الزوج المجهول
هالةٌ من عبق الياسمين
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة الياسمين المتسلقة على جدران البيت العتيق تملأ الأجواء بنسماتٍ عطريةٍ تداعب الحواس. في تلك الليلة الصيفية الهادئة، جلست "ليلى" على شرفة غرفتها المطلة على بستانٍ مترامي الأطراف، وقد نسجت خيوط الفجر الذهبية الأولى وشاحًا رقيقًا على وجنتيها. لم تكن مجرد فتاةٍ تبحث عن ملاذٍ للنوم، بل كانت روحٌ تواقةٌ تنتظر إشارةً من القدر، تنتظر بداية قصةٍ ربما تكون قد خطت ملامحها الأولى في علم الغيب.
كانت "ليلى" قد بلغت سن الزواج، وهي سنٌ مباركةٌ في مجتمعها، تدفعها إلى التفكير في استقرارٍ وسكنٍ، وفي بيتٍ يملؤه الحب والرحمة. ولكن البحث عن هذا السكن لم يكن بالأمر الهين. كانت تنظر إلى صديقاتها، ترى الواحدة تتزوج من شابٍ عرفته منذ الصغر، والأخرى ترتبط برجلٍ تقدم لخطبتها بعد أن أثبت جدارته، بينما كانت هي، "ليلى" ذات الثمانية والعشرين ربيعًا، لا تزال تنتظر. لم تكن متعجلةً، بل كانت تؤمن بأن لكل شيءٍ وقته، وأن الله كاتبٌ لكل عبدٍ نصيبًا.
لكن الانتظار لم يكن خاليًا من التساؤلات. كانت تتأمل وجه أمها الحنون، ترى فيها حرقةً دفينةً، شوقًا لرؤيتها سعيدةً، مستقرةً، وأن ينتهي بها المطاف في بيتٍ عامرٍ بالأحفاد. كانت ترى قلق والدها، الرجل الصالح الذي بنى حياته على تقوى الله، ويسعى دائمًا لتأمين مستقبل بناته. كانت "ليلى" تعرف أن مسؤوليتها تجاههما تفوق مسؤوليتها تجاه نفسها، وأن سعادتهما تكمن في استقرارها.
فتحت كتابًا قديمًا، أغلقته منذ زمن، أغلقته على أحلامٍ ورديةٍ لم تتحقق بعد. كان الكتاب رسائل متبادلة بين جدتها الراحلة وجدها، قصص حبٍ صادقٍ، بنيت على المودة والاحترام، قبل أن تصبح المصالح والظواهر هي المعيار. تنهدت "ليلى" وأغلقت الكتاب ببطء، متسائلةً: هل لا يزال هناك في هذا الزمن رجلٌ كهؤلاء الأجداد؟ رجلٌ يبني بيته على أساسٍ متينٍ من الدين والخلق، رجلٌ يرى في المرأة شريكةً لا مجرد إمتاعة؟
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من أسفل الشرفة. صوتٌ كان يحمل نداءً غريبًا، لم يكن صوت طائرٍ جارحٍ، ولا صوت حيوانٍ مفترس. كان صوتًا أقرب إلى همسٍ، يحمل نغمًا عميقًا، يثير فضولها. نظرت إلى الأسفل، فلم ترَ شيئًا غير الظلام الذي بدأ يتراجع أمام وهج القمر. لكن الصوت استمر، يتغلغل في أذنها، يجعل قلبها يخفق على إيقاعٍ لم تعهده من قبل.
ترددت "ليلى" لحظة. هل كان وهمًا؟ هل كان خيالًا نسجته وحشة الليل؟ لكن الصوت كان أقوى، وأكثر وضوحًا. وكأن شيئًا ما يدفعها للنزول، للاستكشاف. ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ خفيفةٌ، مزجت بين الحيرة والفضول. نهضت من مكانها، بخطواتٍ متثاقلةٍ، ولكنها متيقنة. نزلت الدرج بهدوء، متجنبةً إحداث أي ضوضاء.
وصلت إلى فناء البيت، حيث تتدلى أغصان أشجار الليمون والتين. كان الهواء باردًا منعشًا، يحمل معه رائحة التراب المبلل بندى الليل. اقتربت من المكان الذي سمعت منه الصوت، ورأت ظلاً واقفًا بالقرب من السور. ظلٌ لرجلٍ، لم تستطع تمييز ملامحه في الظلام، ولكنه كان شامخًا، مهيبًا.
