حب في المدينة الجزء الثاني

رياح التغيير العاتية

بقلم مريم الحسن

كان الهواء في شقة سارة يعبق برائحة الهيل والقهوة العربية، لكنه لم يعد يمنحها ذلك الدفء المعهود. جلس قلبها معلقاً بين ضلوعه، ترقب وصول فارس، الذي تأخر عن موعده المعتاد بساعة كاملة. كل نقرة على الهاتف، كل صوت حركة في الخارج، كان يثير فيها رعشة قلق لم تعهدها من قبل. كانت تلك الليلة، كما وعدها، ليلة الحسم. ليلة تتكشف فيها الأوراق، وتُعاد صياغة المستقبل.

لم تكن تعلم أن العاصفة التي تلوح في الأفق ليست مجرد عاصفة شخصية، بل هي زلزال اجتماعي يهدد بزعزعة أركان بيوت بأكملها. قبل ساعتين، وبينما كانت تجهز نفسها للقاء المنتظر، وصلتها رسالة نصية مفاجئة من والدة فارس، السيدة آمال. لم تكن الرسالة مجرد استفسار عن أحوالها، بل كانت سيلًا من الكلمات المتهورة، التي كشفت عن مؤامرة كانت تُحاك في الخفاء، وبطلتها لم تكن إلا خالة فارس، منى.

"ابنتي سارة، لا أدري كيف أبدأ، لكن الواجب يحتم عليّ كشف الحقيقة المرة. ابني فارس، رغم طيبته، وقع فريسة لمؤامرة دنيئة. منى، أخته، وحواء، ابنة عمها، نسجتا خطة شيطانية لإبعاده عنك. سمعتُهما بأذني تتحدثان عن ترتيب لقاء له مع فتاة أخرى، فتاة من عائلتهما، لجعله ينسى أمرك. لقد حاولا إقناعه بأنكِ غير مناسبة، وأن زواجكما لن يجلب سوى المشاكل. يحاولون استغلال ضعفه وعدم رغبته في إغضاب والدته، التي يبدو أنها متورطة أيضاً. أرجو منكِ، يا سارة، أن تكوني قوية. لا تدعي هذه المؤامرات تفرق بين قلوب صافية."

كانت الكلمات تومض أمام عينيها كأنها شعلات تحرق وجدانها. شعرت بالغضب، وبالخيانة، وبالحزن الممزوج بالصدمة. كانت تتحدث مع والدة فارس بين الحين والآخر، تشعر بالود والدعم، ولم يخطر ببالها أبداً أن تكون جزءاً من لعبة أكبر. أمسكت بيدها المرتجفة، وأغلقت عينيها، تتنفس بعمق. لم تكن الفتاة التي تستسلم بسهولة. كانت تؤمن بحبها لفارس، وبقوة علاقتهما.

دق جرس الباب. انطلقت دقات قلبها كطبول معركة. نهضت، وتوجهت نحو الباب، بخطوات ثابتة وإن كانت متوترة. فتحت الباب، ليقابلها وجه فارس، وقد اعتلت ملامحه حيرة وقلق.

"سارة، حبيبتي، سامحيني على التأخير. كانت هناك بعض الأمور التي كان عليّ معالجتها." قال فارس، وهو يدخل الشقة، وحاول أن يبتسم، لكن عينيه كانتا تحملان ثقلاً لم تره فيهما من قبل.

"ما هي هذه الأمور يا فارس؟" سألت سارة، صوتها كان هادئاً، لكنه كان يحمل نبرة باردة لم يعتدها فارس.

نظر إليها باستغراب. "هل أنتِ بخير؟ يبدو أن شيئاً ما يزعجك."

"ما يزعجني يا فارس هو أنني اكتشفت للتو أن من كنت أظنهم عائلتك، يحاولون تدمير علاقتنا." قالت سارة، ووضعت الهاتف على الطاولة أمامها، حيث كانت رسالة والدته لا تزال مفتوحة.

