها الوثيقة. شعرتْ لينا بأنَّ عالمَها قدْ اهتزَّ من أساساتِه. حبُّها لأحمدَ، الذي كانَ ينمو ويزدهرُ، باتَ الآنَ مُهدداً بظلالِ ماضي والدِها. كانتْ تعلمُ أنَّ أمامَها رحلةً طويلةً وشاقةً، رحلةً ستختبرُ صدقَ حبِّها، وقدرتَها على التسامحِ، وعلى مواجهةِ ماضي لمْ تكنْ تعلمُ بوجودِه. كانَ الصمتُ الذي خيَّمَ على الشقةِ ثقيلاً، يحملُ بينَ طياتِه أسئلةً لا حصرَ لها، ومستقبلاً غامضاً.