الفصل 16 / 25

الزوج المجهول

همسات الماضي ورياح الحقيقة

بقلم مريم الحسن

كان الهواء ثقيلاً في غرفة المعيشة، محملاً بنبرات الصمت التي تتحدث أكثر من ألف كلمة. جلست "ليلى" قبالة عمها "أبو أحمد"، ووجهها شاحب كزهرة ذوت تحت وهج شمس قاسية. بينهما، كان المصحف الشريف مفتوحاً على صفحة تلاها "أبو أحمد" بصوت خفيض، وكأن كلماته تتردد في جنبات البيت كأنين روح. لم تكن "ليلى" تبحث عن تفسير آية، بل عن خلاص لنفس استوطنتها وحشة الحيرة.

"لقد حاولتُ يا ابنتي، حاولتُ جاهداً أن أتجاوز ما أسمعه، وأن أدفن ما رأيته في ظلمات ذاكرتي. لكنّي لم أستطع. كيف لي أن أتجاوز وعداً قطعته لفقيدٍ، وكيف لي أن أنام قرير العين وأنا أحمل سراً يهدد سمعتكم، بل يهدد أسس هذا البيت الذي بنيناه على الشرف والأمانة؟"

أخذ "أبو أحمد" نفساً عميقاً، وكان أنينه الخفيف يكسر رتابة الصمت. "الموضوع أكبر مما تتصورين يا ليلى. إنه يتعلق بزوجك، بالسيد "خالد"."

ارتعش جسد "ليلى" فجأة. لم يكن اسم "خالد" غريباً عنها، بل كان محور حياتها، ومركز أحلامها. ولكن كيف يمكن أن يكون هو سبب هذا الثقل وهذا الحزن الذي يلف عمها؟

"ماذا تقصد يا عمي؟ خالد؟ وما دخله هو في هذا؟" سألت بصوت مختنق، وعيناها تبحثان عن أي بصيص أمل في وجهه الشديد.

"إنّ الأمر يتعلق بمن أراد أن يحميها، ومن أراد أن يضللها. تذكرين تلك الرسالة التي وجدتها في صندوق جدتك؟ تلك التي كتبتها أمي؟"

أومأت "ليلى" برأسها، تتذكر بوضوح تلك الأوراق الصفراء الهشة، والتي كانت تحمل كلمات قديمة عن حب ممنوع، وعن خطط سرية، وعن وعد باللقاء. كانت تعتقد أنها مجرد بقايا قصة حب عابرة، لم تنتهِ إلى نهاية سعيدة.

"لم تكن مجرد قصة حب عابرة يا ابنتي. كانت تلك الرسالة نقطة تحول في حياة عائلتنا. كانت وعداً بالزواج، وعداً من رجلٍ أحبّتْه أمي قبل أن تأتي إلى هذا البيت، قبل أن تلتقي بوالدك."

اتسعت عينا "ليلى" ذهولاً. أمها! حبٌّ قبل أبيها؟ كيف ذلك؟ وهل لهذا علاقة بـ "خالد"؟

"لقد كان لـ "أمي" قصة حبٍ قديمة، قصةٌ حاولنا جميعاً أن نطويها. لكنّ القدر أبى إلا أن يمدّ لها ذراعاً، وأن يكشف عن خباياها. لقد تزوجت أمك سراً من رجلٍ أحبّته، وكتبت له رسائلها تلك. ولكن، وقبل أن يكتمل زواجهما، شاء القدر أن تُجبر على الزواج من والدك. لقد كان قراراً صعباً، قراراً اتخذته عائلتها لحمايتها من العار، وللحفاظ على سمعةٍ كانت أغلى من أي شيء."

انهمرت دمعة حارة على خد "ليلى". لم تكن تتخيل أبداً أن أمها، التي لطالما عرفتها بالصبر والقوة، قد عاشت مثل هذا الألم.

"لكن، ما علاقة "خالد" بكل هذا؟" سألت مجدداً، وعقلها يكاد يطير من شدة المفارقة.

"هنا تكمن الحقيقة التي لم أكن أستطيع قولها لكِ. إنّ السيد "خالد"، هو ابن ذلك الرجل الذي أحبّته أمك. لقد اكتشف "خالد" هو الآخر، بعد وفاة والده، قصة حبهما. بل اكتشف أن والده لم يكن قد تنازل عن حقه، وأنّ زواج أمك من والدك لم يكن كاملاً من وجهة نظر القانون الشرعي آنذاك، لأنّ والده كان قد تزوجها بالفعل، وإن كان زواجاً سرياً."

تجمّدت "ليلى" في مكانها، وكأنّ صاعقة نزلت عليها. زوجها، "خالد"، هو ابن الرجل الذي كانت أمها تحبه، وأنّ زواجها من والدها لم يكن شرعياً بالكامل؟ هذا يعني... هذا يعني أنّ زواجها هي من "خالد" قد يكون باطلاً؟

"هذا مستحيل! لا يمكن! "خالد" لم يقل لي شيئاً عن هذا!" صرخت "ليلى"، وقلبها يضرب بعنف في صدرها.

"لأنه كان يريد حمايتكِ يا ابنتي. لقد اكتشف الأمر بعد زواجه منكِ، ولكنه لم يرد أن يخبركِ، خشية أن يفقدكِ. لقد كان يحبكِ حباً جنونياً، ولكنه عاش في خوفٍ دائم، خوفٍ من أن ينكشف السر، وأن تفقديه. لقد حاول أن يجد طريقة لتصحيح الأمور، ولكنّ هذا الأمر معقّدٌ جداً."

