حب في المدينة الجزء الثاني
لقاءٌ مفاجئٌ في عتمة الماضي
بقلم مريم الحسن
مرت الأيام كطيفٍ سريع، يحمل معه إيقاعاً متسارعاً من العمل والتحضير. كان المهندس خالد، كما وعد، وفياً لمواعيده. أصبح يتردد على منزل ليلى بانتظام، يناقش معها تفاصيل دراسة الجدوى، يقترح حلولاً مبتكرةً للعقبات التي تواجههما.
كان خالد يتمتع بقدرةٍ فائقة على التنظيم والتخطيط. كان يضع الخطط الاستراتيجية، ويحلل الأرقام، ويراقب الميزانيات. وفي المقابل، كانت ليلى تضيف لمسةً إبداعيةً وشغفاً بالمشروع، تحول الأرقام الجامدة إلى رؤىً ملهمة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانا يعملان في غرفة المعيشة، انقطع التيار الكهربائي فجأة. انطفأت الأنوار، وساد الظلام. "يا إلهي! انقطع التيار." قالت ليلى بصوتٍ متهلل. "لا تقلقي، لدي شاحنٌ خارجي لهاتفي، يمكننا استخدامه لإضاءة المكان قليلاً." أجاب خالد، وبدأ يبحث في حقيبته.
بينما كانا ينتظران عودة التيار، جلسا في الظلام، تتخلله إضاءةٌ خافتة من الهاتف. خيم صمتٌ مريح بينهما. "هل تتذكرين أول حرفةٍ تعلمتها؟" سأل خالد بابتسامةٍ هادئة. "نعم، كان التطريز على القماش. كانت جدتي علمتني بعض الغرز الأساسية. كانت تقول لي إن كل غرزةٍ تحمل قصةً." قالت ليلى، وعادت بها الذاكرة إلى أيام الطفولة.
"قصة... هذا جميل. أنا أيضاً أحب القصص. خاصةً القصص التي تحمل دروساً." قال خالد، وصوته يحمل نبرةً غريبة، نبرةً فيها شيءٌ من الحنين.
"هل لديك قصةٌ معينة تحبها؟" سألت ليلى فضولاً. تردد خالد قليلاً، ثم قال: "كان لدي صديقٌ قديم، كان يحب الرسم على الخشب. كان يصنع لنا صناديق جميلة، ونحن نضع فيها أسرارنا. لم أرَه منذ سنوات."
لم تشعر ليلى بشيءٍ غريب في كلامه. كان يعبر عن ذكرياته. لكن، عندما عاد التيار الكهربائي، وكان خالد يستعد للمغادرة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
بينما كان يرتدي سترته، سقط من جيبها شيءٌ لامع. انحنت ليلى لتلتقطه، فرأت سلسةً فضيةً صغيرة، تحمل قلادةً على شكل حرف "ل". "هذه لك؟" سألت ليلى وهي تحملها. توقف خالد، ونظر إلى السلسلة. تغيرت ملامح وجهه فجأة. بدا مصدوماً، مرتبكاً. "لا، ليست لي. ربما... ربما سقطت مني بالخطأ." قال بصوتٍ متلعثم.
شعرت ليلى بشيءٍ غريب. كان الموقف غريباً. لماذا يرتعش؟ ولماذا يقول إنها ليست له؟ "لكن، إنها تبدو أنيقة... ومثل هذه الأشكال تكون عادةً هدايا شخصية." قالت ليلى، وعيناها مثبتتان على السلسلة.
"آه... نعم. في الواقع... لقد وجدتها قبل فترة. وأعجبتني. ظننت أنها مناسبة لي." كذب خالد بوضوح. لم تقتنع ليلى. شعرت بأن هناك سراً ما يخفيه.
عندما غادر خالد، بقيت ليلى تشعر بحالةٍ من عدم الارتياح. ما الذي يحدث؟ لماذا ارتبك خالد إلى هذا الحد؟ هل كان هناك شيءٌ في هذا القلادة يربطه بماضٍ لا تريد أن تكشف عنه؟
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. ظلت تفكر في هذا الموقف. كانت قد اعتادت في حياتها على الشفافية والأمانة. لم تكن تحب الغموض، خاصةً في علاقاتها.
بعد يومين، شعرت ليلى بضرورة المواجهة. كانت على وشك أن تبدأ مشروعاً كبيراً، وكانت بحاجةٍ إلى التأكد من أن الشركاء الذين تتعامل معهم جديرون بالثقة.
قررت أن تلقي نظرةً على حساب خالد على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها لم تكن تفعل ذلك عادةً. لم يكن لديه حسابٌ نشط. كان كل ما وجدته هو بعض الصور القديمة، التي لم تظهر فيها ملامح واضحة.
لكن، أثناء تصفحها، لفت انتباهها تعليقٌ قديمٌ على إحدى الصور. كان التعليق من حسابٍ يحمل اسم "ليلى_الأمل". "ذكريات لا تُنسى يا خالد. سأتذكر دائماً هذا اليوم." والصورة كانت لرجلٍ شابٍ يقف أمام لوحةٍ كبيرة، يرسم عليها. كان الرجل يرتدي قلادةً فضيةً مشابهة لتلك التي وجدتها.
تجمّدت ليلى في مكانها. "ليلى_الأمل"؟ هل يمكن أن يكون هو؟ هل هذه الصورة من الماضي؟ ذهلت ليلى. هل كان لخالد علاقةٌ قديمة باسمها؟ أم أن هناك صدفةً غريبة؟
شعرت بالدوار. كانت تتخيل ألف سيناريو. هل كان خالد يعرفها قبل اللقاء؟ هل كان هناك سببٌ خفيٌّ وراء اهتمامه بمشروعها؟ كانت هذه مجرد بداية. بدايةً لم تكن تتوقعها أبداً. لقد دخل حياتها كصديقٍ وداعم، لكنها الآن تشعر بأن هناك عتمةً في ماضيه، عتمةً بدأت تتكشف، وربما تحمل في طياتها ما يغير كل شيء.