الزوج المجهول
ظلال الماضي ونداء المستقبل
بقلم مريم الحسن
بعد انتهاء الحديث مع عمها "أبو أحمد"، غادرت "ليلى" الغرفة، وقلبها يعتصر ألماً. كانت الكلمات لا تزال تتردد في أذنيها، أصداءً مزعجة لواقعٍ قاسٍ. زواج أمها الذي لم يكن مكتمل الأركان، وسرّ "خالد" الذي عاش به، ثمّ الحقيقة المرة التي تلقيها الآن على عاتقها. لم يعد عالمها الذي عرفته ثابتاً، بل تحوّل إلى بحرٍ هائج، تتقاذفها أمواجه بلا رحمة.
صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، كأنها تريد أن تحبس نفسها بعيداً عن العالم، عن هذه الحقيقة التي لا تستطيع استيعابها. جلست على حافة السرير، ونظرت إلى يديها. أين كانت "خالد"؟ أين كان وعده؟ أين كان حبه؟ هل كان كل ذلك مجرد تمثيلية، أم كان يعيش صراعاً داخلياً لم تفهم أبعاده؟
تذكرت ابتسامته، تذكرت نظراته الحانية، تذكرت كلماته الرقيقة التي كانت تذيب جليد وحدتها. هل يمكن لكل هذا أن يكون مجرد قناع يخفي حقيقةً مؤلمة؟ هل كان "خالد" يعيش في هذا الزواج وهو يعلم أنّ أساسه هش؟
"لماذا يا "خالد"؟ لماذا لم تخبرني؟" تمتمت لنفسها، والدموع تنهمر على خديها.
شعرت بالوحدة تلتف حولها كوشاحٍ ثقيل. لم تعد تعرف لمن تثق، ولمن تبوح بسرّها. عمها "أبو أحمد" كان يحمل الأمانة، ولكنه هو الآخر كان مثقلاً بالهم. و"خالد"... "خالد" هو محور المشكلة، فكيف لها أن تواجهه بعد هذه الحقيقة؟
فتحت هاتفها، وتصفحت الصور. صور لها مع "خالد"، صورٌ كانت تملؤها بالبهجة والسعادة. الآن، بدت هذه الصور وكأنها تنطق بألف سؤال، وتدفعها إلى ألف شك. هل كانت تلك الابتسامات حقيقية؟ هل كانت تلك اللحظات مليئة بالصدق؟
مرّت الأيام بطيئة وثقيلة. أصبحت "ليلى" تفكر ملياً في كل كلمة قالها "خالد" لها، في كل موقف، في كل نظرة. بدأت ترى الأمور من منظورٍ جديد، منظورٍ يكشف عن طبقاتٍ من الألم والخوف كان "خالد" يعيشها.
ذات مساء، تلقت رسالة على هاتفها. كانت من "خالد". لقد عاد إلى المدينة بعد سفره المعتاد. "أرغب في رؤيتكِ، يا ليلى. لديّ ما أريد قوله لكِ."
شعرت "ليلى" بتيارٍ من القلق يمرّ في جسدها. هل كان هذا اللقاء فرصة لتبرير كل شيء، أم لتدمير ما تبقى من آمال؟ ترددت طويلاً، ولكنّ شغفها بمعرفة الحقيقة، ورغبتها في سماع كلماته، دفعتها إلى الموافقة.
التقيا في حديقةٍ عامة، مكانٌ اختارته "ليلى" ليكون بعيداً عن أعين الناس، بعيداً عن أعين العائلة. كان "خالد" يبدو متعباً، وعلى وجهه علاماتٌ من القلق والتردد.
"ليلى..." بدأ "خالد" بصوتٍ متقطع، وعيناه تثبتان في الأرض. "أعلم أنكِ تعرفين."
نظرت "ليلى" إليه، وعيناها تلمعان بالدموع. "نعم، "خالد". لقد عرفت كل شيء."
"أرجوكِ، استمعي إليّ. لقد حاولتُ جاهداً أن أجد حلاً. لقد كنتُ في صراعٍ داخليٍ كبير. لقد أحببتكِ، ليلى. أحببتكِ من كل قلبي. وعندما علمتُ بكل هذه الحقيقة، أصبحتُ في ورطةٍ لا يعلم بها إلا الله."