"إذاً، كل هذا الزواج، كل هذا الحب، كل هذه الأحلام... كانت مبنية على وهم؟ على سرٍّ كبير؟" سألت بدموعٍ غزيرة، وعيناها تحدقان في الفراغ.

"لا يا ابنتي، لم يكن وهماً. لقد كان حباً حقيقياً. ولكنّ الظروف المحيطة به كانت معقدة. لقد عرف "خالد" بوجودكِ، وكان يؤمن بأنّ والدته التي كانت في أمس الحاجة إلى رجلٍ كريم، وجدته في شخص والدكِ. وعندما رأى والدته حزينة، قرر أن يساعدها، وأن يصلح ما أفسدته الأقدار. ولكنّ اكتشاف هذا السرّ، جعل الأمور تزداد تعقيداً."

"ولماذا لم يخبرني؟ لماذا تركني أعيش في غفلة؟" صوت "ليلى" تحوّل إلى أنينٍ حزين.

"لأنه كان خائفاً، يا ابنتي. لقد أحبكِ، وخاف أن يؤذيكِ بالحقيقة. حاول أن يجد حلاً، أن يتزوجكِ زواجاً شرعياً تاماً، وأن يتجاوز هذه المشكلة. ولكنه عندما عرف أنّ زواج أمكِ من والدكِ لم يكن كاملاً تماماً، أصبح الأمر حساساً جداً. وقد أراد أن يتأكد من كل شيء قبل أن يخبركِ."

"إذاً، ما هو وضعي الآن؟ هل أنا حقاً زوجته؟ هل هذا الزواج صحيح؟" سألت، وشعورٌ بالغربة تملكها.

"هنا تكمن المشكلة الكبرى يا ليلى. الحقيقة المرة هي أنّ زواج أمكِ من والدكِ لم يكن مكتمل الأركان الشرعية. ولذلك، فإنّ أيّ زواجٍ تمّ بعد ذلك، بناءً على هذا الزواج، يعتبر مشوباً."

"مشوباً؟ ماذا يعني مشوباً؟"

"يعني غير مكتمل، يا ابنتي. يعني أنّ هناك شكوكاً حول صحته. وهذا ما أورثه "خالد" لي. وقد استشرتُ علماء، ولكنّ الأمر شديد التعقيد. لقد ترك لي "خالد" كل شيء، رسائل، مستندات، وحتى شهادة من محامٍ كان قد وكلّه لفهم الأمر. كان يريد أن يتصرف بمسؤولية، وأن يكشف لكِ الحقيقة، مهما كانت مؤلمة."

"إذاً، أنا... أنا لستُ زوجته؟" سألت "ليلى"، والكلمات تخرج بصعوبة من فمها، وكأنها تقطع وريداً في قلبها.

"من الناحية الشرعية البحتة، الأمر محلّ نظرٍ وجدلٍ كبير. والداكِ لم يكونا على علمٍ كاملٍ بالقصة، وقد يكونان قد تصرفا بناءً على معلوماتٍ ناقصة. ولكنّ المهم الآن يا ابنتي، هو ما ستفعلينه. لقد حان الوقت لتعرفي كل شيء."

نظرت "ليلى" إلى عمها، ورأت في عينيه خليطاً من الحزن والقلق والشفقة. لقد ألقى عليها عبئاً ثقيلاً، عبئاً لا تعرف كيف ستحمله. الحقيقة التي طالما عاشتها، والتي اعتقدت أنها وطيدة كالصخر، بدأت تتصدع وتنهار أمام عينيها.

"ولكن، لماذا لم يقل لي "خالد" الحقيقة بنفسه؟ لماذا ترك الأمر ليتم الكشف عنه بهذا الشكل؟" تساءلت، ولا تزال تشعر بالغصة في حلقها.

"لقد كان يعتقد أنه سيجد حلاً قبل أن يصل الأمر إلى هذا. لقد كان يبحث عن طريقة قانونية وشرعية لتصحيح هذا الوضع. ولكنّ تعقيدات الأمور، والخوف من فقدانكِ، جعلته يتردد. ولكنّ الأمر وصل إلى نقطة اللاعودة. لقد ترك لي هذه الوثائق، وطلب مني أن أكشف لكِ الحقيقة، وأن أترك لكِ حرية الاختيار."

"حرية الاختيار؟ أيّ اختيار؟" قالت "ليلى"، وتشعر بأنّ العالم يدور بها.

"اختيار البقاء، أو اختيار الرحيل. اختياري، يا ابنتي. اختياري في هذا الأمر. لقد وضعتُ أمامي كل شيء، لكي تتخذي القرار الذي يريحكِ، والذي لا يحمل الندم."

سقطت دموع "ليلى" بحرارة، وهي تفكر في "خالد"، في وجهه الحنون، في حبه الذي بدا لها صادقاً، وفي هذه الحقيقة التي قلبّت كيانها رأساً على عقب. كيف يمكن لحياةٍ أن تتشكل بهذا القدر من الغموض والتناقض؟ لقد وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة، نقطةٌ تتطلب منها أن تواجه حقيقةً مؤلمة، وأن تتخذ قراراً مصيرياً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%