حب في المدينة الجزء الثاني

مواجهةٌ قاسيةٌ وصراعٌ داخلي

بقلم مريم الحسن

لمْ تجرؤْ لينا على فتحِ الرسالةِ فوراً. بقيتْ اليدانِ ترتجفانِ، والقلبُ يخفقُ بسرعةٍ جنونيةٍ، كأنَّه يريدُ أنْ يفرَّ من صدرِها. كانتْ الوثيقةُ في يدِها كأنها سكينٌ باردةٌ، تهددُ بتمزيقِ ما تبقى من سعادتِها. جلستْ في صمتٍ، تنظرُ إلى خطوطٍ غريبةٍ، إلى كلماتٍ لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ تراها في سياقِ حياتِها. جدتُها، أمينة، جلستْ بجانبِها، تتأملُ وجهَ حفيدتِها المشوبَ بالحيرةِ والألم.

"يا ابنتي،" قالتْ أمينةُ بحنانٍ، "يجبُ أنْ تقرئيها. يجبُ أنْ تعرفي الحقيقةَ كاملةً. قدْ تكونُ مؤلمةً، ولكنَّ التهربَ منها لنْ يُغيرَ شيئاً."

أخذتْ لينا نفساً عميقاً، وكأنها تستجمعُ كلَّ قوتِها. فتحتْ الظرفَ ببطءٍ، وأخرجتْ منهُ الأوراقَ. بدأتْ تقرأُ، كلمةً كلمةً، سطرًا سطرًا. كانتْ الكلماتُ واضحةً، ومباشرةً، لا تتركُ مجالاً للشكِ أو التأويل. كانتْ تتحدثُ عن صفقةٍ تجاريةٍ بينَ والدِها ووالدِ أحمد، صفقةٍ انتهتْ بخسارةٍ فادحةٍ لوالدِ أحمد. وتحدثتْ عن اتفاقٍ، عن قرضٍ كبيرٍ لمْ يتمَّ سدادُه كاملاً. وكانتْ هناكَ تفاصيلُ عن ممتلكاتٍ، عن ديونٍ، وعن أسماءٍ كانتْ غريبةً على مسامعِ لينا.

بينما كانتْ تقرأُ، بدأتْ ملامحُ وجهِها تتغيرُ. تحولتْ الحيرةُ إلى أسى، ثمَّ إلى غضبٍ مكبوت. تذكرتْ قصصاً سمعتْها عن خلافاتٍ قديمةٍ بينَ العائلتينِ، خلافاتٍ كانتْ دائماً تُفسرُ على أنها مجردُ خلافاتٍ عابرةٍ بينَ جيرانٍ. لكنَّ هذهِ الوثيقةَ، كشفتْ عن عمقِ تلكَ الخلافاتِ، وعن جذورِها الممتدةِ في الماضي.

"كيفَ فعلَ ذلكَ؟" همستْ لينا، وهيَ تُغلقُ عينيها بقوة. "كيفَ فعلَ والدي كلَّ هذا، ولمْ يُخبرني؟"

"كانَ يحملُها وحدَه، يا ابنتي،" أجابتْ أمينةُ، وصوتُها يختنقُ بالعبرات. "لقدْ عانى كثيراً. كانَ يشعرُ بالذنبِ، ولكنهُ كانَ يخشى أنْ يؤثرَ ذلكَ على سمعتِكِ. كانَ يريدُ أنْ يحميكِ من كلِّ ما يمكنُ أنْ يُعكِّرَ صفوَ حياتِكِ."

"ولكنَّ هذا لمْ يحمِني!" قالتْ لينا بصوتٍ عالٍ، والدموعُ بدأتْ تتساقطُ على وجهِها. "هذا فقطْ جعلَ الأمورَ أصعبَ! لقدْ أحببتُ أحمدَ، وكنتُ أعتقدُ أنَّنا سنبني مستقبلاً جميلاً، والآنَ... الآنَ، كيفَ سأقولُ لهُ؟ كيفَ سأشرحُ لهُ أنَّ والدي قدْ أخطأَ في حقِّ والدِه؟"

"بالصدقِ يا ابنتي،" قالتْ أمينةُ بحزمٍ. "بالصدقِ والإخلاص. إذا كانَ حبُّكما قوياً، فسيتحملُ هذهِ المحنةَ. سيُدركُ أنَّ والدَكِ كانَ يحاولُ الإصلاحَ، وأنَّ هذهِ ليستْ غلطتَكِ. وعليكم، أنتما الاثنانِ، أنْ تجدا حلاً لهذهِ المشكلةِ."

