الفصل 12 / 25

الزوج المجهول

ظل الماضي يلوح في الأفق

بقلم مريم الحسن

في صباح اليوم التالي، استيقظت الزهراء وقد أشرقت الشمس بحرارة معتادة على المدينة، لكن حرارة الشمس لم تستطع أن تبدد البرودة التي بدأت تتسلل إلى قلبها. كانت قد قضت ليلة مضطربة، تتقلب بين أحلام مشوشة ويقظة مؤلمة. ظلت كلماتها جدتها تدور في رأسها، ممزوجة بصورة فارس، وجهه الذي لم تره إلا في المناسبات القليلة. هل كانت جدتها على حق؟ هل هناك حقاً ما تخفيه الأيام؟

قررت أن تبدأ يومها بشكل مختلف. بدلاً من الانغماس في الأفكار، ستبدأ بالعمل. كانت تعمل كمصممة جرافيك في شركة ناشئة، مجال يحتاج إلى تركيز وإبداع. ربما يساعدها إيقاع العمل على نسيان ما يقلقها. في المكتب، انهمكت في تصميم شعار جديد لأحد العملاء. كانت ألوان التصميم زاهية، وشكله جذاب، لكن عقلها كان شاردًا. كانت تراقب زملاءها، أحاديثهم، ضحكاتهم. كان كل شيء يبدو طبيعياً، روتينياً. لكنها شعرت بأن هناك شيئاً ما يفتقر إليه كل هذا. افتقاد ذلك الارتباط العميق، الارتباط الذي لم تجده إلا في خيالها، أو في القصص التي تقرأها.

خلال استراحة الغداء، جلست وحدها في المقهى القريب، تتأمل المارة. رأتها عينها فجأة، فتاة شابة، تقف أمام واجهة محل مجوهرات، تتأمل قلادة براقة. كان مظهرها يوحي بالبهجة والسعادة. تذكرت الزهراء لحظة مشابهة، قبل زواجها بفترة قصيرة. كانت قد تلقت هدية رائعة من والدها، ساعة يد أنيقة، وكانت سعادتها لا توصف. هل كانت تلك السعادة مجرد لحظة عابرة، أم أنها تعكس حقيقة مشاعرها؟

فجأة، سمعت صوتاً يناديها. "الزهراء؟ هل أنتِ هنا؟" التفتت، فرأت زميلها في العمل، خالد. شابٌ لطيف، دائماً ما يبتسم، ويقدم المساعدة. "أهلاً بك يا خالد، تفضل." "كنت أبحث عنكِ. قالوا أنكِ في الخارج." "نعم، أردت أن أتنفس قليلاً." "هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين شاردة الذهن." ابتسمت الزهراء ابتسامة خفيفة. "لا شيء، مجرد تفكير." "عن فارس، صحيح؟" سأل خالد، بنبرة تبدو وكأنها تحمل بعض القلق. تفاجأت الزهراء. "كيف عرفت؟" "لا أعرف، ربما لأنكِ تتحدثين عنه قليلاً، ولكنكِ دائماً ما تبدين وكأنكِ تفكرين به. هو رجلٌ محظوظٌ بكِ، الزهراء." "شكراً لك يا خالد، هذا لطف منك." "هل هناك شيء يزعجك؟ إذا كنتِ ترغبين في التحدث، فأنا موجود."