اقترب فارس، ونظر إلى الشاشة. اتسعت عيناه بصدمة. "ما هذا؟ أمي؟ كيف…؟"

"والدتك، وخالتك، وابنة عمك، يبدو أنهم ينسجون مؤامرة ضدنا. محاولات لإبعادي عنك، وترتيق زواجك من فتاة أخرى. أتقلت، يا فارس. أتقلت من هذا الكم من الخيانة."

جلس فارس على أقرب كرسي، ووضع يديه على وجهه. بدت علامات الإرهاق والضيق بادية عليه. "لم أكن أعلم. أقسم لكِ، لم أكن أعلم شيئاً."

"ولكن والدتك كانت تعلم؟" سألت سارة، وحدقت في عينيه، تبحث عن أي علامة للكذب، أو التستر.

"أمي… أمي تضغط عليّ كثيراً لكي أتزوج. لكنها لم تذكر لي شيئاً عن فتاة أخرى معينة، أو عن مؤامرات." قال فارس، وصوته كان مليئاً بالأسى. "أظن أن خالتك هي التي تقف وراء كل هذا. هي دائماً ما كانت تحاول التحكم في حياتي."

"ولماذا لم تخبرني؟ لماذا لم تحاول أن تمنعهم؟" سألت سارة، مشاعرها كانت تتأرجح بين الألم والغضب.

"لأنني لم أكن أعرف، يا سارة. وحاولت تجاهل ضغوطهم، كنت أعتقد أنها ستخف مع الوقت." قال فارس، ورفع رأسه ونظر إليها بعينين تفيضان بالصدق. "لكن هذا… هذا تجاوز كل الحدود. أنا لن أسمح لأحد بأن يفرق بيننا."

"وماذا ستفعل الآن يا فارس؟" سألت سارة، بنبرة تتحدّى.

"سأتحدث مع أمي. وسأتحدث مع خالتك. لن أترك الأمر هكذا. حبنا لا يجب أن يكون مجرد لعبة في أيدي الآخرين." قال فارس، ووقف، واقترب منها، أمسك بيديها. "سارة، أنا أحبك. وأنتِ كل ما أريد. لا تدعيهم يهزموننا."

نظرت سارة إلى عينيه، ورأت فيهما نفس الإصرار والشغف الذي أحبته. كانت تعلم أن الطريق أمامهما سيكون صعباً، لكنها كانت مستعدة لخوض المعركة.

"إذاً، ماذا سنفعل؟" سألت سارة، وقلبها بدأ يستجمع قوته.

"سنواجههم. معاً." قال فارس، وأغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما بعزم. "غداً، سأذهب إلى منزل أمي. وسأطلب من خالتك أن تأتي. وسأدعوها لتواجهكِ. أريدكِ أن تسمعي ما سيقولونه، وأن تريهم قوتكِ."

ارتعشت سارة قليلاً. المواجهة المباشرة كانت أمراً صعباً، لكنها كانت تعرف أن هذا هو الطريق الوحيد.

"وهل أنت متأكد من ذلك يا فارس؟ هل سيستمعون إليك؟"

"سيستمعون. لأنني لن أسمح لهم بأي خيار آخر. وحينما يرون إصرارنا، وحبنا، ربما… ربما سيفهمون." قال فارس، وأخذ نفساً عميقاً. "لكن الأهم، أننا يجب أن نكون على قلب رجل واحد. هل أنتِ معي، يا سارة؟"

نظرت سارة إلى فارس، ورأت فيه شريك حياتها، ومحاربها. ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها كانت مليئة بالإيمان.

"معك يا فارس. إلى النهاية."

شعرت سارة براحة غريبة، رغم أن العاصفة لم تهدأ بعد. لقد اختاروا طريق المواجهة، وقد اكتشفوا أبعاد المؤامرة. لم يعد هناك مجال للتراجع. أصبح الحسم قريباً، ورياح التغيير العاتية بدأت تهب بقوة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%