تنهدتْ لينا بعمقٍ. كانتْ تفهمُ كلامَ جدتِها، ولكنَّ إيصالَ هذهِ الحقيقةِ إلى أحمدَ، كانَ تحدياً هائلاً. أحمدُ، الذي كانتْ ترى فيهِ كلَّ الكمالِ، كلَّ النقاء. كيفَ سيتقبلُ هذهِ الحقيقةَ المرةَ عن والدِها؟ هلْ سيتأثرُ هذا الحبُّ العظيمُ الذي نشأَ بينهما؟

كانَ على لينا أنْ تواجهَ أحمدَ. لمْ يكنْ لديها خيارٌ آخر. لقدْ وعدتْ نفسَها بأنْ تكونَ صريحةً معه. قررتْ أنْ تنتظرَ حتى تعودَ إلى منزلِها، وأنْ تجمعَ أفكارَها، وأنْ تُجهزَ نفسَها لهذهِ المواجهةِ المصيرية.

في صباحِ اليومِ التالي، ذهبتْ لينا إلى منزلِ أحمدَ. كانَ قلبُها ينبضُ بسرعةٍ، وكأنَّه يصارعُ من أجلِ البقاء. عندما فتحَ لها أحمدُ البابَ، ابتسمَ لها ابتسامتَه الدافئةَ التي لطالما استمدتْ منها القوة. لكنَّ لينا، هذهِ المرة، لمْ تستطعْ أنْ تُقابلَه بابتسامتِها المعتادة.

"لينا؟ ما بكِ؟ تبدينَ متعبةً." سألَ أحمدُ بقلقٍ، وهوَ يلاحظُ شحوبَ وجهِها.

"أحمد، أحتاجُ أنْ أتحدثَ إليكَ في أمرٍ هامٍ جداً." قالتْ لينا بصوتٍ منخفضٍ، ودمعتُها بدأتْ تتسللُ على خدِّها.

دعاهُ أحمدُ إلى الداخل، وجلسا في غرفةِ المعيشة. أخذتْ لينا نفساً عميقاً، وشرعتْ في سردِ كلِّ ما حدثَ، كلَّ ما قرأتْهُ في الوثيقةِ، وكلَّ ما سمعتْهُ من جدتِها. لمْ تُخفِ شيئاً. روتْ لهُ قصةَ والدِها، قصةَ خطأِ الشبابِ، قصةَ الدينِ الذي لمْ يُسدَّ، قصةَ الخلافِ القديمِ بينَ والدِها ووالدِ أحمد.

كانَ أحمدُ يستمعُ بإنصاتٍ، وجهُهُ خالٍ من أيِّ تعبيرٍ واضح. في كلِّ مرةٍ كانتْ لينا تذكرُ فيها والدهُ، كانَ أحمدُ يُثبتُ نظراتِهُ عليها، وكأنَّه يبحثُ عن أيِّ علامةٍ تدلُّ على صدقِ كلامِها. عندما انتهتْ لينا من حديثِها، سادَ صمتٌ طويلٌ. كانَ الصمتُ ثقيلاً، مليئاً بالأسئلةِ غيرِ المعلنة.

أخيراً، تحدثَ أحمدُ. "هذا... هذا كثيرٌ، لينا. لمْ أتوقعْ أبداً أنْ تكونَ هناكَ مثلُ هذهِ القصةِ وراءَ خلافاتِ عائلاتِنا."

"أعلمُ يا أحمد. وأنا آسفةٌ جداً لأنَّكِ اضطررتَ لسماعِ كلِّ هذا. أنا لمْ أعرفْ شيئاً عن هذا الأمرِ حتى الأمس." قالتْ لينا، وصوتُها يرتجفُ.