نظرت الزهراء إلى خالد، وشعرت بأنها تستطيع أن تثق به. كانت لديه هالة من الصدق والاهتمام. "في الحقيقة، نعم. كلام جدتي أثر فيّ كثيراً. بدأت أشك في أمور. هل من الطبيعي أن لا تعرف الزوجة زوجها جيداً بعد زواجهما؟" "هذا يعتمد على الظروف، أليس كذلك؟" قال خالد بحكمة. "أحيانًا تكون الظروف أقوى من رغباتنا. ولكن، هل سمعتِ عن قصة والدة صديقنا المشترك، أحمد؟" "لا، ماذا حدث؟" "والدته، السيدة فاطمة، تزوجت من رجل لم تعرفه إلا قليلاً جداً. كان متديناً، وخلوقاً، لكنه كثير السفر بسبب عمله. قضت سنوات في زواجها، تشعر بأنها لا تعرفه حقاً. كانت تعيش في انتظار، في قلق. ولكن، عندما أصيب بمرضٍ خطير، تكشف عن معدنه الأصيل. كان صبوراً، قوياً، محباً لعائلته. لقد كافح بشرف، ولم يتذمر أبداً. أدركت والدته حينها، أن الحب الحقيقي لا يكمن في المعرفة السطحية، بل في قوة الشخصية، وفي المواقف الصعبة. قد تعرفين فارس بشكل أفضل في يوم من الأيام، عندما تأتي الفرصة. الأهم هو أن تثقي فيه، وأن تعطيه الفرصة ليثبت لكِ أنه يستحق هذه الثقة."

كان كلام خالد يمثل وجهة نظر مختلفة. لم يعتمد على الشك، بل على الإيمان بالقيم الإنسانية. شعرت الزهراء بأن هذا الكلام يلامس قلبها. ربما كانت جدتها، في محاولة لحمايتها، قد ألقت بظلال سلبية. ربما كان فارس، مثل والدة أحمد، يمر بظروف تجعله بعيداً، ولكن جوهره قد يكون نقيّاً.

عادت الزهراء إلى مكتبها، وقد بدأت قناعات جديدة تتشكل في ذهنها. لم تكن قد تخلصت تماماً من الشك، لكنها بدأت تفكر بطريقة أكثر إيجابية. بدأت ترى العلاقة مع فارس كرحلة، وليس كوجهة. رحلة تتطلب الصبر، والفهم، والثقة.

بعد انتهاء دوام العمل، قررت أن تقوم بزيارة لمكتبة قديمة كانت تحبها. كانت تبحث عن كتاب عن سيرة صحابيات جليلات، ربما تجد فيهن العبرة. وبينما كانت تتصفح الرفوف، وقعت عيناها على كتاب قديم، غلافه بالي، لكن عنوانه لفت انتباهها: "الوفاء في حياة السلف". فتحت الكتاب، وقرأت فيه قصصاً عن زوجات كنّ يؤمنّ بأزواجهن، حتى في غيابهم الطويل. قرأت عن صبرهن، وعن ثقتهن بالله، وعن الأثر العظيم الذي تركته تلك الثقة في بناء أسر مستقرة وسعيدة.

شعرت بأنها بدأت ترى خيطاً رفيعاً من الأمل يتسلل إلى قلبها. ربما كان هذا هو الطريق. الطريق الذي يتطلب منها أن ترى ما هو أبعد من الظاهر، وأن تثق بما لا تستطيع رؤيته. في طريق عودتها إلى المنزل، نظرت إلى السماء، وشعرت بنسيم خفيف يداعب وجهها. بدا وكأن السماء تبث إليها الطمأنينة.

في تلك الليلة، لم تكن أحلامها مضطربة كما في الليلة السابقة. كان هناك شعور بالسلام الداخلي، شعور بأنها على وشك اكتشاف شيء مهم. اكتشاف أن قوة العلاقة لا تكمن فقط في القرب، بل في عمق الإيمان، وفي القدرة على الانتظار، وفي الثقة بأن الخير قادم. ولكن، وبينما كانت تستعد للنوم، تذكرت شيئاً. شيئاً لم تفكر فيه من قبل. هل كان هناك شخص آخر قد يكون له دور في كل هذه الظروف؟ هل كان هناك سبب خفي لغياب فارس، سبب لا يعلمه إلا هو؟ هذا السؤال، كظل صغير، بدأ يتسلل إلى زوايا عقلها، ليجعل ليلتها القادمة تحمل قدراً جديداً من التساؤلات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%