حب في المدينة الجزء الثاني
شقوقٌ في جدار الثقة
بقلم مريم الحسن
تسللت إلى غرفة المعيشة، حيث تجلس والدتها، السيدة فاطمة، تراقب نشرة الأخبار بصمت. اعتادت ليلى أن تشارك والدتها كل تفاصيل حياتها، ولكن في الآونة الأخيرة، شعرت بأن هناك حاجزاً غير مرئيٍ يمنعها من البوح بكل شيء.
"مرحباً أمي." قالت ليلى بصوتٍ متعب. "أهلاً بكِ يا ابنتي. تبدين منهكةً." ردت السيدة فاطمة، وعيناها مليئتان بالحنان والقلق. "نعم، العمل متواصل. دراسة الجدوى تتطلب الكثير من الجهد."
جلست ليلى بجوار والدتها، وحاولت أن تتجنب تفكيرها في القلادة الغامضة. لكن، لم تستطع. كان السؤال يلح عليها: من هو خالد حقاً؟ ولماذا هذا الارتباك؟
"أمي، هل سبق لكِ أن سمعتِ عن مشروعٍ نسائي مشابه لمشروعي؟ دار لتعليم الحرف اليدوية؟" سألت ليلى، محاولةً قياس ردة فعل والدتها. نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بتساؤل. "مشروعٌ كهذا؟ لم أسمع بشيءٍ كهذا في الآونة الأخيرة. لكن، الفكرة رائعةٌ يا ابنتي. وأنا أدعمكِ فيها." "ولكن، هل لديكِ فكرةٌ عن أي شخصٍ كان لديه مثل هذه الفكرة في الماضي؟" أصرت ليلى. فكرت السيدة فاطمة قليلاً. "ليس لديّ ذكرٌ لشيءٍ مشابه. لكن، جدتكِ كانت تحلم بشيءٍ كهذا، أليس كذلك؟"
شعر ليلى بأن الحائط المبني من التحفظ يزداد ارتفاعاً. كان عليها أن تواجه خالد، وأن تحصل على إجابات.
في اليوم التالي، عندما وصل خالد، استقبلته ليلى بابتسامةٍ مصطنعة. "صباح الخير يا مهندس خالد. هل أنت مستعدٌ لمواصلة العمل؟" "صباح الخير يا ليلى. بالطبع. هل هناك أي مستجدات؟"
أثناء جلوسهما، قررت ليلى أن تبدأ. "مهندس خالد، هل يمكنني أن أسألك سؤالاً شخصياً؟" توقف خالد عن تصفح الأوراق، ونظر إليها. "بالتأكيد. تفضلي." "قبل فترة، وجدتُ معك سلسلةً فضيةً، قلادة على شكل حرف 'ل'. هل كان لديك علاقةٌ بـ 'ليلى_الأمل'؟"
تجمد خالد في مكانه. بدا وكأن الأرض انشقت وابتلعته. وجهه شحب، وعيناه اتسعتا. "من أين لكِ هذا الاسم؟" سأل بصوتٍ متوتر. "وجدته في تعليقٍ على صورةٍ قديمة، لحسابٍ باسم 'ليلى_الأمل'."
بدأ خالد يتنفس بصعوبة. "هذه... هذه قصةٌ قديمة جداً. قصةٌ لي مع... مع شخصٍ آخر." "لكن، كيف؟ ولماذا كنت تحمل القلادة؟" سألت ليلى، وقلبها يدق بعنف.
"قبل سنواتٍ طويلة، كان لدي صديقةٌ مقربة، اسمها ليلى. كانت تحب الرسم، وكانت لديها أحلامٌ كبيرة. كانت تحلم بإنشاء مشروعٍ مشابه لمشروعكِ، مشروعٍ يعتمد على الإبداع والجمال. ولدت في يومٍ من الأيام، فأعطيتها هذه القلادة كهديةٍ، عليها حرف اسمها. كانت هي من أطلقت عليّ اسم 'خالد_الأمل' في ذلك الوقت. كنا... كنا قريبين جداً."
"قريبين؟ كيف؟ هل كنتم...؟" سألت ليلى، وشعرت بأن دمها يتجمد. "كنا مخطوبين يا ليلى. لم تكن الأمور تسير على ما يرام. حدثت ظروفٌ صعبة. اضطررت للسفر، وانقطعت أخبارنا. لم أرها منذ ذلك الحين." قال خالد، وصوته يحمل نبرةً من الحزن العميق.
"ومنذ متى؟" سألت ليلى. "منذ حوالي خمس سنوات."
شعرت ليلى بأن العالم ينهار من حولها. كانت تعتقد أنها وجدت شريكاً موثوقاً، يدعمها في تحقيق حلمها. لكن، اتضح أن له ماضياً معقدًا، ماضٍ يحمل اسماً مشابهاً لاسمها.
"ولماذا لم تخبرني بهذا؟" سألت ليلى، وشعرت بالغضب يتسلل إلى صوتها. "لم أكن أعرف كيف. لم أكن أريد أن أزعجكِ. كنت أظن أن هذه القصة قد انتهت."
"يبدو أن القصة لم تنتهِ بعد، أليس كذلك؟" قالت ليلى بسخرية. "هل تريد مني أن أصدق أن هذه القلادة وجدتها عشوائياً؟ وأن اسم 'ليلى_الأمل' هو مجرد صدفة؟"
"أنا آسف يا ليلى. لقد أخطأت. لم أكن أريد أن أخفي عنكِ شيئاً، لكنني كنت خائفاً. خائفاً من أن تفقدي الثقة بي."
"الثقة؟ كيف أثق بك يا خالد، وأنت تخفي عني أمراً كهذا؟ أمراً يربطك بصديقةٍ سابقة، حملت اسماً مشابهاً لاسم فتاةٍ تعمل معك الآن؟"
بدأت ليلى تشعر بأن مشروعها، الذي كان يمثل الأمل، أصبح يمثل الشك والريبة. هل كانت هذه مجرد بداية؟ هل هناك المزيد من الأسرار؟
"أنا... أنا آسف جداً. لم أقصد أبداً إيذاءكِ أو خداعكِ. فقط... ظننت أنني يجب أن أتعامل مع هذا الأمر وحدي."
"التعامل؟ وهل كنت تتعامل معه عن طريق ارتداء قلادةٍ تحمل حرف اسمي؟" سألت ليلى بمرارة.
نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه مزيجاً من الحزن والندم. لكن، هل كان هذا كافياً؟ هل يمكنها أن تتجاوز هذه الصدمة؟
"أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ لأفكر." قالت ليلى ببرود، وشعرت بأن كل شيءٍ قد تغير. جدار الثقة الذي بنته ببطءٍ على مدار الأسابيع الماضية، بدأ يتصدع، وبدأت ترى من خلاله شقوقاً مظلمة، شقوقاً في عتمة الماضي.