حب في المدينة الجزء الثاني
خيط الأمل المتشابك
بقلم مريم الحسن
عادت ليلى إلى منزلها وقلبها يمتلئ بالسكينة الممزوجة بالحماس. كان الانتصار الأول، وإن كان صغيراً، قد تحقق. لقاء السيد أحمد لم يكن مجرد فرصةٍ للحصول على الدعم المالي، بل كان تأكيداً على أن فكرتها تحمل قيمةً، وأن هناك من يؤمن بها.
تسللت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء. جلست على سريرها، وأخرجت دفترها الصغير مرةً أخرى. فتحت صفحةً جديدة، وكتبت بخطٍ كبير: "اليوم: الخطوة الأولى نحو نور الأيادي."
كانت تعلم أن العرض الذي قدمه السيد أحمد، رغم كرمه، يحمل في طياته مسؤوليةً كبيرة. دراسة الجدوى ليست مجرد أرقامٍ وحسابات، بل هي خريطة الطريق التي ستحدد مصير المشروع.
بينما كانت تفكر في كيفية البدء، رن هاتفها. كان رقماً غير مسجل. ترددت قليلاً، ثم أجابت. "ألو؟" "مسائل الخير، هل أتحدث مع ليلى؟" جاء الصوت عميقاً، يحمل نبرةً رسمية. "نعم، تفضل." "معك المهندس خالد، من شركة السيد أحمد. سيد أحمد كلّفني بمساعدتكِ في إعداد دراسة الجدوى. هل لديكِ وقتٌ للحديث الآن؟"
شعرت ليلى بارتياحٍ كبير. لم تكن تتوقع أن يبدأ الدعم بهذه السرعة. "أهلاً بك يا مهندس خالد. طبعاً، لدي وقت. متى يناسبك؟" "إذا لم يكن لديكِ مانع، يمكننا البدء الآن. يمكنني أن آتي إلى منزلكِ، أو يمكننا الالتقاء في مكانٍ هادئ." "الأفضل أن تأتي إلى هنا، حتى أتمكن من عرض بعض الأفكار الأولية التي دونتها."
وصل المهندس خالد بعد أقل من ساعة. كان شاباً في أوائل الثلاثينات، ذو مظهرٍ أنيقٍ وهادئ. قدم نفسه بابتسامةٍ لطيفة، وبدأ في العمل.
كان خالد مختلفاً عما توقعته ليلى. لم يكن مجرد موظفٍ يقوم بمهمة، بل كان شخصاً يبدو مهتماً حقاً بالمشروع. استمع جيداً لحديث ليلى، وطرح أسئلةً دقيقةً ومفيدة. كانت لديه خبرةٌ في تحليل الأسواق وتخطيط المشاريع، وشرح لها جوانب لم تفكر بها من قبل.
"نحن بحاجة إلى تحديد الفئة المستهدفة بدقة أكبر يا ليلى. هل هن النساء المعيلات لأسر، أم ربات البيوت الراغبات في استغلال أوقات فراغهن، أم الخريجات اللواتي يبحثن عن فرص عمل؟ كل فئة تحتاج إلى استراتيجيةٍ مختلفة." قال خالد وهو يشير إلى الرسم البياني الذي بدأ يرسمه على دفتره.
"أعتقد أننا نستهدف الجميع، لكن سنبدأ بالنساء المعيلات لأسر، فهن الأكثر حاجةً للدعم المادي." أجابت ليلى، وشعرت أن الحوار بدأ يأخذ منحىً أكثر عمقاً.
تحدثا لساعات. بدا أن هناك خيطاً رفيعاً، خيط الأمل، بدأ يتشابك بين فكرتها وحنكته المهنية. كان خالد يرى في مشروع ليلى أكثر من مجرد عملٍ تجاري، بل كان يرى فيه فرصةً لإحداث تغييرٍ حقيقي.
في خضم حديثهما، سأل خالد: "هل لديكِ تصورٌ عن الموقع؟ المكان الذي ستحتضن فيه هذه الحرف؟" أومأت ليلى برأسها. "كنت أفكر في مكانٍ في وسط المدينة، يسهل الوصول إليه. ربما مبنى قديمٌ يمكن ترميمه وتجهيزه." "هذا جيد، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار تكاليف الإيجار والتشغيل. ربما يمكننا البدء بمكانٍ أصغر، أو حتى بشكلٍ غير مركزي في البداية، ثم التوسع لاحقاً؟"
كانت أفكار خالد عمليةً ومدروسة. كانت ليلى تستمع بانتباه، وتسجل الملاحظات. شعرت بأن هذا التعاون سيكون مثمراً.
عندما انتهى الوقت، كان قد حل المساء. شعر كلاهما بالإرهاق، لكنهما كانا راضيين. "أشكركِ جزيل الشكر يا ليلى. لقد كان لقاءً مفيداً جداً. سأعود إليكِ ببعض الدراسات الأولية والمقترحات غداً." قال خالد وهو ينهض. "الشكر لك يا مهندس خالد. أتطلع للقاء غداً." أجابت ليلى، وهي تشعر بارتياحٍ عميق.
بعد أن غادر خالد، بقيت ليلى جالسةً في غرفتها. نظرت إلى دفترها المليء بالملاحظات. كانت تشعر بأن الحلم الذي بدا بعيداً بالأمس، أصبح أقرب اليوم.
لكن، مع هذه السعادة، كانت هناك همسةٌ خفيفة من القلق. لم تكن تفهم تماماً سر اهتمام المهندس خالد بهذا المشروع. كانت أفكاره دقيقةً جداً، وكأن لديه خبرةً شخصية في هذا المجال. هل كان هذا مجرد احتراف؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟
في تلك الليلة، لم تنم ليلى بعمق. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل كانت مستعدةً لهذا النوع من التعاون؟ هل ستكون قادرةً على مواكبة هذا الإيقاع السريع؟
جلست قرب النافذة، تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. كانت تتذكر كيف بدأت قصتها مع الحرف اليدوية، وكيف كانت جدتها، رحمها الله، تجلس معها لساعاتٍ طويلة، تحدثها عن قيمة العمل اليدوي، وعن البركة التي يحملها.
"يا رب، اجعل هذا الخيط المتشابك خيط أملٍ حقيقي، ولا تجعله سبباً في تعقيد أمري." تمتمت بصوتٍ خافت، وهي تشعر بأن مصير مشروعها، ومستقبلها، بدأ يتشابك مع خيوطٍ أخرى، خيوطٍ لم تكن تتوقعها.