الفصل 11 / 25

الزوج المجهول

همسات الشك في فؤاد الزهراء

بقلم مريم الحسن

عادت الزهراء إلى شقتها الصغيرة، بعد تلك الجلسة المطولة مع جدتها، وقد استقرت في جنبات روحها غيمة من التساؤلات. لم تكن الأفكار الجديدة التي غرستها العجوز الحكيمة في عقلها مجرد ظلال عابرة، بل بدت وكأنها جذور تتغلغل بصمت في تربة مشاعرها. كانت تتأمل وجه زوجها، الذي لم تره منذ أشهر، وجه يخيل إليها أنها تعرفه حق المعرفة، وأنها اختارته بحكمة، وأن الود الذي يجمع بينهما، وإن كان لم يكتمل تفاصيله بعد، هو بداية الطريق. لكن جدتها، بكلماتها التي حملت نبرة الشفقة الممزوجة بالحذر، تركت فيها أثراً عميقاً. "من يدري يا ابنتي، ما تخبئه الأيام؟ ومن يدري ما في القلوب؟" كانت هذه العبارة، التي بدت بريئة في ظاهرها، كأنها تسكب زيتاً على نار فتنة بدأت تتأجج في أعماقها.

كانت ترى في فارس، زوجها، الرجل المثالي الذي تخيلته الفتيات في أحلامهن. رجلٌ خجولٌ في بداية علاقتهما، لكنه كريمٌ في تعاملاته، صادقٌ في وعوده، محافظٌ على فرائضه، ويحترم تقاليد أسرته. كان كل لقاء بينهما، وإن كان نادراً، يترك في نفسها شعوراً بالدفء والطمأنينة. كانت تتحدث إليه عبر الهاتف، تسمع صوته العميق الهادئ، وتستشعر حنانه في كلماته. كانت تظن أنها تعرفه، لكن جدتها جعلتها تشك في هذه المعرفة. هل كان هذا الهدوء الظاهر ستاراً يخفي شيئاً ما؟ هل كانت هذه الصدق الظاهري مجرد تمثيل متقن؟

جلست على أريكتها الوثيرة، وأم الإمساك بكتابها المفضل، لكن الكلمات تبدو باهتة، لا تستطيع التركيز عليها. كانت تسترجع آخر محادثة هاتفية مع فارس. كان يتحدث عن ترقية حصل عليها في عمله، وعن سعادته الغامرة. كان صوته مليئاً بالحياة، مليئاً بالأمل. لكن شيئاً ما في نبرته، شيئاً دقيقاً جداً، جعل جدتها تشك. ربما كانت كلمات جدتها قد صبغت سمعها، وجعلتها تبحث عن ما لم يكن موجوداً.

تنهدت بعمق، ووقفت لتتجول في غرفتها. ألقت نظرة على صورة زفافها، تلك الصورة التي جمعتهما لأول مرة. كان هو يبتسم ابتسامة خجولة، وهي تشعر بالخجل والسعادة في آن واحد. هل كانت تلك السعادة وهماً؟ هل كانت تلك الثقة التي وضعتها فيه في غير محلها؟

أمسكت بيدها بقلادة بسيطة كانت ترتديها، هدية من والدتها قبل وفاتها. كانت تشعر بأن جدتها، رغم نواياها الطيبة، قد زرعت بذور الشك في أرضيتها الهشة. كانت تعرف أن الزواج الحلال يقوم على الثقة والاحترام المتبادل، وأن الشك قد يكون بمثابة السم الذي ينخر في بناء أي علاقة. لكنها لم تستطع إيقاف الأفكار التي تتوالد في عقلها.

في المساء، قررت أن تتصل بصديقتها المقربة، سارة. سارة، الفتاة العاقلة والمتزنة، قد تستطيع أن تساعدها في رؤية الأمور بوضوح. "مرحباً يا سارة، كيف حالك؟" "أهلاً بالزهراء، بخير والحمد لله. كيف حالك أنتِ؟ هل أخبارك سارة؟" "أنا بخير، لكنني أشعر ببعض القلق." "قلق؟ من ماذا؟ هل حدث شيء؟" "ليس شيئاً محدداً، لكنني بدأت أتساءل عن أمور. هل من الطبيعي أن تشعر الزوجة بالشك تجاه زوجها، حتى لو لم يكن هناك سبب واضح؟" "الشك؟ ولماذا تشعرين بالشك؟ هل حدث شيء يثير ريبتك؟" "لا، ليس شيئاً ملموساً. ربما قرأت الكثير من القصص، أو ربما كلام جدتي أثر فيّ." "كلام جدتك؟ ماذا قالت لكِ؟" "لا شيء محدد، لكنها تحدثت عن الحذر، وعن أن الأمور ليست دائماً كما تبدو. وبدأت أتساءل. هل أنا حقاً أعرف فارس كما أعتقد؟ هل هناك جوانب في شخصيته لا أعرفها؟"

سكتت سارة لبرهة، ثم قالت بصوت هادئ: "يا عزيزتي الزهراء، الشك قد يكون سلاحاً ذا حدين. يمكن أن يحمينا أحياناً، ولكنه قد يدمرنا أحياناً أخرى. إذا لم يكن لديكِ سبب واضح للشك، فلا تدعي الأفكار السلبية تتسلل إلى قلبك. الزواج رحلة، تحتاج إلى ثقة وصبر. ربما تحتاجين فقط إلى مزيد من الوقت لتعرفي فارس بشكل أعمق. التواصل الجيد هو مفتاح كل شيء. تحدثي إليه، شاركيه أفكارك ومشاعرك. لا تدعي هذه الهواجس تسيطر عليكِ."

شعرت الزهراء براحة طفيفة بعد حديثها مع سارة. كانت كلمات صديقتها بمثابة بلسم لروحها القلقة. ولكن، ورغم محاولاتها، لم تستطع أن تتخلص تماماً من تلك الظلال الخفيفة التي ألقتها جدتها. ظلت تلك الهمسات الصغيرة تتسلل إلى عقلها، تثير فيها تساؤلات خفية، تجعلها تتأمل زوجها بطريقة مختلفة، بطريقة تحمل طابع الشك والحذر. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، بين ثقتها الفطرية بزوجها، وبين التأثير الخفي لكلام الآخرين. كان عليها أن تجد طريقة لمواجهة هذه المشاعر، وأن تستعيد سكينة روحها قبل أن تتحول تلك الهمسات إلى ضجيج يعصف بعلاقتها.

في ختام اليوم، استلقت الزهراء في سريرها، وعينها لا تزال معلّقة بالسقف. كانت تتمنى لو أن بإمكانها أن ترى في المستقبل، لو أن بإمكانها أن تقرأ ما يدور في عقل زوجها، لو أن بإمكانها أن تتأكد من صدق مشاعره. لكنها تعلم أن الزواج ليس مجرد لقاء للحقيقة، بل هو رحلة اكتشاف مستمرة، رحلة تتطلب الإيمان، والصبر، والأهم من ذلك كله، الثقة. ورغم كل شيء، لم تفقد الأمل. ظلّت تلك الشرارة الصغيرة من الحب والتقدير التي شعرت بها تجاه فارس، تقاوم تيارات الشك. لكن عليها أن تجد حلاً لهذا التضارب الداخلي، قبل أن ينمو الشك ويكبر، ويصبح عقبة حقيقية أمام بناء مستقبلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%