صمتت "ليلى" تمامًا، تراقب. هل هو لص؟ هل هو أحدٌ ضل طريقه؟ لا، هذا الصوت لم يكن صوت لص. كان صوتًا يحمل وقارًا، ونبرةً لم تألفها من قبل.
ثم، رفع الرجل رأسه، وكأنه شعر بوجودها. ورغم الظلام، شعرت "ليلى" بنظراته تخترقها. لم تكن نظراتٍ فاضحةً، بل كانت نظراتٍ تحمل ثقلًا، تحمل معاني كثيرة.
"من هناك؟" سأل الرجل بصوتٍ عميقٍ، لم يكن فيه أي خوفٍ أو ارتباك.
شعرت "ليلى" بأنفاسها تتعثر. لم تجب فورًا. ثم، استجمعت قواها، وقالت بصوتٍ خافتٍ، بالكاد مسموع: "أنا... ليلى."
لم يبدُ على الرجل أي رد فعلٍ مفاجئ. ظل واقفًا، ثم قال: "هذه الليلة تحمل سرًا."
لم تفهم "ليلى" ما قصده. ما هو السر؟ وما علاقتها به؟
"لم أكن أتوقع أن أجدكِ هنا،" تابع الرجل، وصوته أصبح أكثر ليونةً. "ولكنني كنت آمل أن ألتقي بكِ."
كانت الكلمات غريبةً، ومشوقةً في آنٍ واحد. من هذا الرجل؟ ولماذا كان يأمل بلقائها؟
"من أنت؟" سألت "ليلى" بجرأةٍ أكبر، وقد زال عنها قليلٌ من الخوف، وحل محله سيلٌ من التساؤلات.
ابتسم الرجل ابتسامةً خفيفةً، بالكاد تلمح في الظلام. "أنا... شخصٌ جاء لينتظركِ."
"ينتظرني؟" كررت "ليلى" متسائلةً، وقد بدأت تشعر بنبضات قلبها تتسارع.
"نعم، ينتظركِ. ينتظر اللحظة التي ترين فيها ما لم تريه عينٌ من قبل. ينتظر اللحظة التي تعرفين فيها أن القدر له طرقٌ لا نعلمها، وأن الله يرتب لنا الأسباب."
كان كلامه يغلفها بسحرٍ عجيب. شعرت بأنها تقف أمام لغزٍ كبير، لغزٍ سينكشف، وربما يغير مجرى حياتها.
"ولماذا تنتظرني؟" سألت "ليلى"، وعيناها تبحثان عن إجاباتٍ في الظلام.
"لأنكِ تستحقين الانتظار،" أجاب الرجل بصدقٍ عميق. "ولأنني... وجدت فيكِ ما كنت أبحث عنه."
لم يكن لديه جوابٌ شافٍ، ولكن كلماته كانت تزرع بذورًا من الأمل والفضول في قلب "ليلى". لقد دخلت حياتها ذات ليلةٍ، ليس كعابرٍ سبيلٍ، بل كقدرٍ مكتوب، كرجلٍ جاء لينتظرها، ليفتح لها أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها.
"ولكن... من أنت حقًا؟" سألت "ليلى" مرةً أخيرة، بصوتٍ يرتجف قليلاً.
لم يجب الرجل. بل ظل واقفًا، صامتًا، وكأنه يريد أن يتركها تفكر، وأن تترك الخيال ينسج لها صورةً. ثم، وبنفس الهدوء الذي ظهر به، بدأ بالابتعاد، متغلغلًا في الظلام، تاركًا "ليلى" واقفةً في فناء البيت، تحمل في قلبها وعدًا غامضًا، وفي عقلها أسئلةً لا نهاية لها.
وقفت "ليلى" تشعر بأنها لم تعد الفتاة التي كانت قبل دقائق. لقد شعرت بأن حياتها قد اتخذت منعطفًا جديدًا، منعطفًا بدأ بظلٍ في الظلام، وبكلماتٍ تركت أثرًا عميقًا. رائحة الياسمين في تلك الليلة لم تعد مجرد عطرٍ، بل أصبحت تحمل معنىً جديدًا، معنىً مرتبطًا بذلك الرجل المجهول، الذي جاء لينتظرها، ووعدها بلقاءٍ لا تعرف ملامحه، ولا تعرف ما يحمله من مفاجآت.