نظرَ أحمدُ إليها طويلاً. كانتْ عيناهُ تبحثانِ عن الحقيقةِ في عينيها. "والدُكِ، رحمهُ الله، تركَ لكِ هذهِ الوثيقةَ؟"

"نعم. أرسلها لي عمي، شقيقُ والدي، الذي لمْ ألتقِ بهِ من قبل."

"وهلْ... هلْ أنتِ متأكدةٌ من كلِّ هذا؟" سألَ أحمدُ، بنبرةٍ تحملُ شيئاً من الشكِ، أو ربما الحزن.

"متأكدةٌ من أنَّ هذهِ هيَ الحقيقةُ التي أعرفُها الآنَ، يا أحمد. لمْ أكنْ أتمنى أبداً أنْ تكونَ هناكَ أيةُ مشكلةٍ بينَ عائلتِنا وعائلتِكَ. وخاصةً بعدَ كلِّ ما بنيناهُ معاً."

نهضَ أحمدُ وتجولَ في الغرفةِ. كانَ يبدو عليهِ الارتباكُ الشديد. "أنا... أنا لا أعرفُ ماذا أقولُ. الأمرُ معقدٌ جداً. والدِي لمْ يكنْ يتحدثُ كثيراً عن الماضي، ولكنهُ كانَ أحياناً يُلمحُ إلى بعضِ الأمورِ، ولكني لمْ أفهمْها حينَها."

"أعلمُ أنَّ هذا صعبٌ عليكَ، يا أحمد. أنا أيضاً أشعرُ بأنَّ كلَّ شيءٍ قدْ انهارَ." قالتْ لينا، وهيَ تُغطي وجهَها بيديها.

"لا، لينا، ليسَ كلُّ شيءٍ قدْ انهارَ." قالَ أحمدُ، وهوَ يجلسُ بجانبِها ويمسكُ بيدِها. "ما بنيناهُ نحنُ، هوَ شيءٌ مختلفٌ. هذهِ مشاكلُ الماضي. علينا أنْ نتعاملَ معَها، ولكنْ لا يجبُ أنْ تدمرَ مستقبلَنا."

"ولكنْ كيفَ؟ كيفَ سأُصلحُ ما فعلهُ والدي؟"

"لنْ تُصلحي ما فعلهُ وحدَكِ، لينا. علينا أنْ نُصلحَه معاً. علينا أنْ نقرأَ هذهِ الوثيقةَ جيداً، وأنْ نفهمَ ما الذي يجبُ أنْ يُفعل. ثمَّ، علينا أنْ نتخذَ القرارَ المناسبَ. لكنْ، قبلَ كلِّ شيء، أريدُ أنْ أتأكدَ من شيءٍ واحد."

نظرَ أحمدُ إلى لينا، وعيناهُ تحملانِ صدقاً شديداً. "هلْ كنتِ تعلمينَ بهذا من قبل؟ هلْ كنتِ تتلاعبينَ بي؟"

"لا، أبداً يا أحمد!" قالتْ لينا بحزمٍ، وعيناها تلمعانِ بالدموع. "أنا أحبُّكَ، وأنا صادقةٌ معكِ. لمْ أكنْ أعلمُ شيئاً عن هذا الأمرِ إطلاقاً حتى الأمس. كلُّ ما أريدُهُ هوَ أنْ نكونَ معاً، وأنْ نتجاوزَ هذهِ المشكلةَ."

هدأتْ نظراتُ أحمد. رأى الصدقَ في عينيها. "حسناً، لينا. صدِّقينِي. نحنُ سنحلُّ هذهِ المشكلةَ معاً. علينا أنْ نكونَ أقوياءَ."

كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ بصيصِ أملٍ في ظلامِ اليأسِ الذي غطَّى لينا. كانَ أحمدُ مستعداً لمواجهةِ الحقيقةِ، ولمواجهتِها هيَ. هذا ما منحَها القوةَ لمواصلةِ الطريق. لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلاً، وأنَّ هذهِ الحقيقةَ ستظلُّ تُلقي بظلالِها على علاقتهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%