"ورطة؟ هل كان حبكِ لي مجرد ورطة؟" سألت "ليلى" بمرارة.
"لا، أبداً! حبكِ كان أغلى ما لديّ. ولكنّ هذه الحقيقة، حقيقة زواج أمي، حقيقة زواجكِ... لقد كانت معقدة جداً. لم أكن أريد أن أخبركِ، لأني كنتُ خائفاً. خائفاً من أن تخسريني. لقد حاولتُ أن أفكر في كل الحلول الممكنة. ولكنّ كل حلٍّ كان يؤدي إلى مشكلةٍ أكبر."
"ولماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أعيش في وهم؟"
"لأنني كنتُ أؤمن بأنّ حبنا أقوى من أيّ مشكلة. كنتُ أؤمن بأننا سنتجاوز هذا معاً. ولكنّني أدركتُ لاحقاً، أنني كنتُ مخطئاً. أنني لم أكن لأستطيع إخفاء الأمر للأبد. ولهذا، قررتُ أن أخبركِ بكل شيء، وأن أترك لكِ حرية اتخاذ القرار."
"أيّ قرار؟ قرار أن أكون زوجةً رجلٍ كذب عليّ؟ رجلٍ أخفى عني الحقيقة؟"
"لم أكن أكذب يا ليلى، كنتُ أؤجل، كنتُ أخشى. كنتُ أحاول أن أجد لكِ وضعاً آمناً. ولكنّني أخطأت، لقد أخطأتُ في تقديري. لقد كان واجبي أن أخبركِ فوراً، وأن أواجه معكِ هذه المشكلة."
"وماذا تريد مني الآن؟ أن أسامحك؟ أن أتجاهل كل شيء؟"
"أريدكِ أن تعرفي أنني نادم. نادمٌ على كل لحظةٍ أخفيتُ فيها الحقيقة. نادمٌ على كل لحظةٍ سببتُ فيها لكِ ألماً. أنا أحبكِ يا ليلى، وأريد أن أبقى معكِ. ولكنّني أعلم أنني لا أستحقّ منكِ شيئاً الآن. الأمر يعود لكِ. القرار لكِ."
نظرت "ليلى" إلى "خالد"، ورأت في عينيه صدقاً مختلطاً بالألم. لقد كانت كلماته صادقة، ولكنّ جرحها كان عميقاً. كيف يمكنها أن تثق به مجدداً؟ كيف يمكنها أن تبني حياتها على أساسٍ هشٍّ كهذا؟
"لقد وضعني عمي أمام خيارين، "خالد". خيار أن أبقى، وخيار أن أرحل. لقد أخبرني بكل التفاصيل، بالوثائق، بالقانون. أصبح الأمر مسألةً واضحة، ولكنّها مؤلمة."
"وماذا تريدين أن تفعلي؟" سأل "خالد"، وعينيه مليئتين بالأمل والخوف.
"لا أعرف، "خالد". لا أعرف. عقلي يقول شيئاً، وقلبي يقول شيئاً آخر. لقد كنتُ أؤمن بأنّ حبنا هو كل شيء. ولكنّ هذه الحقيقة، جعلتني أتساءل عن كل شيء."
"أتفهم مشاعركِ. لقد أفسدتُ كل شيء. ولكنّي لا زلتُ أحبكِ. ولا زلتُ أرغب فيكِ. إذا كنتِ ترغبين في البقاء، فسأبذل قصارى جهدي لإصلاح ما أفسدتُ. وإذا كنتِ ترغبين في الرحيل، فسأحترم قراركِ، وسأتقبّل كل ما يحدث."
صمتت "ليلى". لم تستطع أن تتكلم. لقد كان أمامها قرارٌ مصيري، قرارٌ سيحدد مستقبلها. حقيقةٌ مؤلمة، وحبٌ يبدو صادقاً، وواقعٌ لا يرحم. هل يمكن للحب أن يتجاوز كل هذه التعقيدات؟ أم أنّ هذه العقبات ستكون النهاية؟